أن تبدأ حرب أسعار مع شريك عملت معه قرابة ثلاثة أعوام للحفاظ على معدلات إنتاج للنفط وزيادة أسعاره يثير أسئلة كثيرة، وأكثر من هذا أن تبدأ حربا مع روسيا في وقت يواجه فيه العالم حربا ضد فيروس كورونا المستجد الذي لم تنج منه دولة وتتغير فيه بؤر الانتشار بين يوم وآخر، أمر يدعو للتساؤل إلا إذا كان غرض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التغطية على أمور أخرى، خاصة أن حرب الأسعار التي أعلنها وشملت زيادة القدرات الإنتاجية السعودية إلى 13 مليون برميل في اليوم وتنزيلات عالية للمضاربة على الدول الأخرى، جاءت بعد يوم حملة اعتقالات أمراء بارزين نظر إليها على أنها خطوة على طريق الوصول إلى العرش. ولم تقل الحكومة السعودية شيئا عن الحملة، إلا أن الشائعات انتشرت حول صحة الملك سلمان، 84 عاما وأن الأمير الطامح يريد اعتلاء العرش قريبا. لم يفت المحللون الربط بين حرب الأسعار مع روسيا وحملة الاعتقالات كما ورد في التحليل المطول الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” (12/3/2-2020) وقالت فيه إن ولي العهد شن خلال 24 ساعة حرب أسعار مع روسيا وهمش منافسا له وقوى من موقعه في داخل المملكة. وأشارت إلى أن التحرك على المسرح الدولي والمحلي لم يكن وليد اللحظة بل هو نتاج مرحلة من التخمر وعدم ارتياح من منافسيه الداخليين وهما عمه الأمير أحمد بن عبد العزيز وابن عمه ولي العهد السابق محمد بن نايف، إضافة لقلقه من عدم ارتفاع أسعار النفط رغم الشراكة مع روسيا. ويظل الرابط بين التحركين واهيا، إلا أن ما هو واضح هو اختيار ولي العهد نهاية الأسبوع والعالم منشغل بانتشار فيروس كورونا وتراجع الأسواق لكي يعزز من موقعه في الداخل والخارج، موطدا مكانته داخل المملكة ومظهرا قدرته على استخدام نفوذها على أسواق النفط لتحقيق أهدافه السياسية. وبهذه الطريقة استعرض ولي العهد عضلاته في السوق العالمي بطريقة لم تقم بها السعودية منذ أربعة عقود ومنذ استخدام الملك فيصل عام 1973 سلاح النفط ضد الغرب، مع أن كريستين سميث ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن ترى أنه “من المعقول النظر إلى الاعتقالات الملكية في سياق انهيار المفاوضات حول النفط مع روسيا” وأضافت أن “ولي العهد كان يفهم أن الأمور ستتعقد من الناحية الاقتصادية ويريد التأكد من أنه على معرفة متقدمة فهو يريد موارد إضافية”.
مشكلة في التحالف
وكان تحالف السعودية مع روسيا فيما عرف بـ “أوبك+” غير عادي إلا أن المشكلة بدأت عندما أعربت روسيا عن رغبة بزيادة الإنتاج من أجل دفع اقتصادها. وطلب ولي العهد من والده الملك الإتصال مع فلاديمير بوتين والطلب منه تخفيض الإنتاج. ورغم تعلل بوتين في البداية بالإنشغال إلا أن المكالمة حصلت في 3 شباط (فبراير) ولكنها لم تؤد لالتزام من بوتين الذي لم يلق تعاونه أصلا مع أوبك دعما واسعا من شركات النفط الروسية.
وضمن هذا السياق وصفت صحيفة “فايننشال تايمز” (13/3/2020) تطورات المواجهة الروسية-السعودية التي بدأت باجتماع في 5 آذار (مارس) عقده وزير النفط السعودي عبد العزيز بن سلمان في فندق بارك هيات بفيينا مع كارتل النفط لمناقشة خطة تخفيض إنتاج النفط إلى 1.5 مليون برميل في اليوم والتي قدمت للروس على أنها “إنذار” أو “خذها أو دعها” وهو ما أغضبهم، وهدد وزير ماليتهم بعد اندلاع الحرب أن بلاده تستطيع تحمل أسعار للبرميل ما بين 20-30 دولارا ولعقد من الزمان.
وتساءل عدد من الذين حضروا الاجتماع عما كانت تفكر به السعودية عندما “هددت” روسيا وإن كانت قد فقدت عقلها، فتصرف كهذا كان بمثابة انتحار وبتائج كارثية. وترى “فايننشال تايمز” أن الشجار بين البلدين أدى لنسخة نووية في حرب الأسعار. وقال شخص على معرفة بالمفاوضات التي استمرت أسبوعا “منذ البداية لم يرض الروس باللعبة”. وما لم يتكهن به المسؤولون في موسكو أو الرياض هو انهيار أسعار النفط، فمنذ لقاء بارك هيات هبط سعر برنت للنفط الخام بنسبة 34 في المئة وراقبت شركات الطاقة والغاز الطبيعي مليارات الدولارات تمحى من أسعار الأسهم. وباتت الاقتصاديات المنتجة للطاقة تخشى من تداعيات الأزمة في وقت تتقاتل في روسيا والسعودية وهما حليفان غير طبيعيين على حصص في السوق. وما هو واضح هو أن السعودية أستأجرت ناقلات إضافية لأغراق السوق بالنفط بعدما تخلت عن خطط تخفيض الإنتاج بمعدلات عالية. وقارن عدد من المحللين الحرب الحالية بتلك التي شنت عام 2014 واستهدفت شركات النفط الأمريكية التي تستخرجه من الزيت الصخري. وفشلت تلك الحرب واستطاعت هذه الشركات تجاوز الأزمة من خلال تحسين أدوات الإنتاج وتقليل الكلفة وحماية نفسها عبر التعاون مع شركات النفط الكبرى وشراء سندات من وول ستريت.
ولكن الحرب الحالية تمثل خطرا على هذه الشركات، لأنها لا تحتمل أسعار نفط رخيصة ولأن معظم إنتاجها مرتبط بالمقرضين والمستثمرين الذي قد تجبرهم الأزمة الحالية مع انتشار فيروس كورنا على تعليق أو وقف عمليات الإنتاج، وهذا يعني إفلاس الشركات الصغيرة وتحمل الكبرى منها ولكن بخسائر. ولهذا السبب بدأ مدراء شركات النفط الكبرى بالضغط على الرئيس دونالد ترامب لمساعدتهم. ولكن الرئيس رحب بانخفاض الأسعار وأثرها على المستهلك، ولأن هذا يخدم حملته الانتحابية.
أزمة مختلفة
ويرى جيسون بوردوف في “فورين بوليسي” (9/3/2020) أن المواجهة الأخيرة ستترك أثرها على مصداقية منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) ولسنوات عديدة، بالإضافة إلى تقويض ثورة الصخر الزيتي في العملية. ويضيف إلى أن أزمات النفط السابقة كانت بسبب العرض أو الطلب، إلا أن انهيار أسعار النفط عام 2020 مختلف جدا في تاريخ سوق النفط: حصل بسبب تراجع كبير في الطلب وتزايد كبير في الإنتاج في الوقت نفسه. ويقول إن روسيا ترددت في دعم خفض الإنتاج لأنها ظلت تشعر بالحنق من ان أي تخفيض للإنتاج يعني مساعدة شركات الصخر الزيتي، فمقابل كل برميل نفط لا تصدره روسيا يحل واحد من هذه الشركات.
ويظل القرار السعودي أو “الصدمة والترويع” محفوفا بالمخاطر، فتخريب سوق النفط يظل مغامرة إن كان يهدف لإعادة روسيا إلى طاولة المفاوضات، والمشكلة بالنسبة للمملكة هي أن روسيا أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بأسعار النفط المنخفضة منها بعد أن أضافت بشكل كبير إلى احتياطيها من العملة الأجنبية، في الوقت الذي تراجع فيه الاحتياطي السعودي منذ انهيار أسعار النفط عام 2014. وإن كانت السعودية لا يزال لديها احتياطي نقدي كبير، إلا أن فترة طويلة من الأسعار المنخفضة ستؤثر على الميزانية السعودية، وتقلل من ثقة المستثمرين، وتؤدي إلى التفكير في تخفيض قيمة الريال السعودي، وإن أجبرت هذه الأسعار السعودية على أن تعود عن طريقها قبل أن تستسلم روسيا فإن سياستها النفطية ستفقد مصداقيتها. كما أن انهيار اتفاق “أوبك+” في فيينا قد يقود إلى دمار دائم للمنظمة، وقد تأثرت أوبك في السنوات الأخيرة بسبب الارتفاع في إنتاج النفط من الصخر الزيتي، ما أدى إلى تراجع نصيبها من السوق. وتعاني المنظمة من مشاكل ولهذا جاء التعاون مع روسيا، وبالتالي فالسماح لبلد ليس عضوا في المنظمة أن يخرب اتفاقا توافق عليه دول المنظمة جميعها يشكل ضربة كبيرة لمصداقيتها، واحتمال انسحاب روسيا من التحالف مع المنظمة سيقوض امكانيتها إدارة أسواق النفط بفعالية.
ومع ذلك فالخاسر الأكبر في الأزمة الحالية قد يكون صناعة النفط الأمريكية من الصخور الزيتية. وقد تؤدي حرب الأسعار هذه إلى منع نمو قطاع نفط الصخر الزيتي بالسرعة ذاتها في المستقبل، كما حصل في الماضي. فقد كشفت حرب الأسعار هذه أن نفط الصخر الزيتي لا يجلب لأمريكا فقط قوة اقتصادية وسياسية، بل يجلب لها جوانب ضعف أيضا، وجزء من دوافع روسيا في هذه الحرب ليس ضرب نفط الصخر الزيتي الأمريكي فقط، بل غضب بوتين على السياسة الأمريكية، خاصة تجاه أنبوب نورد ستريم2 لنقل الغاز الطبيعي من سيبيريا إلى أوروبا.
الكل ضحايا ومتفرجون
وفي المحصلة فالحرب الحالية تقوم على الأنويات وقدرة تحمل أي طرف وهي كما يقول الخبير في شؤون الخليج والطاقة في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى، سايمون هندرسون في “ذا هيل” (10/3/2020) هي على حد السكين “قاتل أو مقتول” و “لكننا قد نكون الضحايا” وهي لعبة تحدي: من يستطيع البقاء في اللعبة مدة أطول؟ و “نحن المتفرجون”. والعامل الرئيسي في كل هذه اللعبة هو سعر النفط، فقد كان سعر البرميل 50 دولارا في الأسبوع الماضي وهبط يوم الإثنين إلى ما بين 20- 30 دولارا للبرميل. ويضيف الكاتب أن كل طرف في المعركة لديه عناصر قوة. فالميزانية الروسية يمكنها تحمل أسعار منخفضة للنفط أكثر من السعودية، إلا أن المملكة تستطيع إنتاج كميات من النفط ورخيصة أكثر من موسكو.
وتساءل هندرسون: ألا يعتبر السعر المنخفض للنفط جيدا لاقتصاد الولايات المتحدة ودول أخرى كثيرة؟ نعم ولكن ليس جيدا لو كنت تعمل في شركة نفط خاصة شركات الزيت الصخري التي أحدثت نقلة في إنتاج النفط الأمريكي خلال السنوات القليلة الماضية بشكل جعلها أكبر مصدر للنفط في العالم. والهدف الرئيسي للسعودية وروسيا هو الحصول على مستوى معين من السيطرة على السوق ما يسمح لهما ببيع النفط بالسعر الذي تريدانه. والسعر سيكون أعلى مما نريده نحن المستهلكون.
خطر على السعودية
ويعتقد سيريل ويدرشوفن الكاتب في مجلة “أويل برايس” (9/3/2020) أن السعودية تواجه تهديدات وجودية عدة. ولا يهدد هبوط أسعار النفط موارد البلاد وبرنامج تنويع الاقتصاد البلاد فقط، بل والوضع الهش لولي العهد محمد بن سلمان. وقال إن تبني السعودية موقفا متشددا من روسيا يضع اقتصادها في خطر، خاصة أن المملكة تعتمد في مواردها على النفط. وبدون تدفق مليارات الدولارات من عوائد النفط فإن المشاريع العملاقة وغيرها من الاستثمارات الكبرى لتحضير المملكة لمستقبل مستدام أصبحت محل شك. وهذه هي المشاريع التي يرى محمد بن سلمان ضرورية لرؤية 2030 مع استثمارات بتريليونات الدولارات فيها بحيث تعمل على فطم المملكة وللأبد عن عادة النفط. ويطمح ولي العهد بخلق 6 ملايين فرصة عمل للشباب السعودي. وفي حالة انهار اقتصاد المملكة بسبب حرب الأسعار فإنه سيشاهد مشاريعه الرئيسية وميراثه بالضرورة محلا للتهديد. فأسعار نفط منخفضة ولفترة طويلة قد يعرض مستقبل محمد بن سلمان للخطر.
وفي النهاية لن يكون هناك رابح في حرب الأرض المحروقة بين روسيا والسعودية اللتان اعتادتا على خوض الحروب بالوكالة. وتقول “إيكونوميست” (12/3/2020) إن روسيا قد تفشل في محاولتها إضعاف صناعة نفط الزيت الصخري، وكذا السعودية التي أرادت معاقبة روسيا، خاصة بعدما سئمت من لعب دور المرجح في السوق النفطي في وقت استفادت فيه موسكو من تحالف أوبك+ لتعزيز تأثيرها في المنطقة. وما لا تعرفه موسكو والرياض أنهما ستعانيان جراء هذه الحرب وأن الجميع خاسر، خاصة الدول التي تعتمد اقتصادياتها على النفط مثل نيجيريا والعراق. مع أن المتضرر الأكبر الواضح هو السعودية التي قال ديفيد كيركباتريك في “نيويورك تايمز” (9/3/2020) إن ولي عهدها لم يتعلم من دروس الماضي، حرب اليمن وقتل جمال خاشقجي بل ولا يزال يتصرف كأمير متهور وأنه فوق القانون ويتوقع من الغرب التسامح معه.