كنتُ قريبةً منها حينَ كَسَرتْ زجاجَها بقصدٍ أو بالصّدفة… هذه الّلوحة الفرعونيّة التي تتمسّك بالجدار بكلتي يديها… لربّما أرادتْ أن تؤكّد لي خرافة اللعنة التي اشتُهر بها ذويها.
اعتبرتُ تصرفها صدفة، أنا التي أهتـمّ بتفسير لعبة القدر بجملـة (لا شيء يأتي بالصدفة)و أحرصُ على غسلِ وجه الشرّ بعناية نقاء الخير.
لطالما كسّرتُ الكثيرَ من أكوابِ الشاي دفعةً واحدة، حينَ كنتُ طفلةً.. حتى الأطباق الكبيرة و الصغيرة لم تسلمْ من التهشيم الناتج عن التّهميش العاطفي.
كانوا يردّونَ سببَ التكسير الجماعي هذا إلى سُرعتي المفرطة في كلّ شيء، لم يلتفتْ وعيُهم حين ذاك إلى أنّ هذه العلّة ناتجة عن اعتلال صرختي المكبوتة … الاحتجاج عليهم بالإجماع بجملةٍ صامتةٍ تقول: (اللعنة على هذه الحياة التي وهبتموني إياها)، بل كانوا يتباهونَ بي بينَ عائلات قريناتي اللواتي كنّ يستمتعن باللعب و الدلال و الهدوء أكثرَ مني… ابنتنا ستّ بيتٍ صغيرة تعتني بكلّ تفصيلة حدّ العجب، لطالما كان والدي له الرحمة يـردّدُ على مسمعي دائماً
( أنت تُحنبلينَ الأمور يا أبي ).
أطلقَ عليّ أحد الأقرباء كنوعٍ من الإعجاب بقدرة إنجازي للمهمات على صُغرها أو كبرها لقبَ (النّحلة) من يومها قررتُ أن أهتدي بها و أخبئ العسلَ في جراري بعنايةِ حزنٍ طويل أو ببهجةِ فرحٍ أندهشُ حين يزورني على حسبِ مزاجه.
ودرءاً لشرّ الكَسرِ الذي فاجأتني به اللوحة كنوعٍ من التهديدِ لربما بتسلّل اللعنة إلى أيامي القادمة، قلتُ لفرعون الذي يسكنُ اللوحةَ:
يا فرعون سأعطيكَ عسلاً من ماء العيون لم يحظ به جنيّ و لا إنسيّ كانَ بسحرها مفتون، خبّأتهُ من تسعٍ و تسعين عام ، كنتُ أصنعهُ على مهل مع ليلٍ شائب بينما الأنامُ نيام
على أن لا تخرجَ من اللوحةِ، فأنا أؤمنُ بقدرة أرواحكم التي تحاولُ أن تتلبّسَ الأجسادَ الحيّة لتعيشَ الحياةَ التي حَضّرتْ لها قبل تحنيطها بزمن يؤمن بالتقمّص.
قالَ: أريدُ أن أمشي على الأرض مجدداً… هاتِ العسلَ و سأهبُكِ قلبي بكلّ حب، ثمّ ناولني إياهُ على شكل قطعة زجاج.
و ببسمةٍ واثقةٍ رغم خوفها، تناولتها منهُ على مهل، أنا الحريصةُ بألا أخدشني بعدَ أن وعدتُ جروحي القديمةَ بألا يكون لها إخوة.
وضعتُ قلبهُ برفقٍ في راحة يدي اليسرى… كان قلبَ طفلٍ خُدِشَتْ كلّ جوانبه بهمجيّة، فارتأيتُ أن أقرأ عليه بعضاً من قصائدي.. هكذا نحنُ أصحابُ الحرف نداوينا ببركاتِ القصائد.
قلتُ: (لمْ أكـن أدري أن عمـري قبلـكَ كـان كذبـة….. لم أكـن أعلـم بأنّـكَ طفـلٌ بربـريّ في بـرّه … و أني سخيّـة لأغفـرَ بعـد ثالـثِ ذنـب).
ثم تليتها بِ (هاتْ و من رضـابِ الحَـرف أترعنـي.. يا مَنْ نطقـتُ باسمِـكَ بـدلَ صَـرختي .. حينما ولـدتني أمّي … إن راوتُـكَ عن حـرفي … فما أنا بآثمـةٍ و إنّـما .. رُدّ قـلبي فهو صاحـبُ التّجنّـي)
فانجَلَتْ الطّبقةُ الأولى التي كانتْ تغلّفُ قلبهُ و توحي بأنهُ قلبُ طفلٍ بريء، و بدا لهُ لوناً بنفسجياً على أزرق متعدّد الدرجات و التموّجات، متداخل في بعضه البعض كلون كُرة السّحرة حين تنشَطُ بسوئها حتى زاغتْ رؤية عينَيّ عن التركيز، ثمّ قفزَتْ القطعةُ الزجاجيّة من راحة يدي متجهةً إلى جهة قلبي، إلا أنّ رحمةَ ربي جعلتْ يدي اليمنى تمسكُ بها في الوقت المناسب قبلَ دخولها في مرماها بأجزاءٍ من الثانية، تعوّدتُ على كرم ربي بانتشالي مما يضيقُ همّي به.
بالطبع جُرِحَتْ يدي اليمنى و سالَ دمي يقولُ بصمتٍ اعتادَ أن يحثّني بالأخذ بثأره و لو بعد حين: أرجعي القلبَ إلى صاحبه قبلَ يجلسَ مكان فؤادك، بعدَ أن تضعيهِ تحت قدمك و تدوسي عليهِ سبعاً، ثمّ اغرزيهِ بالجهة اليمنى من جسده، ستعلّمهُ هذه العلّة مع الأيام بأنّ المكرَ كالسّحر… ينقلبُ على صاحبِه و لو بعد حين.
أولستِ القائلة (أنا القيثارة.. إن راوغني الجنُّ أنسيتهُ تاريخَ جدّهِ و أخباره)؟
أجبتُهُ: هو ذاكَ و ربّ ابراهيم، و فعلتُ ما طلبهُ مني دمي بالتحديد ثمّ حملتُ اللوحةَ بكلّها و رميتها من هذا النص.
قالت الأفئِدَة : قوّتكم بي فلا تتبادلوا القلوبَ مع غير أهلها.
٭ شاعرة سورية