الصوت والمعنى في محاضرات رومان ياكوبسون

يعد رومان ياكوبسون أحد أركان المدرسة اللغوية المعروفة بجماعة (الأبوغاز) التي ظهرت في جامعة موسكو نحو عام 1911، وعرفت لاحقا باسم المدرسة الشكلية الروسية، لكونها أضفت على الدراسات اللغوية والأدبية طابع الاهتمام بالشكل أكثر من الاهتمام بالمادة التي تعد وتحسب في المحتوى، مع أن هذه التسمية ليست دقيقة في الواقع. وقد انضم ياكوبسون كغيره من أعلام هذه الجماعة لحلقة براغ التي أعلنت عن نفسها في مؤتمر دولي عام 1926، تبنت فيه المنهج الوصفي الذي دعا له فردناند دو سوسير، وقد أسهم ياكوبسون مع رواد هذه الحلقة في تجديد الدرس اللساني، على قاعدة الاهتمام بالدرس الصوتي أولا، فنشر بحوثا عن الفونيم، وعن الحبسة، وعن الإدراك الصوتي، ولم يغفل عن وظائف اللغة الدنيا كالتواصل، والوظائف العليا، وفي مقدمتها الوظيفة الإنشائية، أو الشعرية، ما يترتب على الدارسين البحث في ما يجعل الملفوظ اللساني نصا أدبيا تعاد قراءته من حين لآخر، ويجري تذوقه تذوُّق المشاهدين للصور، واللوحات، والأفلام، والأعمال الدرامية، والفنون التشكيلية، علاوة على أنه يُحلَّل، ويُدرس، ويغدو مادة للقراءة، وإعادة القراءة والتأويل، والتأويل المضاعف.
بعد الاحتلال الألماني لبراغ انتقل ياكوبسون وغيره من اللسانيين البراغيين إلى باريس، ثم ترك باريس بعد احتلال الألمان لفرنسا وتوجه إلى الولايات المتحدة، وهناك عُهد إليه برئاسة قسم اللسانيات في المدرسة الحرة للدراسات العليا في نيويورك من عام 1942- 1943 وفي الأثناء ألقى عددًا من المحاضرات، ركز فيها على علاقة الصوت بالمعنى. (ست محاضرات في الصوت والمعنى، ترجمة علي صالح وحسن ناظم، دار الرافدين 2019) ويذكر كلود ليفي شتراوس، وهو أنثروبولوجي فرنسي استمع لهاتيك المحاضرات – إن ياكوبسون أعاد فيها النظر مرارا قبل أن يقوم بنشرها في كتاب صدر بعد ثلاثين عاما من إلقائها على طلابه. والمعروف أن صلة الصوت بالمعنى من الإشكاليات التي أرَّقتْ اللسانيين كثيرا في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولعل بودوان دو كورتيني – من جماعة النحاة الجدد- من أوائل اللغويين الذين تطرقوا للدور الذي يؤديه الفونيم phoneme – وهو أصغر وحدة صوتية في اللغة، لا يمكن تجزئتها لما هو أقل منها- في التفريق بين العلامات اللغوية، المؤتلفة منها أو المتباينة – نطقا – من حيث دلالاتها على المعاني. ولم تغب هذه الفكرة عن أنظار ميشيل برايال مؤلف كتاب السيمانتيكس Semantics ومن بعده تناول هذه الفكرة الأمريكي إدوارد سابير والبولندي برونسلاف مالينوفسكي قبيل أن تؤول هذه الملاحظ لرومان ياكوبسون، الذي تجاوز في محاضراته هذه وتخطى الكثير مما قيل في هذا الشأن. ولأجل ذلك عمَد ياكوبسون إلى التفريق بين نوعين من الدراسات اللسانية للأصوات، أولهما هو فسلجة الصوت، أي التركيز على علاقة أصوات الهجاء بوظائف الأعضاء؛ كالحنجرة، والحلق، والحنك، واللسان إلخ.. وثانيهما الذي يعرف بالدراسة الأكوستيكية، أي التركيز على الجانب الإسماعي، والإدراكي، للملفوظ اللغوي، على الرغم من أن هذا الجانب لا ينفصل تماما عن السابق. ففي القرن التاسع عشر ازدهر ما يعرف بعلم الصوت التجريبي، ولكن هذا الازدهار، على الرغم مما فيه من تنوع يتجلى في الأجهزة المستخدمة لقياس عدد الذبذبات، والمدى الصوتي للحرف الواحد، إلا أن هذا الازدهار لم يكن ليهتم بمشكلة المعنى، وعلاقته بالصوت. وهذا يفسر لنا شدة اهتمامه بالعلاقة بين الصوت والمعنى.
فقد خالف سوسير في ادعائه أن الصوت الملفوظ لا علاقة له بالمعنى، إلا من جهة التوافق والاصطلاح، غير أن ياكوبسون يرى عكس ذلك؛ فليست الصلة بين الملفوظ ومعناه اعتباطية، أو عشوائية، بدليل أن النبر والتنغيم يؤديان، إلى جانب المنطوق الكلامي- وهو مجموعة الفونيمات – ما يسميه تعبيرا تارة، وتوكيدا تارة، ووظيفة انفعالية تارة أخرى. وهذا ما كان قد سبق إلى القول به تيار النحاة الجدد في جامعة لايبزغ نحو عام 1870 غير أنهم لم يتابعوا البحث فيه إلا من حيث أنه جزءٌ مما يسمونه علم الأصوات النفسي Psycho phonetics، وعلى الرغم من أن الروسي سكيربا لا يختلف بآرائه كثيرا عن كورتيني، إلا أنه يفرق، هو الآخر، بين الجانب المادي للصوت ـ الذي هو ظاهرة مادية محسوسة خارجية- والفونيم الذي هو ظاهرة ذاتية ونفسية من جهة أخرى. وقد تتبع ياكوبسون آراء فلنتير في الفونيم، وهنري سويت، وأوتو ياسبرسن، ونيكولاي كرزفسكي، وغيرهم من اللغويين الأمريكيين كإدوارد سابير وبلومفيلد وبعض لغويي حلقة براغ ، منتهيا إلى أن أي وصف لصوتيات لغة ما لا بد أن يتضمن قبل أي شيء آخر وصفا لنظامها الفونولوجي وهو النظام الذي يختزن ـ في رأيه – الفويرقات السمعية الإدراكية الوثيقة الصلات، الوطيدة الوشائج، بالمعنى.

انفتاح الدراسات اللسانية، والبحوث اللغوية على هذا النظام الفونولوجي في هذه اللغة أو تلك، يعد ضرورة لا غنى عنها للوصول بالدراسات إلى نتائج دقيقة حول علاقة الصوت بالمعنى.

وهذا النظام استحوذ من قبل على عناية اللسانيين، ولا سيما نيوكولاي تروبتسكوي الذي نشر في عام 1939 كتابا بعنوان « المفاهيم الأساسية للنظام الصوتي» وفي موازاة ذلك ظهر في نيويورك كتاب «اللغة» لبلومفيلد، الذي لا يخلو من إسهامات جيدة في البحث الفونولوجي. وفي الأثناء نشر البولندي فيتولد دروسزفسكي كتابا بعنوان «حول الفونيم» وإذا تجاوزنا الفروق الوظيفية بين الفونيم والمورفيم، فمِمّا لا ريب فيه، ولا شك، أن الفونيم، وهو حزمة من السمات المميزة لأدنى وحدة صوتية في اللغة عن غيرها من الأصوات، المختلفة أو المتشابهة، هو أحد عناصر الدال اللغوي، على الرغم من أن هذا الدال لا ينمُّ على مدلول في حد ذاته، أي أن الفونيم يزاول التدليل، والتنبيه على المعنى، مع أنه خِلوٌ من أيِّ معنى.

فالصوت الأقصى حنكي في بداية الكلمة الإنكليزية can يميزها عن كلمة أخرى تبدأ بصامت شفوي أنفي وهي كلمة man والصامت الشفوي الأسناني الاحتكاكي الذي في أول كلمة fan يميز الكلمة، من حيث المعنى عن الكلمتين السابقتين. مع أن الأصوات الثلاثة: f . c. m صوامت لا معنى لها، ولا وظيفة من حيث هي أصوات، إلا أنها تميز ذواتها عن غيرها من الصوامت. على أن نظرية الفونيم هي إحدى الإشكاليات اللسانية التي اعتراها لغَطٌ كثير. بيد أن الأمر ليس كذلك لدى ياكوبسون. فالفونيم، بما يتصف به من ملامح مائزة، يجد فيه السامع الحد الفاصل بين مدلول وآخر في الكلمات الملفوظة، الجذور منها والأدوات. فالصوت الحنجري المزماري الاحتباسي في (أن) هو الذي يميز لدى السامع هذه الأداة عن أداة أخرى تبدأ بصوت حلقي احتكاكي هو العين (عن) ولا يمكن الزعم بأن فونيما ما أكثر قدرة من غيره على أداء هذه الوظيفة، المؤثرة في تحديد المعنى. وقد شبه الفونيمات من هذه الوجهة بثلاثة دولارات، أحدها ورقي قديم، والثاني معدني قديم وكالح، والثالث جديد ولامع، فمع أن الفرق في مظاهر هذه الدولارات قد يغري أحدهم بتفضيل الدولار الجديد اللامع على الاثنين الآخرين، إلا أن هذا لا ينفي أن القيمة الشرائية لكل من الدولارات الثلاثة قيمة واحدة. وهكذا هي الفونيمات في النظام الصوتي الفونولوجي. فالصامت الأنفي في العربية، وهو النون في كلمة مثل (من) يمكنه أن يغدو في سياق معين شفويًا، ومع ذلك فإن دلالته على المعنى لا تختلف. فهو في مما يشير إلى المعنى نفسه في منكم مثلا. وهذا هو الذي يدعو ياكوبسون لحث اللغويين على الالتفات للنظام الفونولوجي بغية التعرف على القوانين التي تتحكم في استبدال الفونيم بعض ملامحه المائزة بأخرى من فونيم آخر، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بوظيفته من غير تغيير.
ولم يفته – في هذه المحاضرات – أن يشير لقوة الفونيم في اللسان، فهو في سياق فونيم، وفي غيره مورفيم، كالواو العربية في كلمة وقف يمكنها أن تكون في كلمة بيوت، وخيول، مورفيمًا يحيل المفرد جمعا. وقد يؤدي الفونيم دور الكلمة في سياق آخر، فالصائت الأنفي في الفرنسية an يستعمل استعمال الكلمة التامة في بعض المواقع، وهو استعمال يشبه استعمال الإنكليزية للصائت المفتوح a فهو فونيم في كلمة As ومورفيم حر ككلمة في قولهم A Man وتبعا لذلك فإن انفتاح الدراسات اللسانية، والبحوث اللغوية على هذا النظام الفونولوجي في هذه اللغة أو تلك، يعد ضرورة لا غنى عنها للوصول بالدراسات إلى نتائج دقيقة حول علاقة الصوت بالمعنى. في حين أن دراســة هذه الإشكالية بمعزل، وفي منأى عن المعرفة بالنظام الفونولوجي، تظل – في رأي ياكوبسون – دراسة عقيمة لا تسفر عن نتائج مثمرة.

٭ ناقد من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية