البرلمانية الفلسطينية في الكنيست إيمان ياسين خطيب: الكنيست مجرد ساحة لانتزاع حقوقنا وحماية بقائنا

حاورها: وديع عواودة
حجم الخط
0

في إطار الانتخابات الـ 23 للبرلمان الإسرائيلي “الكنيست” ارتفعت القائمة العربية المشتركة من 13 إلى 15 مقعدا وامتازت الزيادة بقيمة مضافة لإشغال المقعدين الجديدين من قبل سيدتين: سندس صالح وإيمان ياسين خطيب. الأولى من “الحركة العربية للتغيير” برئاسة أحمد طيبي وهي أم لثلاثة أبناء من قرية صغيرة تدعى المشهد، في قضاء الناصرة والثانية تنتمي لـ”الحركة الإسلامية” وهي الأخرى أم لأربعة أبناء وبنت بلدة عرابة البطوف والمقيمة اليوم في مدينة الناصرة. وانشغل الإعلام المحلي والإسرائيلي والعالمي بإيمان ياسين خطيب كثيرا بعد ما توجها بلقب استفزها “السيدة المحجبة الأولى في الكنيست”. إيمان ياسين خطيب (56 عاما) تعتبر هذا التتويج إنشغالا بالشكل وإهمالا للمضمون ما دفعها لتكرار تأكيدها وقولها “دعوكم من حجابي” كما تقول ضمن حديثها لـ “القدس العربي”. وإيمان ياسين خطيب الحائزة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة في تلك الفترة على ماجستير في العمل الاجتماعي من جامعة تل أبيب، وانضمت للسياسة قبل سنوات، تحلم في تحقيق أهدافها في خدمة العدالة الاجتماعية وفي الأساس بالتوفيق بين حياتها الشخصية وبين الحياة السياسية وهي فخورة بكونها “فلاحة بنت فلاحين” ولذا تستهويها أغنية “محلاها عيشة الفلاح” لمحمد عبد الوهاب. وفي ما يلي نص الحديث معها.

*هل فوجئت بحجم الاهتمام الإعلامي العالمي بك؟

 

** طبعا فقد توجهت لي وسائل إعلام من أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية والشرق الأقصى وغيرها من صحافة عربية وأجنبية رغم انشغال الإعلام في الكورونا.

*سمعتك تتحدثين مع إذاعة عبرية وقد نصبت لك فخا في أول سؤال يخص موقفك من تعدد الزوجات، فهل نجحوا في استفزازك؟

**لا. توقعت الأسئلة المحرجة. أعيش في مجتمع متعدد واحترم الاختلاف لكنني أرفض أن يقوم الإعلام بمحاولة اصطيادي والتربص بي، فهل يعقل أن يترك الإعلام مشاكلنا الحارقة النابعة من سياسات إسرائيلية عنصرية على أنواعها كالأرض والبناء وهدم المنازل والعمل والتعليم والعنصرية المتفشية ضد المواطنين العرب نتيجة سياسات منهجية، والانشغال بتعدد الزوجات رغم أهميتها؟ تصدّر خبر انتخابي كأول امرأة محجّبة في الكنيست العناوين وحاز على اهتمام واسع، وهو أمر يستحق ذلك لكونه خطوة بالغة الأهمية في مسيرة نضال النساء المتدينات لشقّ طريقهنّ من أجل الوصول إلى الصفوف الأماميّة، كمتساويات. لكن انتخابي يؤكّد أيضا أنّ البيت السياسيّ الذي أنتمي إليه، أيّ الحركة الإسلاميّة، يشكّل نموذجًا محترمًا لمنحه تمثيلا لائقا للنساء في العمل الجماهيريّ لصالح المجتمع ككلّ، وخصوصًا المجتمع العربيّ. ومع ذلك، فالمسألة لا تبدأ ولا تنتهي عند حجابي وعند كوني امرأة مسلمة متدينة، وهي أمور أعتز وأفتخر بها، لكن القيم والأهداف التي سأكرّس لها عملي البرلمانيّ والجماهيريّة هي الأهم. يعكس تصويت النساء العربيات المكثّف في الانتخابات الأخيرة حقيقة رغبتهن في تعزيز مكانتهن وأخذ دور فعّال، إلى جانب الرجال، في بناء مجتمع أكثر مساواة وعدلًا. وقد انعكس هذا إيجابا من خلال نجاح القائمة المشتركة وانتخاب أربع نساء عربيّات للكنيست. ولذا فياليتنا نعمل على تسوية هذه المشاكل الملحة أولا مع أهمية موضوع تعدد الزوجات وهي ظاهرة تكاد تكون غير قائمة في المجتمع العربي في الداخل.

