العلم هو الحل

حجم الخط
1

أسبوع كامل وأنا مُمَدد على سريري أعاني من حساسية وراثية تأتيني في العام مرة أو مرتين فتجعلني جثة هامدة، أتناول خلال هذه الأزمة عادة كما هائلا من الأدوية؛ يبقيني في حالة مستقرة نوعا.
السؤال الذي كان يلح على ذهني وبشدة خلال هذه الأيام؛ ماذا كانت تفعل البشرية في الأيام الخالية؟ حيث لا علاج، ولا طب، ولا تشخيص قائم على دراسة، ودعك من الكلام الساذج بأن الأمراض كانت بسيطة، هذا كلام محض هراء، تنبئ كتب تاريخ الأمراض عن سنوات من الأوبئة شديدة الهول والرعب، ولا يمكن تخيل فداحتها الآن، الطاعون كان يفتك بقرى بأكملها، الحمى الإسبانية حصدت في شتاء واحد في العشرينيات من القرن المنصرم مئة مليون روح، الجدري؛ وما أدارك ما الجدري؟ كان يفتك بالمدن فتكا، وما حديث الكوليرا في مصر ببعيد. تاريخ الأوبئة تقشعر له الأبدان حين تقرأه بشكل إحداثي؛ أي تخيل المعاناة اللحظية واليومية للمرضى.
تصف الكاتبة الألمانية زنغريد هونكه مستشفى في القرون الوسطى في أوروبا في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب – وإن كان في سياق مقارناتي- فتقول « كان يستلقي في الفراش الواحد أربعة مرضى أو خمسة أو ستة، فترى قدمي الواحد في جانب رأس الآخر، وكان الأطفال الصغار إلى جانب الشيوخ الكبار، حقاً إن هذا لا يصدق، ولكنه الحقيقة والواقع.. وكانت المرأة تئن من مخالب المخاض، إلى جانب رضيع يتلوى من التشنجات، ورجل يحترق في هذيان الحمى، إلى جانب مسلول يسعل سعلته الجارحة، ومصاب بأحد الأمراض الجلدية يمزق جلده الأجرب بأظافره الثائرة».
يا له من عذاب؛ حين تتخيل ليل الإنسان المؤرق بالمرض والظلام والبرد في ما مضى من عصور. ربما الآن تعالج نفسك بعدد من الأقراص تحضرها من صيدلية تحت بيتك، وتدثر نفسك وتنام، ولا تدري أن البشرية عانت من أهوال كي تنتج لك تلك الأقراص التي خففت كثيرا من الآلام، وربما تتناول هذه العقاقير ساخطا ومتبرما، كما أفعل أنا في كثير من الأحيان على عدم سرعتها العلاجية، ولو علمت ما مضى لرفعت يدك إلى السماء شاكرا.
السماء الرحيمة، المفتوحة للجميع بلا استثناء، ولا وكالة ولا نيابة ولا احتكار حقيقة مطلقة، فكل الطرق تؤدي إليها، ولكل طريقه إلى الله. تخيل هذه المشاهد الخارجة من رحم عصور الجحيم: أم تفتك بها الحمى في ليلة سوداء بين أطفالها الصغار ولا معين. طفل يلفظ أنفاسه الآخيرة في ليلة باردة مظلمة، ويقلب بصره بين آبوين لا يملكان ما يدفعان به غائلة المرض.
أوبئة تجتاح المدن فيتساقط القتلى في الشوارع، (هذا المشهد تحديدا ذكره ابن أياس في كتابه الشهير «بدائع الزهور في وقائع الدهور» متحدثا عن الآوبئة في برّ مصر). لذلك من الحصافة للإنسانية أن تهتف في صبحها ومساها للذين خففوا من عذابات الإنسان، بدلا من الهتاف للقادة والفاتحين سافكي الدماء، أو الذين يرتزقون ببيع الوهم باسم السماء. فلتهتف البشرية إذن بالمجد للذين أنارو درب الإنسان باسم العلم، بلا تمييز ولا استثناء؛ كتوماس إديسون، وأدوارد جينر، ولويس باستير، والكسندر فلمنج الذي صنع ثورة باكتشافه
البنسلين، الذي فتح المجال بدوره لاكتشاف المضادات الحيوية بعد ذلك. «اكتشاف البنسلين في التاريخ الجمعي البشري من وجهة نظري أفضل من اكتشاف الأمريكتين». ومع كل هذه الأمجاد والتطويبات، لابد لنا من الاعتراف بأن أمام البشرية الكثير جدا لتنجزه أيضا.
فالحفريات تقول إن أقدم هيكل عظمي للسلالة التي تطور منها الإنسان لا يتعدى تاريخه 4.4 مليون عام – تاريخ نشوء الأرض أكثر من 4 مليارات سنة- وأقدم هيكل مكتشف للإنسان العاقل لا يتعدى مئتي ألف عام على أقصى تقدير. معنى ذلك أن كل اكتشــــافات الإنسان المهــــمة تمت في الثانية الأخيرة من يوم الإنسان على الأرض.
لذلك في الملايين المقبلة من السنين – وأظن أنها سنن إلهية – ستمتلك البشرية زمام أمرها، وسيتغلب العلم على الأمراض، وعلى المشاكل التي أرقت ليل البشرية، وسيعلو كل ما من شأنه راحة الإنسان وسلامته. سيتطور الدماغ البشري، وسيتطور الشكل الخارجي للإنسان أيضا. في الآتي من المستقبل الجمعي لابن الإنسان، سيصبح العلم وحده هو البدء والمنتهى وهو الحل.

٭ كاتب وإعلامي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية