شريف حتاتة: اعترافي بتعرضي لاعتداء جنسي في الطفولة كاد أن يطيح بي سياسيا!
علي هوامش شهادته وسيرته الذاتية يكشف المستورشريف حتاتة: اعترافي بتعرضي لاعتداء جنسي في الطفولة كاد أن يطيح بي سياسيا!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: شهدت الندوة نصف الشهرية التي تقيمها حركة أدباء وفنانون من أجل التغيير الشهادة الثالثة التي ألقاها الدكتور شريف حتاتة الكاتب والمناضل السياسي، وذلك بعد شهادتين ألقي أولاهما قبل شهر الشاعر أحمد فؤاد نجم وثانيتهما كانت للدكتور عبد الوهاب المسيري.وكانت الحركة قد قررت توسيع نطاق حضورها بعيدا عن الشعار السياسي المباشر واتجهت إلي التأسيس لمجلة جديدة سوف تصدر بعد حوالي الشهرين من الآن ويقوم علي الإعداد لها الآن الفنان عادل السيوي والدكتور شريف حتاتة وآخرون، كذلك قررت الحركة دعوة العديد من كبار الكتاب والفنانين لإلقاء شهاداتهم حول مسيرتهم مع الثقافة وتأملاتهم حول المستقبل، وتعد الحركة بعدد من المشروعات السنوية المزمع الإعداد لها مثل الاحتفال السنوي بأحد الفنانين الذين يتجاهلهم الإعلام الرسمي وكذلك تناقش الحركة منح عدد من الجوائز السنوية ذات القيمة الرمزية. وفي إطار هذه الفعاليات جاءت شهادة الدكتور شريف حتاتة دافئة وحميمية وصادقة رغم تحذيره الحضور من أنه لا أحد علي الإطلاق في عالمنا العربي قادر علي رواية سيرته بصدق كامل حيث الذات العربية دائما موضوع تنكيل وما زال البوح بأسرارها يمثل محظورا كبيرا، واشار إلي المشكلات التي سببتها له سيرته الذاتية في طبعتها الأولي بسبب رصده لبعض الجوانب الجارحة في سيرته، وكان وقتها في حزب التجمع، وتعرض آنذاك للتهديد بفصله من الحزب.وكانت دار ميريت للنشر قد أصدرت الطبعة الثانية من السيرة بعنوان النوافذ المفتوحة بالتزامن مع شهادة شريف حتاتة، حيث قام بتوقيع السيرة عقب انتهائه من إلقائه شهادته.يشير حتاتة في البداية إلي أن سنه الآن تقارب الخامسة والسبعين، لكنه لم يبدأ حياته الأدبية إلا منذ ثلاثين سنة بعد أن جاوز الثالثة والأربعين، وقبل ذلك كان منهمكا في النضال السياسي في قلب الحركة اليسارية الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المشهورة باسم حدتو . يقول حتاتة: حتي ذلك السن لم أكن قد اقترفت الكتابة، وكانت اول رواية كتبتها كانت بعد زواجي من الكاتبة والروائية والمناضلة من أجل حقوق المرأة، نوال السعداوي، التي شجعتنا علي الدخول في المعترك.ويضيف انه جاب سجون مصر كلها سجينا في سجون قري ميدان الحربي، ليمان طرة، الواحات، المحاريق، وبعض السجون الأخري وقد وصل إجمالي فترات سجنه إلي أربعة عشر عاما.ويعبر حتاتة عن شعوره بالاغتراب بشكل شبه دائم ويقول: يحدث ذلك في كل البلاد، بما فيها الوطن، أضيق بهذا الإحساس أحيانا، لكنني أقول لنفسي ألا سبيل إلي أن أصبح شخصا آخر؟ إن القدر من الفن ومن الصدق الذي أمارسه في حياتي، وفي كتاباتي، وربما يرتبط بهذا الاغتراب لأنه يعبر عن تمردي ضد الأوضاع، وهناك علاقة وثيقة بين الفن والتمرد، بين الفن والغضب في بلاد يهان فيها المواطن. والإنسان، يهان فيها كل من لا يحتل موقعا أو يملك سلطة، أو يستحوذ علي مال.و يضيف حتاتة: عندما أعود إلي الروايات الثماني التي كتبتها حتي الآن أجد أنها تتضمن دون استثناء جوانب مهمة من حياتي، وأعتقد أن هذا سينطبق بدرجات متفاوتة علي كل هذه الروايات، فالكتابة إلي حد كبير انعكاس لحياة الكاتب، ويردف: في السنين الأخيرة زاد الطابع الذاتي في الكتابات العالمية، وإلي درجة أقل في الكتابات العربية. كما أن الذاتية ظاهرة ملحوظة في الكتابة النسائية، ولهذا السبب يعاملها الكثير من النقاد العرب، وهم عادة رجال، باحتقار شديد. ويصفونها بأنها إرهاصات أدبية أو بدايات ساذجة، أو محاولات روائية ليست فيها أركان الرواية الناضجة.هذا إذا لم تكن في الكاتبة صفات أخري مثل أن تكون شابة متموجة القوام، أو أن يفوح من ملابسها عطر البترول، ويضيف حتاتة أنه كثيرا ما يكون علي رأس الأسباب التي يذكرها هؤلاء النقاد لعدم احتفائهم بهذه الأعمال هذا الذي يسمونه الطابع الذاتي وينسون أن الذاتية يمكن أن تكون إطلالة علي عوالم عجزوا عن رؤيتها حتي الآن، أو تمردا ضد القهر الواقع علي جنس الإناث، أو ضم الصمت المفروض علي النساء وحرمانهن من التعبير عن جوانب من حياتهن ظلت محاطة بالظلام، عن أفكار، وأحاسيس نابعة من تجربتهن المختلفة عن تجربة الرجال.وحول موضوع السيرة الذاتية يقول حتاتة: في العقود الأخيرة حفرت السيرة الذاتية لنفسها طريقا مميزا في الأدب، وفي الكتابة عموما. ففي عصر ما بعد الحداثة أدي التطوير العلمي والتكنولوجي في مجال الاتصال والمعلومات إلي تطور اقتصادي سياسي أطلق عليه اصطلاح عولمة، والعولمة ـ حسب حتاتة ـ عملية توحيد، وتركيز في وسائل انماط الإنتاج والتجارة والخدمات، أي في النشاط الاقتصادي بشكل عام. فالسلع نفسها أصبحت تباع في نيويورك والقاهرة وبومباي وجاكارتا، ويضيف حتاتة أن حياة الناس أصبحت محكومة بقواعد صارمة في العمل والدراسة، والسكن، والانتقال والترفيه وفي مختلف المجالات اتجهت إلي التوحيد في كل البلاد، ما عدا تلك التي ما زالت مهمشة في أطراف الأطراف، كل شيء في الوجود غدا مبرمجا لصالح الاحتكارات الرأسمالية العابرة للأوطان. يعود حتاتة إلي السيرة الذاتية ليؤكد علي أن التجربة الذاتية المتفردة يمكن أن تتلاقي مع تجربة الآخرين وان تلقي عليها أضواء مختلفة ولكن يظل لها جسدها الخاص، ويضيف أن هناك عاملا آخر يلعب دوره في انتشار السيرة الذاتية في الكتابة الأدبية هذا العام هو المساهمات السياسية والثقافية والفكرية الهامة للنساء في العالم وفي المنطقة العربية. إنها نوع من الكتابة غذتها أصوات نصف البشرية التي بدأت ترتفع في كل المجالات ضد القهر الأبوي المفروض علي جنس النساء.ويري حتاتة أن الكتابة عن الخاص وعن الذات أكثر يسرا مما كانت عليه في عهود سابقة، ومع ذلك فإن الكتاب العرب ومعهم المصريون عندما يسجلون سيرهم الذاتية ما زالوا يتفادون التعرض لما هو خاص في حياتهم بسبب التربية الدينية، والتقاليد والقيم وسائر المحرمات التي تحيط الأسرة، والعلاقات الجنسية أو بنواح أخري يمكن أن تكشف عن الذات العميقة، عن الضعف والفساد والتناقش والازدواج عن الحقيقة العارية المدفونة في الأعمال.ويري حتاتة هنا أن السيرة ليست مسائل اجتماعية أو سياسية أو تاريخية تحدث في عصر الكاتب فيقصها أو يسردها، ولكنها ذاتية بمعني أنها تحمي عن حياته وعلاقاتها بالمجتمع من حوله، بالأحداث والأزمنة والأمكنة التي قامت بينه وبينها صلات أثرت فيه وتفاعل معها.وعلي هذا المستوي يعترف شريف حتاتة أنه لم يعان من سطوة المحرمات والموانع بالقدر الذي عاني منها زملاؤه من الجيل نفسه، حيث كانت أمه إنكليزية، وتأثر بها وبسلوكها وبقراءاته المبكرة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ويقول حتاتة: في أسرتنا لم أتلق التربية الدينية والفكرية والتي كانت سائدة. فأثناء حياتي، ومنذ سن صغيرة سفرت إلي عدد من بلاد العالم في أوروبا، وأمريكا، وآسيا وأفريقيا وعشت في بعضها سنوات. أدركت ان التقاليد والقيم وأساليب التفكير هي وليدة التاريخ والمجتمع، وليست أشياء ثابتة مقدسة لا يجوز أن نفكر فيها أو نغير منها، ولنا أن نناقش تأثيرها علي حياتنا، ويعترف حتاتة أيضا أنه من اهم العوامل التي لعبت دورا في جنوحه المتزايد نحو الإفصاح ـ حسب تعبيره ـ كان زواجه من الكاتبة نوال السعدواي والحوار الذي دار بينهما طيلة هذا الزواج المستمر حتي الآن وهو حوار ـ كما يصفه حتاتة ـ لم تقف في سبيله أية حساسيات او محرمات، ويقول: فهي بحكم استمساكها القوي بضرورة تغيير وضع المرأة الآدمي، وتصحيح العلاقات بين الجنسين تعودت التنقيب المستمر في كل مجالات الفكر والعمل، والحياة لأن وضع المرأة في المجتمع مرتبط بكل ما هو خاص وعام، بحجرة النوم ومشاكل الأسرة وبالسياسة الدولية والاقتصاد.ويضيف حتاتة أن العلاقات الأبوية في المجتمع تتضافر مع علاقات الاستغلال، مع القهر الطبقي ضد الفقر لتصنع الفرعون، والفرعون لا يمكن أن يظل فرعونا إذا أفصح عن نفسه، عن نواحي الضعف فيه، عن حقيقة التناقضات التي يعاني منها، إذا واجه صعوبة الإنسان الذي يسكن في أعماقه. الفرعون لا يستطيع أن يكتب سيرة ذاتية . إنه يستطيع فقط أن يكتب عن غزواته في السياسة أو العمل او الفن أو العلم أو الفكر أو مع النساء. الفرعون لا يريد أن يفهم نفسه. أن يعي نفسه، فكيف يكتب عنها.و يؤكد حتاتة من هذا المنطلق علي ارتباط الصدق بالفن ويقول إن ممارسة الصدق عادة تتطور مع كل خطوة يتخذها للتخلص من الزيف. وكل كاتب يختلف في الصورة التي يسعي إلي إبرازها حسب فلسفته في الحياة. والمبادئ التي يؤمن بها، لكني اكتشفت أن الصدق مريح، وله مردود لا يضارعه شيء حتي إن طال الزمن قبل أن أشعر بصداه عند الذين يهتمون بما اكتبه. فمن يؤمن بأن الكتابة رسالة، وليست مهنة لا بد أن يدفع الثمن، وفي هذا السياق يذكر شريف حتاتة واقعة من هذه الوقائع المؤسفة إذ يقول: أتذكر كيف أن إحدي دور النشر الكبيرة التي يترأسها أحد رجال النخبة المفكرة رفضت أن تنشر الجزء الأول من سيرتي الذاتية ومن بين الأسباب التي ساقتها لهذا الرفض تعرضي لحادث اعتداء جنسي وقع علي وأنا طفل، والآثار النفسية التي ترتبت عليه. وهي تجربة يتعرض لها المئات من الأطفال الذكور والإناث في كل بلاد العالم. ولكن المطلوب منا هو أن نخفي هذه الحقيقة التي تكشف فساد الأسرة وما يحدث فيها في الخفاء.وعن فترة عمله بالسياسة يقول حتاتة: انضممت إلي اليسار في فترة تمردت فيها علي انغلاق الأسرة، وحياتها، وعلي اغترابي عن المجتمع المصري، وسعيه نحو الحرية والاستقلال ضد الإقطاع والملك، والاستعمار البريطاني بمصر. اليسار حطم الأنانية الأسرية، والطبقية التي حالت دون أن أري ما كان يجب أن أتنبه إليه، فحررني من أفكار وقيم كانت تشغل الحركة الحرة للنفس. حطم قبولي لسطوة المال، والسلطة، والفكر الديني المتزمت علي أوضاعنا لكنه في الوقت نفسه فرض علي قيودا من نوع جديد كان علي أن أكسرها في مرحلة لاحقة من حياتي. جمود في الفكر وبعد عن الواقع ظلا معي سنين طويلة إلي أن حررني منهما الفن والوعي بالمرأة ومشاكلها وقدر أكبر من النضج.ويذكر حتاتة أنه بدأ كتابة الجزء الأول من سيرته الذاتية قرب نهاية عام 1991 وسافر في عام 1993 إلي أمريكا بعد أن وضع اسم نوال السعداوي في قوائم الاغتيال. وأقاما معا في مدينة صغيرة هي درهام بولاية نورث كارولينا بعد أن التحقا بجامعة ديوك كأستاذين زائرين يقومان بالتدريس سويا مرتين في الأسبوع في المنهج الذي اختاراه وكان اسمه التمرد والإبداع وهناك أنجز الجزء الثاني من السيرة الذاتية ثم الجزء الثالث الذي صدر في شباط (فبراير) 1998، ثم صدرت السيرة في كتاب واحد صدر مؤخرا عن دار ميريت للنشر والتوزيع.0