*هل من أثر لوصف الإعلام لك بـ”السيدة المحجبة”؟

**صدقا أنا أنظر للحجاب ضمن علاقتي الخاصة مع رب العالمين. الحجاب وضع أمامي تحديات كثيرة. افتخر بكوني ذات الحجاب لكنني لا أريد حصري في الشكل وتفريغي من المضامين وقولبتي وكأن كل الموضوع هو الحجاب رغم أن له مكانة مهمة. طبعا أعي التحديات التي يفرضها علي الحجاب في البرلمان الإسرائيلي وأسعى لتحقيق ذاتي والرسائل التي أؤمن بها والقضايا التي انتخبت من أجلها، عبر طرح هذه المطالب الجماعية على أجندة الكنيست، والتعاون والتنسيق والمساعدة من مختلف نواب المشتركة، والعمل على التأثير وتغيير السياسات العنصرية التي تتحمل مسؤوليتها الحكومة الإسرائيلية.

*متى اعتمرتي الحجاب؟

**قبل 23 سنة وأنا مؤمنة منذ صغري وأنظر وأنا طفلة كيف كنت أتسلل لجنبات المسجد في عرابة البطوف بلدي لأستمع لتهاليل العيد ولدي نصيب كبير من اسمي رغم أنني لم أولد في بيت متدين ووالدتي فلسطينية تقليدية تعتمر الكوفية، ووالدي مثل بقية مجتمعنا تقليدي ويميل للمحافظة، لكن هويتي الإنسانية ناضجة جدا وأرفض سياسة فرق تسد والقولبة وحشرنا في دوائر وهويات معينة. لكل واحد منا مكان وقبول طالما يتصرف بأخلاقية وإنسانية. وقد ارتديت الحجاب بعدما نذرت بأن نرزق بأبناء بعدما أبلغني الأطباء أنا وزوجي بأن من الصعب علينا إنجاب أطفال. طبعا زوجي متدين واعتمر قبلي ثماني مرات لكن السبب مرتبط بي وينبع من داخلي ومن شعور عميق بأن أمرا ما ينقصني ويكملني وأنني في حاجة للتصالح مع نفسي ويقربني من رب العالمين.

* أكثر من مرة سمعتك تتحدثين عن بلدتك عرابة البطوف بشغف وحنين رغم مرور عقود وأنت في المدينة؟

**أنا في مدينة الناصرة منذ 30 سنة لكن حنيني لبلدي عرابة البطوف كبير ولا أشفى من حبها فأنا فلاحة بنت فلاحين. أذكر خطواتي وأنا أركض في مناطق سهل البطوف والجبال المحيطة بها. مشاهد طفولتي الريفية ما زالت تسكنني.

*ومتى انتميت للحركة الإسلامية؟

**قبل سنوات قليلة انضممت للحركة الإسلامية لكن قبل ذلك كنت قد بدأت بالبحث عن بيت عقائدي يقبلني ويفتخر بي كما أنا، فوصلت الحركة الإسلامية وكان لي دور معين في دفع النساء لمواقع قيادية داخل الحركة وهذا أيضا بفضل بعض قادتها من الرجال أمثال النائب منصور عباس والنائب السابق مسعود غنايم. وقتها لم أفكر بذاتي بل في النساء بشكل عام ومع ذلك نعم ساهمت بهذا الاتجاه.

*كيف تعرفين نفسك إذن هل أنت نسوية إسلامية؟

**أرى نفسي سيدة تعود للإسلام الحقيقي الذي أعطى مكانة للنساء، وأصلا أنا ذهبت للحركة الإسلامية لأنها تحترم حقا النساء وتحترم كياني ووجودي، فالنبي الكريم يقول ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم. وكذلك يقول “والنساء شقائق الرجال”. لم أذهب هناك كنسوية إسلامية بل لأن الإسلام يعطي هذه المكانة للمرأة. في المقابل نعم كنت ناشطة في مجال الدفاع عن النساء وساهمت في تشكيل جمعيات فاعلة في هذا المضمار مثل منظمة “نساء ضد العنف” أو منظمة “فتيات في ضائقة”. أنا ناشطة اجتماعية جماهيرية وهذا أفضل تعريف لي. أعتز بعروبتي وانتمائي لشعبي الفلسطيني وأفتخر بديني وحجابي الذي يمنحني الكثير من القوة والإرادة والشعور بالطمأنينة والراحة النفسية، لكن أُوضح أنه يجب على الجميع، وتحديدا في المجتمع الإسرائيلي، النظر والتعامل بجدية مع الفكر والطرح الذي أحمله، إلى جانب الكثير من النساء في المجتمع العربي.

*ماذا يعني لك الكنيست؟

**الكنيست واحد من الأدوات المتاحة لنا قانونيا كي نعمل فيه لتحقيق حقوق شعبنا وسلم أولوياتي: قضايا النساء والتربية والتعلم فهذا المجال رافعة يرفعنا للأمام.

*ربما تتشكل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل تستثني القائمة العربية “المشتركة” وهناك من يشكك أصلا في جدوى العمل البرلماني ويرى أن إسرائيل تستغل وجود نواب عرب في برلمانها للترويج لديمقراطيتها في العالم؟

**المواطنون العرب الفلسطينيون في إسرائيل يعيشون ظروفا في غاية التعقيد وهم يقيمون داخل “بطن الحوت” كما قال مؤسس الحركة الإسلامية الشيخ الراحل عبد الله نمر درويش، ولذا لابد أن لا نكتفي بأن نكون محقين ونحتاج لأن نكون حكماء أيضا، ووجودنا في الكنيست ليس سهلا ولا مفهوما ضمنا، لكن ترسيخ البقاء والنماء والتطور يحتاج للمشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية، ونجاحنا في الكنيست له جدوى على مستوى حقوقنا المدنية على الأقل وبالتأكيد له مفاعيل لا ترى في وعينا ووعيهم ووعي العالم وهو يلعب دورا في صياغتنا وتعزيز كوننا أقلية في وطن وقومية أصلية في وطنها، وفي المقابل نعم هناك مخاوف من استغلال وجودنا وهذا جزء من الأثمان التي تسددها أنت في السياسة أحيانا.

*ماذا يقلقك داخل الكنيست الإسرائيلي؟

**لا يوجد عندي خوف من الهجوم المتوقع علي داخل البرلمان الإسرائيلي، وربما يقلقني التراشق مع نواب من اليمين لكنني لن انزلق إليه.

 *ما رأيك في تجربة النواب العرب اليوم والحاجة للإصلاح؟

**طبعا. نوابنا يفعلون الكثير وتحدياتهم كبيرة ولذا اعتقد بعمل منظم أكثر يستند لخطة واستشارة خبراء وعمل وحدوي أكثر.

*عضو كنيست عربي تقتدين به وتعجبك مسيرته؟

**من السابقين أقدر عمل وشخصية النائب الأسبق إبراهيم صرصور ابن الحركة الإسلامية صاحب الحكمة والتروي والهدوء وبعد النظر، كما يعجبني النائب الشاعر الراحل توفيق زياد بشعبيته وبقريه من الناس، ومن النواب الحاليين الدكتور منصور عباس صاحب القلب الكبير.

*كلمة أخيرة؟

**سيكون عمليّ الجماهيريّ حول تعزيز مكانة النساء المستضعفات، وعلى رأسهن العربيّات، حيث أن 60 في المئة منهنّ عاطلات عن العمل علما أن مجتمعي العربيّ المحلي تحت خطّ الفقر، وهذا دليل على فشل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة وشهادة إخفاق لكلّ المجتمع. يسبّب التمييز السلطوي ضد المجتمع العربيّ أمراضًا كثيرة، بدءًا من الفقر ومرورًا بالعنف والجريمة المنظّمة. لديّ قناعة أنّ حلّ المشاكل الجذريّة يتطلّب حلولا جذريّة. لا شكّ لدي أنّ التعليم هو حجر بناء المجتمع الأساسي، فمن خلاله يمكن بناء مجتمع صالح ومنيع. وسأنذر نفسي في مواجهة هذه التحديات لخير مجتمعي وشعبي الفلسطيني.

*بسيرة العلم والتعليم أنت معروفة بشغفك بالمطالعة وربما هذه ستسلبها السياسة منك؟

**أحب القراءة لأنها ليست كثقافة فقط بل وسيلة تخرجك من الواقع الصعب وتريحك وأنا مسكونة بحب الروايات وأكثر رواية استهوتني هي “قناديل ملك الجليل” لإبراهيم نصر الله لأنها تعيدني لبلدتي عرابة البطوف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية