لندن-“القدس العربي”: قام لارس تشيتكا، من جامعة كوين ماري في لندن، وزملاؤه باختبار للتحقق مما إذا كان النحل الطنان بإمكانه أن يكوِّن تصورًا داخليًّا للأجسام. ودرب تشيتكا وفريقه أولاً الحشرات على تمييز الكرات والمكعبات باستخدام مكافأة من السكر. وجرى تدريب النحل في الضوء، حيث كان بوسعه رؤية الأجسام معزولةً داخل طبق بِتري مغلق، من دون أن يتمكن من لمسها. بعد ذلك، قاموا باختبار في الظلمة، حيث يمكن للنحلة لمس الكرات أو المكعبات بدون رؤيتها. وقد وجد الباحثون أنها أمضت وقتًا أطول تلامس الأجسام التي ربطتها بمكافأة السكر، رغم اعتمادها على اللمس بدون النظر. ثم قاموا باختبار ثان، واستخدموا نحلا طنانا غير مدرب، قاموا بتدريبه بالظلام مع مكافآت السكر، ثم اختبروه بالضوء (يرى ولا يلمس) حيث تمكن من التعرف على الأجسام رغم اعتماده على الحاسة التي لم يتم تدريبها، وهي النظر بدون اللمس.
وحسب مجلة “ساينتفك أمريكان” وثَّق عددٌ كبيرٌ من الأبحاث قدرات التعرُّف على الأنماط بالرؤية لدى النحل. وكان الباحثون يعرفون أن الحشرات، على سبيل المثال، في إمكانها “التعرُّف على أنماط الألوان المعقدة في الزهور وحتى الوجوه البشرية”. وقال تشيتكا في حديثه مع المجلة: “يمكن للمرء أن يتمتع بقدرة كبيرة على تمييز الأنماط التي تبدو متقدمة بدون أن يكون هناك وجود فعلي لصورة افتراضية طافية في ذهنه، وهو نوع من تصور الجسم. لذا كان هذا دائمًا هو السؤال المفصلي: هل هناك – بالطريقة نفسها التي يعمل بها إدراكنا – نوعٌ من تصور الأجسام في أذهان النحل وليس عناصر بسيطة للصورة مرتبطة – على نحوٍ ما – بالمكافآت؟”.
وقال لودفيج هوبر، عالِم الحيوان في كلية الطب البيطري في جامعة فيينا، والذي لم يشارك في الدراسة ولكنه بحث في التكامل بين الوسائل الحسية في الثدييات والطيور: “إن التجربة تُظهر أن النحل يمكنه نقل سمةٍ استطاع التعرُّف عليها من وسيلة حسية إلى أخرى”. وأضاف: “لكن السؤال الحاسم هو: ما هي هذه السمة، وإلى أي مدى تكون مجردة؟” وتابع أن “النحل قد يتمكن من التمييز بين الأسطح المستديرة والحواف الحادة عن طريق نقل المعلومات الحسية من وسيلةٍ إلى أخرى بدون أن يتعرف على الأجسام أو يكون لديه تصورٌ داخليٌّ لها”.
ويتساءل هوبر أيضًا عن صحة التجربة في العالم الحقيقي. ففي البراري، حسب المجلة “من المرجح أن النحل الطنان يعتمد على النظر والإشارات الشمية في التعرف على الزهور، على سبيل المثال”. لذا يود هوبر أن يرى اختبارًا يتضمن أجسام أكثر تشابهاً مع تلك التي بمكن أن يصادفها النحل في الطبيعة.
وحذر جوناثان بيرش، فيلسوف العلوم، الذي يدرس الشعور لدى الحيوان في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية من أن النحل قد تكون لديه خبرة سابقة تربط المعلومات المرئية واللمسية للحواف المستقيمة والأسطح المنحنية في سياق أعشاشها، لذا لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون بعض التكامل بين الحواس مكتسبًا وليس فطريًّا.
وبالنسبة لشيتكا، فإن الهدف النهائي هو “معرفة ما إذا كان لدى النحل وعي، وهو ما يدرسه في الغالب علم الأعصاب والعلوم المعرفية من خلال التركيز على تكامُل المعلومات الواردة من حواس مختلفة.” وتظهر أبحاثه السابقة على النحل قدراتها المتطورة فيما يتعلق بالتعلم والذاكرة. وفي العرض الذي قدمه في الاجتماع السنوي الأخير لجمعية البيولوجيا التكاملية والمقارنة في أوستن بتكساس، قال شيتكا: “لا يُعد أيٌّ من هذه المهمات – وأداء النحل – مؤشرًا يُعتد به على وجود الوعي. وفي الحقيقة، لا يوجد ما يمكن اعتباره كذلك”. وتابع: “لكن أخذ كل ما سبق مجتمعًا في الاعتبار – فيما أعتقد – يدفع بالاحتمالات في الاتجاه الصحيح”.