الرباط ـ «القدس العربي»: أعلن عبد الصمد بن شريف (مدير القناة الثقافية المغربية) أن هذه المؤسسة التليفزيونية ستتعزز بحوالي 14 برنامجا جديدا، شُرع في إنتاجها وإعدادها منذ أكثر من سنة، تحت إشراف العلمي الخلوقي، الذي تولى مهمة إدارة القناة، بعد رحيل الإعلامية مارية لطيفي.
وأوضح أن البرامج المنجزة تجمع بين الوثائقي والحواري، لتكريس هويتها كقناة مخصصة لخدمة الثقافة والفكر والإبداع والتربية والفن، بالإضافة إلى اضطلاع القناة الثقافية بدور التعريف بالحضارة المغربية والتنوع الثقافي الذي يطبع الهوية الوطنية الغنية بروافدها ومكوناتها.
وأفاد أنه سيُشرع قريبا في بث هذه البرامج، ضمن شبكة متنوعة تم إدخال تعديلات جوهرية على محتوياتها، كما يجري العمل في اتجاه أن تبدأ مواعيد بث برامج القناة الثقافية ابتداء من الساعة 12 ظهرا طيلة أيام الاسبوع.
جاء ذلك في كلمة ألقاها عبد الصمد بن شريف، الأسبوع الماضي، خلال حفل أقيم في الرباط، بمناسبة مرور 15 سنة على إطلاق القناة الرابعة ـ الثقافية.
وأضاف أن القناة الثقافية تعتزم إنتاج مجلة أسبوعية لمواكبة الأنشطة الثقافية والفنية، كما تخطط لإنجاز برنامج حواري أساسي، لمناقشة القضايا الفكرية والثقافية الكبرى، وبرنامج خاص بالشعر، وآخر بالكتاب، وسلسلة وثائقية عن عدد من الوجوه التي بصمت المشهد الفكري والثقافي في بلادنا؛ علاوة على الانفتاح على عدد من المؤسسات المغربية، لتكون شريكا في مجموعة من الورش التي تنوي القناة الثقافية الانخراط فيها. ولتعزيز مكانتها ورسالتها في المشهد الإعلامي المغربي والمغاربي والعربي، يجري التفكير في إعداد مخطط لتسويق القناة، عبر مختلف وسائل التواصل، بهدف رد الاعتبار للمجهودات، التي يبذلها العاملون في شتى التخصصات، للرقي بالقناة الثقافية وتجويد عرضها. كما أن مخطط التسويق الإعلامي يسعى إلى التعريف بالقناة الثقافية على نطاق واسع، وتطبيع وجودها في المجتمع المغربي، خاصة في الأوساط الثقافية والنخب الجامعية، وفئات مهمة من النسيج الاجتماعي، بمن في ذلك الشباب.
«الالتزام والاشعاع الثقافي المستمر» شعار اتخذته القناة الثقافية بمناسبة تخليد الذكرى 15 لإطلاقها، وجعلته بؤرة شبكة برامجها ورهاناتها الاستراتيجية، لأن هذه القناة ـ كما يقول مديرها ـ تتطلع بكل تواضع إلى تقديم برامج منسجمة ومتكاملة، تجمع بين الوثائقي والحواري، لتساهم من خلال برامجها ـ كما نص على ذلك «دفتر التحملات» (وثيقة التزامات) ـ في فتح وتوسيع فضاءات للتعبير والنقاش حول القضايا الثقافية والفنية والفكرية المحلية والجهوية والعالمية، وتثمين القيم والثقافة المغربية الإنسانية.
وأكد أن القناة تعمل دائما على تتبع الأنشطة الثقافية والفنية المغربية والتعريف بها وتغطيتها، وكذا على نشر الإبداع الثقافي الفني والمعرفي بوجه عام، بما يساهم في تمكين المشاهدين من الولوج إلى عالم الاكتشاف واكتساب المعرفة وإغنائها، ودعم المدارك المعرفية والتفتح الفكري.
ووفاء للدور الذي تضطلع به وللرسالة الموكولة إليها، في إطار تقديم خدمة عمومية ذات قيمة ومصداقية، وفي تناغم وتكامل مع باقي مكونات «الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة»، ترسم القناة الثقافية كهدف لها ـ يوضح بن شريف ـ التوجه إلى فضول المشاهدين، وقدرتهم على التفاعل والحلم، مع ما يتطلبه ذلك من احترام لذكائهم. وتنطلق الثقافية من هدف مركزي، يكمن في الإجابة عن انتظاراتهم، وتلبية حاجياتهم الثقافية، وتوفير مساحات للتعبير عن مشاعرهم. وتأسيسا على ذلك، فأنشطة وجهود وإبداعات وأعمال القناة الثقافية، تنتظم حول هذا الرهان، باعتبارها رافعة للإعلام الثقافي بمعناه الواسع، وأداة للتواصل مع حقول ثقافية وفكرية وفنية وتربوية، تتحاور فيها الذاكرات وتتعايش عبرها الهويات، وحيث يشعّ التاريخ، وينتشر عبق الحضارة؛ يقول مديرها. وهكذا تسعى القناة الثقافية إلى الاستثمار الأمثل، للغنى الثقافي الذي يميز بلدا مثل المغرب الذي تمتد جذروه عميقا، في تربة التاريخ والحضارة.
وتسعى كذلك إلى أن تكون منخرطة في الشأن الثقافي، لأنها جزء منه، ومن هذا المنطلق تضع إمكانياتها رهن إشارة مستخدميها، قصد الابتكار والإبداع في مسيرتهم المهنية، وتحقيق الإشباع في عملهم اليومي.
وأوضح عبد الصمد بن شريف في كلمته أنه لتحقيق هذه الأهداف والنجاح في ترجمتها على أرض الواقع، في شكل عرض تلفزي، كان لابد أن تتسلح القناة بجرعة معتبرة من الثقة والحماس والإصرار والعزم، وهي في اشتغالها وأداء رسالتها، تتطلع إلى أن تكون قناة مبدعة ومجددة ومتفاعلة مع محيطها، تحركها في إنجاز مهمتها دوافع الإبداع والمبادرة والجودة؛ مُرجعًا ذلك إلى أن القناة الثقافية يتعين عليها إنتاج وتقديم برامج تحترم الشروط المهنية، وتؤكد على المضمون الجيد، والصياغة الواضحة والدقيقة، وجودة الصوت والصورة والإخراج، مع احترام المواعيد والاستشراف والبحث والتطوير. وشدد على أن الشأن الثقافي لا يشكل هما فرديا معزولا عن المجتمع، ولا يمكن للمثقف الفرد، مهما كان شأنه، أن يعالج اختلالات هذا الحقل، بمعزل عن باقي المثقفين والأطراف المتدخلة في القطاع، ومن بينها القناة الثقافية. لذلك، تتطلب عملية إعادة الاعتبار للشأن الثقافي وتثمين دور المثقف المغربي عملا جماعيا ومؤسساتيا، تشارك فيه مختلف مكونات الحقل الثقافي الوطني، بدون استثناء.
واستطرد قائلا: إن التحولات العميقة والتطورات السريعة التي يشهدها المجتمع المغربي في كافة المجالات، وكذا المتغيرات المتتالية التي تجري في المحيط الاقليمي والعربي والدولي، تفرض علينا مجموعة من الانتقالات، بما في ذلك الانتقال الثقافي. والمقصود بهذه الانتقالات إحداث قطيعة مع الممارسات والسلوكات والمنهجيات التي لم تعد ملائمة للظرفية التي نعيشها وغير ناجعة واقعيا وبراغماتيا، وهذه القطيعة من شأنها أن تدفع وتوجه المجتمع بكامله إلى المستقبل. فهي قطيعة قادرة على الوقوف في وجه خيار تحييد وتغييب المثقفين وتهميش الثقافة.
ولاحظ أنه ما دامت الثقافة تشكل القوة الناعمة للأمة والقلب النابض لها والقلعة الأمامية الحامية والحاضنة لهويتها وخصوصيتها، فإنه يتعين على كل المتدخلين أن يتعاملوا مع هذا الحقل من هذه الزاوية، علما بأن المغرب أنجب أصواتا وأسماء اكتسحت العالمين العربي والإسلامي بأفكارها ومؤلفاتها، استنادا إلى جودة وأهمية ومصداقية ما أنجزته من أعمال فكرية وثقافية في شتى أصناف المعرفة. ولعل الاعتراف العربي والدولي بما حققه المغاربة في مجال الفكر والثقافة والإبداع، لخير دليل على أهميتهم وضرورتهم في بناء أي مشروع ثقافي واجتماعي وسياسي. وفي المجال الثقافي، يمتلك المغرب المادة الخام والأساس الصلب والمتين لاحتلال مكانة متميزة، وتحقيق إشعاع إقليمي وعربي ودولي. غير أنه يتعين على كل الفاعلين، وكل المؤسسات، أن تدعم هذا الخيار، وأن تحتضنه، خاصة وأن الدستور الجديد، يوفر الحماية القانونية للعنصر الثقافي، ويؤكد على أهميته في تقوية الهوية واللحمة الوطنية، يقول بن شريف.