محنتي مع الفضائيات المندسة!

حجم الخط
0

صبري عيسىماذا تفعل عندما تشعر بأنك محاصر، وأن حلقات الحصار تشتد من حولك حتى ينتابك نوع من الاختناق، وذلك بسبب الادمان على مشاهدة القنوات الفضائية مع ما يترتب على ذلك من مخاطر ‘اتهامي’ بالاعجاب بها بسبب التحريض المستمر ضدها، والدعوة لمقاطعتها واتهامها بالكذب، وإثارة الفتنة والعمل على تسويق ‘أجندات خارجية’. إضافة الى سيل من الاتهامات الأخرى، وذلك ضمن حملة إعلانية شملت كل وسائل الإعلان وشعارات انتشرت في الشوارع على شكل إعلانات تصدرت اللوحات الإعلانية ومواقف الباصات، إضافة الى ملصقات جدارية متعددة الأشكال والألوان والأحجام.

حملات العداء والتحريض ضد هذه القنوات أصبحت هي اللغة السائدة في الخطاب الإعلامي مع التشكيك ‘بالأهداف المشبوهة’ لهذه القنوات والعاملين فيها، وبكل من يتابعها أو يشاهدها أو يتعاطف معها.

لذا قررت ومن دون ‘ضغط من أي جهة’ إلغاء ‘الطبق المستقبل’ لهذه القنوات والعودة الى عصر ‘الهوائي’ القديم الذي يقتصر على استقبال ‘القناة الأرضية السورية’ حتى أجنب نفسي شبهات ‘الاتهام المحتمل’ بمشاهدة هذه القنوات أو الاعجاب بها.

في البداية سأجد صعوبة في التعود على رؤية القناة الأرضية، لكن الصعوبة الأكبر هي حرماني من متابعة ‘البث التجريبي للقناة الاخبارية السورية’ التي أدمنت على مشاهدتها مع إعجابي بالشارة المتحركة، أقصد ‘الكرة الأرضية’ التي تتدحرج بين طرفي الشاشة لتشكل حالة من ‘الإبهار البصري’ لم أشاهد مثله على أي فضائية أخرى، وسأفتقد أخبارها ‘المميزة’ التي تصلها مباشرة من أماكن الأحداث عبر مراسليها المنتشرين في كل بقاع العالم، التي تجعلني ‘أبحلق’ بانتباه شديد بالشريط الإخباري أسفل الشاشة مركزاً على عبارة ‘هام’ التي تسبق أخبارها المهمة في إنجاز شاهدناه سابقاً على شاشة قناة ‘الدنيا’ في سنواتها الأولى، وحتى أبقى على تواصل مع ‘الاخبارية’ من دون مشاهدتها، فقد زينت جدران بيتي بشعاراتها التي تكررها طوال ساعات البث من مثل ‘إعلام لا يبرر للحكومات أفعالها’. ولا أنسى تغطيتها للانتخابات التركية التي جرت يوم الأحد 12/6/2011 وتم اعلان نتائجها مساء اليوم نفسه، وفي صباح اليوم التالي قدمت القناة برنامجاً تحليلياً عن الانتخابات استهلته بعبارة ‘تجري غداً الانتخابات التركية وعرضت توقعاتها لنتائج الانتخابات’ مما زاد من إعجابي بالقناة وشعارها الآخر ‘الوقائع كما وقعت والأحداث كما حدثت’. سأفتقد مشاهدة المعلقين السوريين الذين يحّلون ضيوفاً دائمين على شاشات ‘القنوات الفضائية المندسة’ وسأعوض هذا الغياب – من دون العودة الى ‘الطبق المشبوه’ ـ بالطلب الى الزملاء ضيوف هذه القنوات بارسال صورهم الشخصية لي لأدخلها ضمن ‘القوائم المفضلة’ وأزّين بها سطح المكتب لتظهر لي كلما أقوم بتشغيل جهاز الكومبيوتر، كدليل محبتي لهم واقتناعي بكل ما قالوه وما لم يقولوه، وأخص بالذكر الزملاء أحمد الحاج علي، الياس مراد، فايز صايغ، ومصطفى مقداد الذي ينفرد عن غيره بالاعلان عن حضوره مسبقاً على صفحته على (الفيسبوك) بعبارة أنا سأكون على فضائية ‘كذا’ الساعة ‘كذا’ مما يجلب السرور لكل المشاهدين للانتقال الى قنوات أخرى عند حضوره ‘غير المفاجئ’، باستثناء المشاهدين في مدينة درعا ‘مسقط رأسه’ حيث يقوم أهالي المدينة بنصب شاشات كبيرة في الساحات العامة لمشاهدة ابن مدينتهم وهو يهاجم ‘القنوات المندسة’ ويفحم مذيعيها ويخرسهم بالحجة والبرهان!

وطبعاً لابد من ذكر أسماء الفرسان الجدد الذين يخوضون يومياً معارك ضارية على شاشات هذه القنوات مسجلين ‘انتصارات ساحقة’ ضد مذيعيها واتهامهم بالكذب والانحياز وتبني ‘أجندات مشبوهة’، ومن يتابع المعلقين بسام أبوعبدالله، طالب ابراهيم، عصام التكروري، خالد عبود، شريف شحادة، عصام خليل، علي القاسم، عبد السلام راجح، محمد الآغا، وغيرهم، يشعر بالزهو والافتخار بهذه المجموعة من خبراء التحليل السياسي والمتابعة الاعلامية، وبما يتمتعون به من ‘رؤية ثاقبة، وتحليل موضوعي’ مما يجبر ‘الفضائيات المشبوهة’ على التراجع عن مواقفها مبدية أسفها مع الاعتذار الشديد عن نشر الأخبار الكاذبة والتقارير المزورة والصور الملفقة!

؟ في كل مرة يظهرلي أحد هؤلاء المعلقين على إحدى الفضائيات، أشعر بأنه يقف لي بالمرصاد خلف التلفزيون حاملاً ‘هراوة’ كالتي يحملها رجال الشرطة في أفلام الأكشن الأمريكية، لكن عندما يظهر السيد خالد عبود عضو مجلس الشعب السابق عن مدينة درعا، وهو مزهو بصوته العالي وانفعاله الغاضب، أشعر بأنني بحاجة لوضع أكياس من الرمل بيني وبين التلفزيون حتى أحمي نفسي من استفزازاته لي كمشاهد لا للمذيع الذي يحاوره!

مصيبتنا مع هؤلاء أنهم يعطون رأياً شخصياً فيما يقولونه، ولا يقدمون المعلومة التي ينتظرها المشاهد والمتابع، وفي كل مرة ينتهي اللقاء بقيام الضيف بمهاجمة القناة التي استضافته وشتم أي ضيف آخر يشترك معه في الحوار، بشكل يحرج المذيع أو المذيعة لانهاء اللقاء بعبارة ‘وصلت الفكرة’ والاعتذار بضيق الوقت!

وهنا لابد من الاشارة إلى ميزة مهمة يتصف بها المحلل السياسي السوري، وهي تمسكه بإجابة واحدة على عشرات الأسئلة، ورغم الحرفية التي تميز محاوري الفضائيات فلم يسبق لأي منهم أن نجح في الحصول على إجابات مختلفة من أي محلل سياسي يعمل في الإعلام السوري، وكأنهم تلقوا درساً واحداً قبل اطلالتهم على الفضائيات العربية!***لقد فقد الاعلام السوري كثيرا من الاعلاميين المميزين بسبب سياسة التجميد والتطفيش التي مارستها الادارات الاعلامية المتعاقبة خلال العقود الأخيرة، مما اضطر بعضهم للهجرة والعمل في وسائل اعلامية عربية وحققوا حضوراً مميزاً ونجاحات متقدمة على شاشات الفضائيات العربية والأجنبية الناطقة بالعربية، وشكل نجاحهم مصدر فخر لكل السوريين، وأصبحت القنوات الفضائية تتنافس على استقطابهم والتعاقد معهم، ومنحهم الامتيازات المعنوية والمادية التي تليق بنجوميتهم مما زاد من معدلات نسب المشاهدة لهذه القنوات على مستوى الوطن العربي، إلا أن أوضاعهم تعرضت للاهتزاز بسبب اختلاف سياسات هذه القنوات مع الخطاب الاعلامي السوري، حيث قام بعض ‘المزاودين’ بالتشكيك بانتمائهم للوطن ووضعهم أمام خيار الاستقالة أو التخوين محملين إياهم تبعات توجهات القنوات التي يعملون بها، وأصبح على الإعلامي السوري أن يستيقظ من نومه صباحاً ليستمع الى نشرة الأحوال الجوية داعياً الله تعالى ألا تختلف سياسات المحطات التي يعملون بها مع الخطاب الرسمي السوري حتى لا يفقدوا عملهم.**المداولات والحوارات التي تنشرها وسائل الاعلام عما يدورفي اجتماعات (لجنة قانون الاعلام) تدعو للتفاؤل بسبب الشفافية التي تعتمدها اللجنة باطلاع الرأي العام على تفاصيل هذه الحوارات، الا أن هاجس الحذر الذي لا يفارقني يدعوني الى سؤال اللجنة: هل يمكن تضمين هذا القانون ‘ضوابط’ تمنع وزراء الاعلام من ممارسة مزاجياتهم وفرديتهم التي تسببت في وصول إعلامنا الى هذا المستوى المتدني من الأداء وفقدان الثقة مع الناس؟ وأعتقد أن الزميل طالب قاضي أمين رئيس اللجنة الذي عاصر عدداً من وزراء الاعلام يعرف الكثير، كما أن الزميل ابراهيم ياخور الذي عرفته في الأسابيع الأولى لصدور صحيفة ‘تشرين’ صحافياً مميزاً قاده طموحه المهني لتحقيق إنجاز ما على شاشة التلفزيون السوري، وقدم برامج اقتربت من هموم الناس ‘ملفات حارة’ الذي تم إيقافه بسب مزاجيات الادارات الاعلامية الفاشلة. أتمنى ويشاركني كثير من الزملاء أن تنجح هذه اللجنة في التأسيس لقانون إعلام عصري يبتعد عن وصاية وزارة الاعلام والسلطة التنفيذية ليحتل موقعه كسلطة رابعة بحق.

كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية