بات هذا رسمياً الآن. مدير عام منظمة الصحة العالمية يؤكد بأن أوروبا أصبحت بؤرة لانتشار الكورونا في العالم، وهكذا ورثت مكان الصين، التي تنتعش رويداً رويداً من الوباء. الحقيقة، في أوروبا الشفافية أكبر بكثير، وخدمات الصحة المتطورة قادرة على أن توفر صورة وضع دقيقة نسبياً. ولا يزال، وفقاً لما هو معروف حتى الآن، لا تزال معدلات العدوى والوفيات في الشرق الأوسط، بقدر ما يمكن الثقة بها، متدنية، باستثناء إيران، التي وصل إليها المرض على ما يبدو مباشرة من الصين.
عاملان جعلا أوروبا هشة على نحو خاص. أولاً، السكان فيها كبار السن أكبر نسبياً من معظم العالم، وبالتالي فهي عرضة أكثر للمرض. هكذا مثلاً في إيطاليا يبلغ معدل السكان أبناء أكثر من 65 نحو 23 في المئة، ومعدلات مشابهة أيضاً في إسبانيا وألمانيا. أما في إسرائيل فيبلغ معدل كبار السن أبناء 65 فأكثر نحو 12 في المئة – نصف ما هو في أوروبا. السكان في إسرائيل أكثر شباباً بكثير، وبالتالي يمكن الافتراض بأن ضرر المرض في إسرائيل كفيل بأن يكون أقل خطورة. وبالمناسبة، في الدول العربية المحيطة بنا، بسبب التكاثر الطبيعي العالي، فإن معدل كبار السن يبلغ 6 – 7 في المئة. ثانياً، ردت أوروبا بتأخير وبتردد نسبياً على انتشار الوباء. في معظم القارة كانت الخطوات جزئية ومحدودة. رد الفعل المتأخر والمتردد هذا يكمن في عادة الالتزام بالروح الأوروبية الراهنة، التي تضع في المركز الحرية والانفتاح، ولكن أيضاً وبالأساس المصلحة الأنانية للإنسان الفرد، وتمنح هذه الأمور أولوية على مصلحة العموم والمجتمع.
توجد بين الأمرين صلة واضحة ألقت بظلالها على أوروبا حتى قبل اندلاع الوباء. المثال الأوروبي لعيش اليوم وتفضيل جودة الحياة ومستوى الحياة على إنجاب الأطفال والعناية بهم، هو الذي يقبع في أساس معدلات الإنجاب المتدنية في القارة. وقد أدى هذا منذ زمن بعيد إلى نقص خطير في الأيدي العاملة وإغراق القارة بمهاجري العمل من كل أرجاء العالم، ولا سيما إفريقيا والعالم العربي.
في 1960 كان عدد سكان أوروبا يبلغ 400 مليون نسمة، بينما كان يعيش في الشرق الأوسط في ذاك الوقت 100 مليون فقط. أما اليوم فيعيش في أوروبا 500 مليون نسمة – ارتفاع ينبع في معظمه من الهجرة – بينما يعيش في الشرق الأوسط نحو 400 مليون نسمة. وفي العام 2050 سيبلغ عدد السكان في الشرق الأوسط 750 مليون نسمة، بينما لن يطرأ أي تغيير على عدد السكان في أوروبا.
ولكن التحدي الذي تقف أمامه أوروبا كان يمكن تشخيصه منذ قبل عقد من السنين، حين ارتفع تهديد الإرهاب الإسلامي درجة. وكان مصدر هذا التهديد غير مرة يعود إلى المهاجرين المسلمين في أرجاء القارة ممن لم يستوعبوا فيها. غير أن الرد الأوروبي على التحدث كان النفي، وبدلاً من إبادة التهديد، مال الأوروبيون إلى إبداء التفهم لدوافع الإرهاب وامتنعوا عن اتخاذ خطوات الأمان، مثل تلك التي تتخذها إسرائيل. وكل ذلك باسم الحفاظ على حقوق الفرد والخوف من المس بجودة الحياة.
وبالتالي، فإن انتشار كورونا هو مثابة نداء تحذير لأوروبا، عنوان آخر على الحائط لأزمة تعيشها القارة منذ زمن بعيد. لقد اعتاد الأوروبيون انتقاد دولة اليهود والمزاودة عليها، ولكن يخيل أن إسرائيل الصغيرة يمكنها هذه المرة أن تعلم أوروبا شيئاً ما: سواء في كل ما يتعلق بإيجاد التوازن بين حريات الإنسان الفرد ومصلحة العموم، وبالأساس في تبني الروح الإسرائيلية التي تسمح لها بأن نقيم دولة غربية متطورة، في ظل القدرة على تجنيد المجتمع ومؤسسات الدولة، وفي ظل الحفاظ على الدينامية والنمو والتطور، وكذا أيضاً… في ظل التكاثر الطبيعي.
بقلم: ايال زيسر
إسرائيل اليوم 15/3/2020