«الراديكالية» الجديدة: هل سينجح الانقلاب على الثاتشرية؟

يبدو جانبٌ كبير من «اليسار الجديد» عالقاً منذ عقود في إشكالية أساسية: محاولة عكس التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي تمت في عهد مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان. وهي تغييرات ذات طابع ثوري بالفعل، أسست لوقائع كثيرة في عالمنا المعاصر، بتنا نعتبرها من البديهيات. يبني اليسار برامجه الانتخابية في البلدين اللذين كانا منطلق هذه «الثورة»، بريطانيا والولايات المتحدة، على أساس الخلاص من الأرث الثاتشري. وبعد الهزيمة الانتخابية التاريخية التي مني بها حزب العمال البريطاني بقيادة جيرمي كوربين، يأمل اليساريون المتحمسون اليوم أن يحقق بيرني ساندرز في الولايات المتحدة نتائج أفضل.
لا يمكن اختصار الثاتشرية في جوانبها الاقتصادية، مثل الخصخصة، وتحطيم النقابات العمالية، وتقليص الرعاية الاجتماعية، بل لها جوانب أيديولوجية وثقافية شديدة الأهمية، تتجسد أساساً بإنكار العامل الاجتماعي بشكل جذري، «لا يوجد مجتمع، يوجد فقط رجال ونساء وعائلاتهم»، حسب مقولة ثاتشر الشهيرة. فضلاً عن نزعة محافظة قوية، تحتفي بالتقليد والهوية، وتقدس الفردانية في الآن ذاته، فتصبح الروابط الاجتماعية التعاقدية، والنقابات نموذجها الأساسي، اعتداءً على المبادرة والمساحة الفردية، وفرضاً للتماثل على حساب قدرة الرجال والنساء، المشتتين على تشكيل هويتهم، والتمسك بها، وفقاً لتقليد توفره عائلاتهم. الإنجاز الأكبر لثاتشر هو أن كثيراً من خصومها باتوا يفكرون بالطريقة ذاتها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأيديولوجي.
محاولة عكس الثاتشرية، التي نشهدها اليوم، تركز أساساً على الجوانب الاقتصادية: لا بد أن تعود الدولة للعب دور محوري في الاقتصاد، وتطوير أنظمة الرعاية الاجتماعية والصحية، وتحقيق حد أدنى من إعادة توزيع الثروة عن طريق إجراءات ضريبية معينة. ليست هذه البرامج اليسارية طموحة إلا في السياق الأنكلوفوني. فحتى لو تم تحقيقها بشكل كامل، لن تصل بريطانيا أو أمريكا إلى مستوى «اجتماعية» الدول الإسكندنافية، أو فرنسا. في الوقت نفسه يبدو اليسار المعادي للثاتشرية أكثر تهاوناً مع جوانبها الثقافية والأيديولوجية، خاصة في ما يتعلق بقضايا الهوية واحترام التقليد، أو الحساسيات الثقافية، فإلى أي درجة تستطيع المشاريع اليسارية المعاصرة الخروج من الثاتشرية؟ وهل أصبحت الدولة هي الحل بعرف هذا اليسار، بعد عقود من تصريح ريغان الشهير: «الدولة هي المشكلة وليست الحل»؟

