■ ثلاث مسائل تتجاور زمانياً في الحديث عن السينما اليوم، وهي مسائل ليست سينمائية بل – لنقُل- حقوقية، ولا يمكن صفها إلى جانب بعضها بحكمٍ واحدٍ يشملها ثلاثتها، فلكل مسألة حالتها وحيثياتها، لكن التداخل بينها وبين بعضها يتسبب بضحية هو هنا وودي ألن، لنبحث في هذه المسائل. الأولى تتعلق بالمنتج الأمريكي هارفي واينستن، الثانية بالمخرج الفرنسي/البولندي رومان بولانسكي، الثالثة بالأمريكي وودي ألن.
الفروقات بين هذه المسائل الثلاث تتعلق بشكل كبير بفروقات بين كل من فرنسا وأمريكا في تناولها، كمجتمع وناشطين، كما تتعلق بتأثير السلطات الشعبوية للسوشيال ميديا والتحركات الحقوقية، في مقابل التعامل القضائي مع الموضوع. ففي حال واينستن، وهو أحد كبار منتجي هوليوود، حُكم عليه قبل أيام في نيويورك بالسجن
لـ 23عاماً، وذلك قد يعني، لحالته الصحية ولعمره، حكماً بالمؤبد. وهو لثبوت تهمتين هما اغتصاب لممثلة مبتدئة، وإجبار أخرى على ممارسة الجنس. قضيتان فقط اللتان أُثبتتا، لكن هنالك ما يقارب 80 عاملة في مجال السينما، ممثلات تحديداً، ممن قدمن شكاوى أو شهدن ضده، في نيويورك ولوس أنجلس.
بدأت تظهر هذه الشهادات خلال السنوات الأخيرة، وكانت محفزاً أساسياً لحركة «مي تو» التي انطلقت لتشجع كل امرأة على البوح بحالات التحرش التي تعرضت لها. وكان لعاملات في مجال السينما الأمريكية حضور بارز في هذه الحركة، التي لم تخلُ من شعبوية وسطوة في السوشيال ميديا، فهي وإن كانت محقة وعادلة في أساسها وساهمت في إيصال منتجين متنفذين كواينستن، إلى الحكم وبالتالي السجن، غلب على هذه الحركة في قضايا أخرى جانبُها الشعبوي، وذلك في مسألة أخرى تتعلق بوودي ألن.
لنتفق أولاً على أن الفنان، أياً يكن، إن أدين في قضايا، فليُحاكَم وإن أُثبتت التهم فليواجه عقوبتها كغيره، لا عذر لأحد ولا واسطة أخلاقية يمكن أن تحول دون عقاب متحرش أو مغتصب. هذا هو الفرق بين وودي ألن وآخر هو رومان بولانسكي. وقد خرجنا من حالة واينستن الذي نال حكمه وهو في سجنه المستحَق الآن، لنأتي إلى وودي ألن.
في 1992، الابنة المتبناة لزوجة ألن حينها، اتهمته بالتحرش الجنسي بها حين كانت في السابعة، ثم أعادت توجيه الاتهامات في 2013، بعد عشرين عاماً، خلالها وحتى اليوم، لم تثبت أي تهمة على ألن، فُتحت تحقيقات في كل من نيويورك وكونكتيكت وانتهت جميعها إلى أن ألن غير مدان، فلا أدلة واضحة على الاتهامات. ولألن قضائياً حرية الحركة في أمريكا (بخلاف رومان بولانسكي المطلوب بتهم اغتصاب).
ألن في مسألته إذن مختلف عن واينستن، فهنالك ادعاءات وتحقيقات لما يقارب 30 عاماً ولم يُثبت أيٌ منها، لكن ألن يتعرض لعقاب آخر لا يحتاج لحكم قضائي، بل لسطوة الإعلام والسوشيال ميديا، وهو هنا أحد ضحايا حركة «مي تو»، التي خلطت بينه وبين آخرين مدانين كواينستن وبولانسكي، في كفاحها الضروري عموماً، لحقوق النساء.
كتبت إحداهن في صحيفة بريطانية مقالة بعنوان يختصر مسألة المذكرات لمن يريد اتهام ألن إنما بعقلانية، هو «لا أريد أن أقرأ مذكرات وودي ألن، لكن ذلك لا يعني أنها يجب أن لا تُنشر».
هنالك العديد من الممثلات اللاتي رفضن العمل مع ألن، هنالك أفلام لألن ألغت شركة «أمازون» عقدها معه بشأنها، بسبب تصريحاته الساخرة تجاه «مي تو»، هي ثلاثة أفلام. فيلمه الأخير والجميل «يوم ماطر في نيويورك» مُنع من العرض في الصالات الأمريكية، ولحسن حظه وحظ محبي السينما في فرنسا، فقد عُرض ونال الاستحسان النقدي الذي يستحقه (وهذه واحدة من المفارقات والتعقيدات في التفاوت الفرنسي الأمريكي في تناول مسائل التحرش).
رفع ألن دعوى قضائية على أمازون، ثم اتفق الطرفان على إسقاطها، وبقي ألن ضحية لكل هذه الهمروجة الإعلامية، ونحن نقرأ بين وقت وآخر أنه مايزال يبحث عن ناشر لمذكراته «سيرته الذاتية» التي تجنبتها دور النشر الأمريكية، والتي تراجعت الدار الفرنسية «هاشيت» قبل أيام عن نشرها بعد إعلانها نيتها النشر، واحتجاج موظفين فيها.
كتبت إحداهن في صحيفة بريطانية مقالة بعنوان يختصر مسألة المذكرات لمن يريد اتهام ألن إنما بعقلانية، هو «لا أريد أن أقرأ مذكرات وودي ألن، لكن ذلك لا يعني أنها يجب أن لا تُنشر».
في فرنسا، هنالك معايير أخرى، بطلها رومان بولانسكي، وهي لا تشبه أبداً مسألة وودي ألن، الفرق أنه في حالة ألن كانت هنالك اتهامات أبطلتها التحقيقات، ونال ألن عقاباً شعبياً/شعبوياً. أما بولانسكي فهو مطلوب للعدالة في أمريكا، فقد اعتُقل عام 1977 لتهمٍ أهمها اغتصاب فتاة بعمر 13. واستطاع الهرب من أمريكا إلى فرنسا العام التالي، ساعات قبل إصدار الحكم عليه وإدانته. وهو يتفادى الذهاب إلى أمريكا حتى اليوم كي لا يواجه عقابه. في حفل «سيزار» الأخير لجوائز السينما، في باريس، ورغم احتجاجات حقوقية ونسوية، ترشح فيلم بولانسكي «إني أتهم» ونال جوائز منها، أفضل مخرج. الحال في فرنسا ليس كما هو في أمريكا، في الأخيرة هنالك قانون أكثر تأثيراً كما يبدو، وهنالك حرية محاكمات، تحقيقات وتهم نال واينستن جزاءه فيها واستطاع بولانسكي الهرب منها، أما ألن فيمكن اعتباره ضحية جانبية، فقد جرت التحقيقات بشأنه لكن «العقاب» كان شعبياً وإعلامياً.
في فرنسا الأمر مختلف، فالعقدة التاريخية والراهنة تجاه اليهود ماتزال بارزة، مع بولانسكي نفسه ومع موضوع فيلمه، كما أن هنالك استسهال في مسائل التحرش، فلا ننسى اعتراضات لممثلات فرنسيات ككاترين دونوف وأخريات على حركة «مي تو»، وضمن ذلك يصب استقبال فرنسا لفيلم ألن واستعداد الدار الفرنسية الأولى لنشر مذكراته. في حفل «سيزار» وعند الإعلان عن بولانسكي كفائز، احتجت الممثلة أديل هانيل (الناشطة في «مي تو»، التي تحدثت عن تحرشات جنسية كانت تعرضت لها في بداية مشوارها كممثلة) وخرجت من القاعة وكان خروجها هذا عنواناً صحافياً لا تقل مساحته عن عنوان بولانسكي كفائز، خرجت تصرخ «برافو للبيدوفيليا (للتحرش بالأطفال)».
أحد أكبر مديري الكاستينج الفرنسيين أهانها على صفحته الفيسبوكية قائلاً، إن مشوارها الفني قد انتهى لتصرفها هذا، بعدها بأيام (قبل أيام من كتابة هذه الأسطر) نقرأ خبراً عن توقيع أديل عقدا مع إحدى أكبر وكالات الكاستينغ في هوليوود.
هنالك تفاوت في التعامل مع مسائل كهذه بين فرنسا وأمريكا، كمجتمع وعاملين في السينما، يُحسب لأمريكا منح القضاء سلطة عليا، يُحسب على فرنسا مجاملة صاحب أحكام في اغتصاب فتاة، بمنحه حماية أولاً ثم جوائز ثانياً. يبقى، في هذه المعمعة، وودي ألن الذي برأته المحاكم وعاقبته الشعبوية. ويبقى الفنان المغتصِب مغتصباً يستحق المحاكمة، والسجن إن أُدين.
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا