القاهرة ـ «القدس العربي»: «إن ما حدث في 30 يونيو/حزيران 2013 هو انقلاب عسكري على التحول الديمقراطي، الذي فتحت أبوابه ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، والذي تمت صياغته في الدستور الجديد الذي حدد قواعد التبادل السلمي.. هذا الانقلاب العسكري إنما يعيد عقارب الساعة في مصر إلى ما قبل 60 عاماً، عندما قامت الدولة البوليسية القمعية التي اعتمدت سُبُل الإقصاء للمعارضين حتى وصل الأمر إلى أن أصبح الشعب المصري كله معزولاً سياسياً يتم تزوير إرادته، بالإضافة إلى أنه أصبح يعاني من أجهزة القمع والإرهاب». (محمد عمارة 13 يوليو/تموز 2013).
جاء رحيل المفكر المصري محمد عمارة (8 ديسمبر/كانون الأول 1931 ــ 28 فبراير/شباط 2020) ليثير جدلاً ــ ربما سيستمر بعض الوقت ــ كاشفاً عواراً في الوسط الثقافي المصري، فالأمر تحوّل إلى تصفية حسابات، وتقديم فروض السمع والطاعة للنظام الحاكم. فما بين التبجيل المبالغ فيه، بوصف الرجل أنه (محامي القضية الإسلامية) من منطلق المؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين. أو وصفه بـ(الإرهابي) من قِبل المتنورين المناضلين، الذين للمرّات القليلة يتوافقون وفضائيات النظام الحاكم. ومما زاد من حدة الموقف هو الوقت الذي رحل فيه الرجل، وقد جاء بعد أيام قليلة من وفاة مبارك المخلوع (25 فبراير 2020)، وقد تباينت مواقف مَن اتهم الرجل بالإرهاب، وبالتالي صبّ اللعنات عليه، وبين موقفهم في الترحّم على الرئيس الذي تسبب في مقتل المئات في ثورة 25 يناير 2011 ـ وهم أنفسهم من دعاة الثورة ليل نهار على صفحات الفيسبوك، وتذكر أيام يناير، فهم بالطبع أول من نزل إلى ميدان التحرير ـ وأصاب في عهده المجتمع المصري بآفات اقتصادية واجتماعية لم يزل يعاني منها أشد المعاناة. فكرة طلب الرحمة من عدمها ليست هي شاغلنا ــ الله أعلم بمخاليقه ــ ولكن يمكن استعراض مواقف ومحطات مهمة في مسيرة محمد عمارة، الماركسي السابق والمتأسلم أخيراً، ربما نكتشف مدى تكريس فكرة الرأي الأوحد، ومحاولات فرضه، سواء من متأسلم لا يرى سوى دار الإسلام مقابل دار الحرب، أو متنوّر ينادي ليل نهار بمصطلحات لا يحتملها كالديمقراطية وحرية الرأي، فكل منهما لا يرى الحقيقة إلا في ما يعتقده صحيحاً، وكل ما عداه باطل.
من الماركسية إلى التأسلم
مرّ محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فرغم نشأته الدينية، إلا أنه كان في بداياته يسارياً عروبياً، مُنظراً للفكر الماركسي. فكرس نشاطه دفاعاً عن العروبة ومحاربة الاستعمار. وبعد انقلاب 23 يوليو/تموز انخرط في التيار اليساري، وتسببت أفكاره ومواقفه السياسية في فصله عن الجامعة، لتقوده عام 1959 إلى السجن. حتى انتهى به المطاف إلى مغادرة الجبهة اليسارية، والانضمام إلى التيار الإسلامي. وعن هذا التحول يقول الرجل «دخلت اليسار من باب الدفاع عن القضايا الثورية والعدالة الاجتماعية، لكنني اكتشف أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام، وليس في الصراع الطبقي والماركسية». فكان ينتقد تركيز التيارات الإسلامية على السياسة، وإهمالها المشروع الإصلاحي، وتجاهلها مسألة العدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى يقول الناقد شعبان يوسف في مقال ــ نشر في جريدة «التحرير» عام 2015 ــ بعنوان «شذرات من التاريخ السرّي للدكتور الشيخ محمد عمارة».. كان محمد عمارة عضواً في الحزب الشيوعي (الراية)، وعندما تمت الوحدة بين الأحزاب الشيوعية في يناير 1958، تحت اسم )الحزب الشيوعي الموحَّد(، كان محمد عمارة، الذي كان ما زال طالبا في كلية دار العلوم، مسؤول لجنة منطقة القاهرة للحزب، وهذه كانت مسؤولية كبيرة في الأحزاب الشيوعية، وكان اسمه (الرفيق سلّام). كان عمارة يكتب الشعر العمودي والنقد الأدبي، وينشر في المجلات الرسمية مثل مجلة «التحرير»، وهي أول مجلة أصدرتها سلطة يوليو في سبتمبر/أيلول 1952، أي بعد قيام ثورة يوليو بشهرين. وفي 7 إبريل/نيسان 1958، نشرت جريدة «المساء» خبراً عن صدور كتاب لمحمد عمارة عنوانه «القومية العربية.. ومؤامرات أمريكا ضد وحدة العرب»، وقدٌم للكتاب الناقد والمفكر محمود أمين العالم، وظل عمارة على تماس مع اليسار الرسمي حتى عقد السبعينيات، ونشر بعض كتبه في دار الثقافة الجديدة، قبل أن يتحول إلى الفكر الإسلامي من وجهة نظر التعصب.
ويربط الباحث هاني نسيرة في مؤلفه «الحنين إلى السماء» بين ظاهرة تحول بعض المفكرين المصريين، ذوي التوجهات العلمانية أو الليبرالية أو الماركسية نحو التوجه الإسلامي، وصعود ما يسمى بالصحوة الإسلامية منذ السبعينيات، وفيها تبنى (المتحولون) تصوراً إسلامياً شاملاً للوجود والحياة والاجتماع، خصوصاً بعد فشل الأيديولوجيا القومية العربية وأنظمتها الثورية الحاكمة، متمثلة في هزيمة 1967، حيث دفعت هذه الأسباب هؤلاء إلى كتابة نقد ذاتي لقناعاتهم السابقة، وقد استخدموا المناهج والرؤى السابقة في إثراء توجههم الجديد.
الشائع والمروّج له أن محمد عمارة كانت له يد في مقتل فرج فودة (أغسطس/آب 1945 ــ يونيو/حزيران 1992)، بعد المناظرة الشهيرة في معرض القاهرة للكتاب، والتي دارت حول (الشريعة والحاكمية)
الشيعة والكنيسة
أثار محمد عمارة عدة مشكلات نتيجة كتاباته، فقد نشر كتاباً صدر مع مجلة «الأزهر»، في أكتوبر/تشرين الأول 2013 ـ التي كان يترأس تحريرها وقتها ــ بعنوان «الخطوط العريضة لدين الشيعة»، لمؤلفه محب الدين الخطيب. وقال عمارة في مقدمة الكتاب: «الشيعة ليست مذهباً أو طائفة وإنما دين، تحالف أصحابه مع الصليبيين وهولاكو والإمبريالية الأمريكية والمسيحية الصهيونية ضد المسلمين». كذلك وصف في بعض كتاباته الديانة المسيحية بأنها (ديانة فاشلة)، ما خلق توتراً ما بين الكنيسة المصرية والأزهر.
شهيد الفكر
الشائع والمروّج له أن محمد عمارة كانت له يد في مقتل فرج فودة (أغسطس/آب 1945 ــ يونيو/حزيران 1992)، بعد المناظرة الشهيرة في معرض القاهرة للكتاب، والتي دارت حول (الشريعة والحاكمية)، وهي المناظرة التي وقف فيها فودة ومحمد أحمد خلف الله أمام محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي. وتصدر المشهد أن اغتيال فوده جاء بعد فتوى وتحريض من جبهة علماء الأزهر، قائلة بردّة الرجل ووجوب قتله. وأن عمارة نفسه كان عضواً في لجنة الفتوى. ولكن حسب قول الباحث الإسلامي عصام تليمة ــ موقع «عربي 21» في 5 مارس/آذار 2020 ــ فإن جبهة علماء الأزهر لم تصدر أي فتوى بردّة أحد طوال تاريخها، كما تكمن المفارقة في أن هذه الجبهة التي تأسست عام 1946 توقف نشاطها منذ ثمانينيات القرن الفائت، ولم تعد إلى العمل إلا في عام 1994، كما لم ينضم إليها محمد عمارة إلا عام 1997، وهو ما ينفي اشتراك عمارة في التوقيع على بيان مثل هذه الجبهة، التي لم تكن موجودة أصلاً وقت اغتيال (الشهيد) فرج فودة. الأمر الأكثر مفارقة أن كلمة (الشهيد) التي يُطلقها مؤيدو فرج فودة تخرج تماماً عن مدار أفكارهم، وما استخدامها إلا تسوّل جماهيري ليس أكثر.
حظيرة الإيمان
أصدر محمد عمارة كتاباً عنوانه «طه حسين.. من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام» عام 2014، ضمن مجلة «الأزهر» التي كان يترأس تحريرها ذلك الوقت. وفي هذا الكتاب حاول عمارة أن يُعيد عميد الأدب العربي إلى حظيرة الإيمان، وبدلاً من تكفير الرجل أو تقديسه، أمسك عمارة بالعصا من المنتصف، فأكال الاتهامات في النصف الأول من الكتاب، ورحب بتوبة طه حسين وعودته إلى حظيرة الإيمان في النصف الثاني منه، فأشار في المقدمة إلى أن «رسالة الكتاب أن يتحدث طه حسين بنصوصه هو، ليعلن عن تطوره الفكري وعن مراجعاته الفكرية كي ننصفه من المتعصبين له، والمتعصبين عليه على حد سواء». مقسماً الكتاب إلى أربع مراحل، أهمها بالطبع الأخيرة، التي أطلق عليها (الإياب والانتصار الحاسم للعروبة والإسلام)، والتي اعتبرها عمارة الأهم في مسيرة طه حسين الفكرية، وأنها مرحلة عودته للإسلام، وفيها تحدث ـ طه حسين ـ عن المعجزات باعتبارها علما له معاييره الخاصة، رغم أن العقل القاصر لا يحيط بها، وعاد للصلاة على النبي عند ذكره، وهو ما كان قد توقف عنه طيلة فترة انبهاره بالغرب، إضافة إلى بعض الحكايات التي يذكرها عمارة عن طه حسين، وهي حكايات أسرية خاصة ـ لم توجد في مؤلفات طه حسين بالطبع ـ كمحاولات تنصيره، وأنه كان يصلي سراً خشية زوجته، كما أن زواج طه حسين من سوزان كان في الأصل مؤامرة من عمها القس لزرع الرجل عميلاً لتخريب مصر ـ فكرة المؤامرة التي يعيش عليها المتأسلمون ـ تُرى أي نصوص لطه حسين حاول محمد عمارة أن يستنطقها لتقول هذا الكلام!
آراء متباينة
بداية نعى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عمارة ووصفه بـ»الحارس اليقظ المرابط على ثغور الإسلام»، ثم توالت الآراء المتباينة، نذكر منها.. « الدكتور محمد عمارة رحمة الله عليه، واحد من أصحاب التحولات العجيبة في الفكر المصري من أقصى اليسار وتنظيم حدتو نصيراً لماركس وتروتسكي، إلى أقصى اليمين مع الإخوان نصيراً لرابعة! كتب في بداياته عن الفرق الإسلامية كتباً تعد مراجع، خاصة المعتزلة وقد عرفت منه شخصياً خريطة تلك الفرق، ولم أجد من يتفوق عليه في هذا الشرح، ثم حقق إنتاج الإمام محمد عبده بامتياز وبمنتهى الدقة، ثم عندما تحول هجر فكر المعتزلة العقلاني وقدّم القرابين لسيد قطب». (خالد منتصر، طبيب وكاتب).
«رحم الله الدكتور عمارة فلا نملك في هذه اللحظة إلا الترحم عليه فهو بين يدي الله جل وعلا، وقد طالبناه في نادي أعضاء التدريس في الأزهر بالانسحاب من هيئة كبار العلماء، وعبرنا عن رفضنا وجوده بها وضرورة إقالته أو تقديمه لاستقالته، لما كان يمثله من مرجعية للجماعة الإرهابية، فقد كان صاحب فكر مخالف للأزهر، ولكن للأسف استمر في عضويته بهيئة كبار العلماء حتى وفاته». (محمد حسين عويضة، رئيس نادي أعضاء التدريس في الأزهر).
«الدكتور عمارة كان مثار حيرة طوال حياته، فقد بدأ يساريا ثم تحول عدة تحولات، وفي كل تحول كان يؤلف كتبا مصبوغة بالمرحلة التي يعيشها، وكنت أتمنى لو استقر فكريا قبل أن يبدأ بالتأليف، وهذا منهج الأزهريين وعلماء المسلمين». (عبد الغني هندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية)
«محمد عمارة بين (المفكرين) يحتل مكانا متواضعا، فلا هو صاحب أفكار أصيلة ولا منهج جديد، سواء حين كان يساريا أو حين أصبح إسلاميا. كتبه غالبا عبارة عن تجميعات لمعلومات موجودة في كتب أخرى، يعيد عرضها لخدمة هدف أيديولوجي معين، لكن مكانته أفضل بين المُكفرين، فله إسهامات تخريبية مهمة، لكنها لا تضعه على رأس المكفراتية كسيد قطب وشكري مصطفى، ولا تجعله مُنظِّرا مهما للتكفير، بل كان هنا أيضا أقرب إلى أيديولوجي يشتبك مع خصوم بتكفيرهم بأفكار مطروحة ومألوفة». (شريف يونس، أكاديمي وباحث في التاريخ المعاصر).
«للتاريخ .. الدكتور محمد عمارة لم يكفر أحدا، ولا أهدر دم أحد، لا فرج فودة ولا غيره، وحتى نصر أبو زيد عندما قضت محكمة النقض بردته عن الإسلام، أعلن عمارة أنه يرفض أن يكفره أو يحكم بردته، وكل كلام غير ذلك هو محض اختلاق وأكاذيب وتهييج طائفي أو أيديولوجي أو سيساوي غير أمين ولا نزيه». (جمال سلطان، رئيس تحرير جريدة «المصريون»).
هذه بعض ملامح من أفكار الرجل ومواقفه، وأفكار مَن داروا حولها. والملاحظ أن ما بين العمامة والقبعة يوجد دائماً كاب عسكري يدور الجميع في فلكه، فهم صورة مصغّرة من سلطة يتباهون بلعنها بينهم، لكنهم في الحقيقة يتمنونها ليتسلطوا على مخاليق الله.
بيبلوغرافيا..
محمد عمارة مصطفى عمارة، مواليد عام 1931 في قرية صروة في محافظة كفر الشيخ. حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة عام 1965. والماجستير تخصص فلسفة إسلامية من الكلية نفسها عام 1970، والدكتوراه عام 1975. كان عضواً في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مجمع البحوث الإسلامية، هيئة كبار علماء الأزهر، ورئيس تحرير مجلة «الأزهر»، من 2011 وحتى يونيو/حزيران 2015. حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1976.
كتب عمارة أكثر من مئة كتاب، ما بين تحقيق وتأليف، نذكر منها.. «الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، قاسم أمين». ومن المؤلفات.. «التفسير الماركسي للإسلام. المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية. جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض. التراث والمستقبل. الإسلام والسياسة: الرد على شبهات العلمانيين. نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم. هل المسلمون أمة واحدة. تهافت العلمانية. عندما دخلت مصر في دين الله».