أوربة أمريكا، أمركة أوروبا

تعبير «مثل إسكندافيا» بات مثاراً لكثير من الأخذ والرد، وأحياناً السخرية في الولايات المتحدة، يحاول أنصار الاشتراكية في هذا البلد، طمأنة مواطنيهم بأن ما يسعون إليه لن يكرر التجارب الاشتراكية سيئة السمعة، بل يشبه ما هو قائم في الدول الإسكندنافية، التي لا يشكك أحدٌ في ديمقراطيتها. وبغض النظر عن دقة التشبيه بتجربة الدول الإسكندنافية، فإن المشككين بمشروع الاشتراكية الأمريكية لديهم حجج دستورية لا بأس بها: «الدولة الكبيرة»، التي تنظم بشكل هرمي شؤون الناس الاجتماعية والصحية والثقافية، لا تتفق تماماً مع المبدأ الليبرالي الجمهوري، الذي قامت عليه الولايات المتحدة منذ استقلالها. فضلاً عن هذا فإن أمريكا هي البلد الوحيد في العالم الذي يطبق مبدأ «حرية القول» بشكل كامل، في حين توجد كثير من المحظورات والخطوط الحمر في بقية الديمقراطيات الغربية (مثل التعبيرات النازية في ألمانيا، وإهانة رموز الجمهورية الفرنسية، إلخ). اهتمام اليساريين بـ«العدالة الاجتماعية» بالمعنى الأمريكي، أي بحساسيات جماعات الهوية «المهمشة»، ينافي مبدأ حرية القول، يظهر هذا واضحاً في مواطن هيمنة اليسار، خاصة الجامعات. يبدو اليمين مدافعاً عن مفهوم مجرد للحرية، بينما يسعى اليسار لفرض المزيد من القيود، بعد أن كان سابقاً مرادفاً للتحررية، وهذه من أكبر مفارقات عصرنا.
مشروع اليسار الأمريكي يبدو إذن محاولةً لأوربة البلاد، من خلال فرض مركزية الدولة. من جهة أخرى يُظهر اليسار الأوروبي تأثراً شديداً بالحروب الثقافية على الضفة الأخرى من الأطلسي، فباتت النسبوية الثقافية الأمريكية، في معالجة قضايا العرق والنوع الاجتماعي والميل الجنسي، شائعة بشدة لدى الأوروبيين، والنتيجة أن الميل للقيم الإنسانية الكونية، الذي طبع الثقافة الأوروبية منذ عصر التنوير، صار يعتبر بدوره جزءاً من خطاب اليمين، في مفارقة أخرى شديدة الغرابة.
ورغم الرطانة اليمينية عن «الحرية»، فإن الدولة الكبيرة المتحكمة بمفاصل الاقتصاد وخيارات البشر ولغتهم لا تنافي الثاتشرية، فقد ظهر مدى تدخل الدولة النيوليبرالية في الاقتصاد في خطة إنقاذ المصارف التي نفذها الرئيس بوش الابن في نهاية عهده، بعد انفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما أن الحروب الثقافية، التي اتخذت شكل صحوات دينية، ودعوات لفرض الرقابة على الأعمال الفنية الأدبية، كانت دوماً من اختصاص اليمين، وعرفت قمة ازدهارها في عصر ثاتشر- ريغان.

تزامن عصر ثاتشر- ريغان مع ما يسمى المنعطف الثقافي في الأيديولوجيا الغربية المعاصرة، فبدلاً من الطبقة والبنية والعوامل المادية، انصب التركيز على اللغة والهوية والثقافة.

يُظهر اليسار واليمين المعاصران كثيراً من السمات المشتركة، وبات من الصعب التمييز بينهما على أساس طبقي أو ثقافي، هنالك ناخبون مخلصون لليمين من الطبقة العاملة، إلى جانب الرأسماليين الكبار، في حين يجد اليسار قاعدته الانتخابية الأكثر صلابة بين أبناء الطبقة الوسطى المدينية. وبينما يوغل اليساريون في سياسات الهوية، يزداد هوس اليمينيين بالدفاع عن الحضارة الغربية – المسيحية ومظلمة الهوية البيضاء. يبدو أن الثاتشرية مازالت مهيمنة بقوة على معظم السياسات المعاصرة.

مشكلة الهيمنة

يحاول بيرني ساندرز إقامة ائتلاف واسع متعدد المطالب على الطريقة الشعبوية، يهيمن على جهاز الدولة، ويفرض الإرادة الشعبية عليه، لا يتجاهل خطاب ساندرز العمال البيض، وفي الوقت نفسه لا يرى قضايا الهوية ثانوية مقارنة بالقضايا الطبقية. ائتلاف «السود والنساء والمثليين والمسلمين»، الذي اقترحته هيلاري كلينتون، يكتسب بعداً طبقياً لدى أنصار الاشتراكية الأمريكية. إلا أن الهيمنة الشعبية، التي يريدها هذا الخطاب، تعاني من اختلال بنيوي، يفترض تأسيس الشعب مفهوماً مجرداً للمواطنة، أو ثقافة سائدة يمكن اعتبارها ثقافة الشعب. من الصعب بناء ائتلاف شعبي من جماعات هوية متناحرة، فهي، فضلاً عن احتفائها بالاختلاف الثقافي، تفتقر إلى الحد الأدنى من التضامن: مظالم النساء قد يكون سببها رجالا سودا أو مسلمين، والعمال قد يكونون مستغلين من أرباب عمل يفتخرون بمثليتهم الجنسية. ليس كل المؤيدين لمشروع ساندرز مقتنعين بأن سبب مشاكلهم يكمن في بنية النظام نفسه، لا في تسلط البيض أو الذكور أو المغايرين جنسياً بحد ذاتهم. وإذا كانت شانتال موف، أهم المنظرين الشعبويين المعاصرين، قد دعت للاستفادة من تكتيكات ثاتشر السياسية في فرض الهيمنة، فإن الأخيرة لم تركز في خطابها على الشعب، بل تحدثت عن أفراد، وبنت نجاحاتها على أساس الوعد بالفرص الكثيرة التي يتيحها تحرر الأفراد من المؤسسات الاجتماعية التضامنية: الفرد القادر على العمل وتحقيق الثروة والحفاظ على تقاليده، هو «دال الهيمنة» الأساسي لمشروع ثاتشر، إذا استخدمنا مصطلحات موف، وقُدم بوصفه متفوقاً على الحزب والنقابة، اللذين يثبتان البشر في مواقعهم الطبقية الاعتيادية، ويتجاهلان خصوصياتهم. بهذا المعنى فإن الشعبويين اليساريين لم يتعلموا الكثير من ثاتشر، وغير قادرين على إنتاج «دوال هيمنة» ترمز لوحدة ائتلافاتهم الشعبية.

اليسار الثاتشري

تزامن عصر ثاتشر- ريغان مع ما يسمى المنعطف الثقافي في الأيديولوجيا الغربية المعاصرة، فبدلاً من الطبقة والبنية والعوامل المادية، انصب التركيز على اللغة والهوية والثقافة. ارتبط هذا بدخول العالم الغربي مرحلة «الرأسمالية المرنة»، مع نزع التصنيع، والاستثمار في المجال الخدمي والتكنولوجي، فأصبحت الرموز والهويات والعواطف أشد قابلية للتسليع، واكتسب الإنتاج طابعاً غير مادي.
دول الرفاه الاجتماعي، التي يحنّ إليها اليسار المعاصر، لم تكن قابلة للبقاء، بعد أن غرقت بحالة من الركود الاقتصادي المديد. الأيديولوجيا النيوليبرالية قدمت مخرجاً من هذا الوضع المتأزم، لمصلحة الطبقات العليا من المجتمع، في حين عجز اليسار آنذاك عن إيجاد حلول لمصلحة الطبقات الأفقر، باستثناء اقتراحات وخطط محدودة، لم تجد الفرصة للتطبيق، مثل خطة رين- مايدنر في السويد. هذه التحولات الهيكلية في بنية المجتمعات الغربية تجعل اليسار الغربي يعمل على القاعدة نفسها التي قامت عليها الثاتشرية. الحديث عن «عكس الثاتشرية» لا يمكن أن يكون جدّياً، بدون حدوث تغير جذري في بنية الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن الوعي السليم والبرامج الانتخابية الطموحة ليست كافية بحد ذاتها. إلا أن بروز «اليسار الجديد»، والأهمية التي تلقاها طروحاته، يعبّران عن حالة اختلال بنيوي في النظام السائد، ظهرت بشدة منذ الأزمة المالية عام 2008. يعوّل كثيرون على نجاح بيرني ساندرز لإطلاق موجة يسارية جديدة على الصعيد العالمي، وقد يكون هذا رهاناً صحيحاً، أياً كانت انتقاداتنا لمشروع ساندرز وخطابه. وإن كان الحراك الأهم برأينا يأتي من أطراف المنظومة العالمية لا من مركزها، أي الانتفاضات الشعبية التي تشهدها مناطق لم تنل كثيراً من منافع الفردانية و«الرأسمالية المرنة»، مثل العالم العربي وأمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية