فن المختصر في مجموعة «العالق في يوم أحد» للسعودي عبدالله ناصر

أقر الكثير بأن هذا الزمن أصبح زمن الرواية بامتياز، فهي تحتل اهتمام دور النشر والنقاد والقراء، أكثر مما تحظى به القصة القصيرة، لكن ثبت أن هذا الرأي مجحف في حق القصة القصيرة، فهي صنف أدبي قائم بحد ذاته له من القواعد والميزات ما يجعله مختلفا عن أي كتابة أخرى. فاعتبرها البعض تحديا جماليا بامتياز، فضمن مساحة صغيرة يصنع الكاتب عالما بأكمله، شخصيات، مكانا، زمانا، أحداثا، انفعالات وعلاقات، فيصبح الأمر أشبه بانفجار نووي، مهمته أن يحقق المرجو من النص، وهو إبهار القارى وإعجابه.
قال رولان بارت «النص يبعث فيّ اللذة، إذا تمكن من أن يجعلني أنصتُ إليه بكيفية غير مباشرة ، إذا ما دفعني، وأنا اقرأهُ، إلى أن أرفع رأسي عاليا، وأن أسمع شيئا آخر». هذا ما يكتشفه القارئ وهو يتوغل في مجموعة عبد الله ناصر القصصية، قرابة 50 أقصوصة من الحجم القصير، تأخذك بسرعة قياسية إلى نهاية الكتاب، فحتى تتمكن من الاستمتاع يلزمك شد الحزام والدّوس على فرامل المتعة، التي يتركها فيك النص الأول، لتتضاعف في النص الذي يليه. يجعلك عبد الله ناصر تستفز حواسك وأنت تقرأ هذه المجموعة، فلا يمكنك المرور عليها ببساطة الناظر، الذي يمرر بصره على الكلمات مثل، ماسح ضوئي، بل تجبرك على إعمال مستويات متقدمة من العقل والإدراك.
تتورط مع أول أقصوصة في المجموعة، فتعلق داخلها، وكلما حاولت الخروج، زاد توغلك فيها، فهي تشبه الدمى الروسية تفتح الأولى لتجد أخرى أشد بريقا، وأزهى بانتظارك. «العالق في يوم أحد» عنوان موفق جدا اختاره عبد الله ناصر، فلم يعبر فقط عن الموضوع الذي تتناوله نصوصه، بل يعبر أيضا عن حالة القارئ. تتصف المجموعة بنسيج متكامل، فمهما بدت القصص مختلفة وبمواضيع متباينة، إلا أن هناك خيوطا رفيعة تربط بينها، من أبرزها عجائبية النصوص، الاشتراك في مفردة العنوان الذي جمع بينها، وسلاسة اللغة التي نسجت بها كل هذه الأقصوصات.

البنية الغرائبية

اتسمت نصوص عبد الله ناصر بمزيج من اللامنتظر والغريب منذ الافتتاحية، فكان النص الأول بمثابة الحبل الذي يلتف ليسحبك إلى الأعماق، ففي «المتواليات» يتشابه كل شيء حد التطابق، فكيف تكون حياة من أصبحت منازلهم متشابهة بألوانها وأثاثها وجدرانها وساكنيها. يظهر أيضا الجانب العجائبي في أغلب النصوص، التي تتناول موضوع الزمن مثل»حتى ساعات دالي»، «ساعات مفقودة» و»حوادث الأيام» ففي هذه الإقصوصات يفقد الزمن والأيام المعنى المتعارف عليه، فيتغير الزمن يطول ويقصر، أو تلبس الأيام أفعالا وأوصافا إنسية «يقود الثلاثاء بحذرِ رجلٍ في الستين سيارة من طراز تويوتا». وظّف الكاتب هذا الحس الغرائبي لطرح أسئلة لم نجد بعد إجابات لها، أسئلة عن الزمن وعلاقته بالإنسان، وبالذات التي لم تعرف الراحة أبدا.

لعبة العناوين في القصص

عادة ما يكون العنوان نقطة الانطلاق في قراءة أي عمل، فمن خلاله يبدأ التأثير على المتلقي، إما سلبا أو إيجابا، فإلى أي حد يصبح العنوان موجها لتوقعات القارئ؟ وهل من المفروض أن تكون له دلالات في مسارات النص؟ علِق يعلقُ علقا فهوعالق، مثّل هذا الفعل أول نقطة اتصال مع المتلقي، الذي لن يمرّ مرور الكرام، بدون أن يطرح جملة من الأسئلة، أين ولماذا، وكيف هو عالق ولماذا في يوم أحد، وليس في أي يوم آخر من أيام الأسبوع؟ وهل ينتهي زخم العنوان مع الشروع في فعل القراءة؟
كلما تقدمنا داخل المجموعة القصصية، إلا واكتشفنا أن العنوان يتجلى داخل النصوص بأشكال ومعان مختلفة، فلم يقتصر الفعل في أن يعلق أبطال الحكايات في إطار مكاني مثل ما جاء في «الرياض طوكيو» أو «الذي لا يستطيع الدخول»، فكلا بطلي الأقصوصتين عالقان في المكان، الأول بين مدينتين تفصلهما أميال وساعات، والثاني مسجون داخل غرفة بدون أبواب. أما بالنسبة لنص «تكامل» و»ضع الرأس أولا» أو «ما تفعله أجسادنا أثناء النوم» فإننا مع شخوص قد علقت داخل جسد شخص آخر، أو داخل جسدها الخاص، فأصبح من الصعب عليها أن تتحرر منه «فكانا لا يفترقان أبدا حتى أثناء النوم، يمشيان معا يدا بيد في الحلم نفسه، أو يهربان معا من الكابوس نفسه» هكذا عبر ناصر عن انصهار شخصين، فأصبحا كأنهما جسد واحد يشعران بالشعور ذاته ويحلمان الحلم نفسه.
أما عن أبطاله العالقين داخل فكرة، فقد تجلوا داخل عدد مهم من النصوص، من بينها «الخوارزمي» و»العالق في يوم أحد» يتجلى واضحا من خلال إعادة عنوان المجموعة حتى يمكن للقارئ أن يجوس في طوبوغرافيتها، وبالتالي يكون مشاركاً فعالا في أحد النصوص الذي توسط المجموعة، وكأنه إبرة ميزان جاءت لتحدث التوازن بين كفتيه وتصعد بنا إلى أقصى درجات المتعة.

اللغة

اختار عبد الله ناصر لغة بسيطة وسلسة ليكتب بها مجموعته، لغة رشيقة ورفيعة المستوى تقوم على تشكيل علاقات جدلية بين شخوص نصوصه وعلاقتهم بالزمان والمكان. تميزت نصوص هذه المجموعة بالقصر فهي لم تتجاوز الصفحة أو الصفحتين كأقصى حد كتبها ناصر مستعينا بتقنية التكثيف، فأتت اللغة مختزلة في شكل ومضات، ساهمت في زيادة وتيرة القراءة، فكانت «بطاقة تبرع» أقصر أقصوصة تكونت من جملة واحدة اختزل فيها ألم اليأس.
رغم الاقتصاد في الوصف، إلا أن القصة تصل للقارئ بلغة خفيفة ورشيقة، فمن المتعارف عليه أن القصة القصيرة لا تقول كل شيء، فهي تُشرك القارئ معها وتفتح له نافذة الخيال، فكما قال فرديناند دي سوسير «القصة قادرة على دفع القارئ إلى الشراكة في النص». فالكاتب الذكي هو الذي يترك ثغرات عبر اللغة حتى يمكّن القارئ من إدخال رأسه فيها وإعمال مخياله.

٭ كاتبة تونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية