أصوات ضد الحرية

حجم الخط
0

علي طه النوبانيجاءت الثورات العربية مطراً مدهشاً وجميلاً بعد جفاف طويل، فأخذتنا النشوة شهوراً ونحن نحاول أن نرتب أوراقنا من جديد ونحاول أن نفهم ما يحدث، لكن غالبية المثقفين العرب أخذوا على عاتقهم أن يحولوا كل فرحة إلى مأتم وكل جرعة ماء إلى غصة، فجاءت مواقفهم وسلوكاتهم غير مختلفة في جوهرها عن مواقف الأنظمة العربية الدكتاتورية المتسلطة.

لقد أصدرت العديد من منظمات المجتمع المدني بيانات تأييد للشعبين التونسي والمصري ثم دبت الخلافات وبدأ تبادل الاتهامات بين المثقفين عندما اشتعلت الثورة في سورية والبحرين، فالبعض وقف ضد الشعب البحراني بدعوى أن ثورتهم مؤهلة لأن تقود المد الشيعي في المنطقة والبعض الآخر رفض إصدار بيان يؤيد الشعب السوري بدعوى أن سورية دولة ممانعة وأنها دعمت المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بل وتحدثوا عن أيد خفية للسعودية والحريري في سورية.

قال لي أحد الكتاب أنه يشم رائحة مصالح امبريالية وراء الثورة السورية وقال لي أيضاً لتكن ديالكتيكياً، فالمقاومة ما كانت لتنجز ما أنجزته لولا دور النظام السوري، حسناً… سأكون ديالكتيكيا، الثورة في مصلحة الشعوب العربية لأنها قد تحقق لنا التحرر والديمقراطية والتعددية ودولة القانون والمؤسسات وقد تقدم فرصة لنخبنا المنفية لتتبادل التأثير مع جماهيرنا المنكوبة، وقد تسمح لنا أيضا بأن نستوعب سر نهضة أوروبا قبل مئات السنين وكيف تخلصوا من الظلامية والأحادية والشمولية وتغوُّل النص على الفكر والنقل على العقل؛ وهي- الثورة- أيضاً من الجانب الآخر ربما تكون في مصلحة العالم الحر الذي تسميه أنت امبريالية لأنها ربما تساهم في إنقاذ العالم الرأسمالي من أزمته وربما تساهم في إعادة توزيع مصالح الدول العظمى في المنطقة بعد أن احتكرتها أمريكا، إذن: هل سنقف ضد حقوق الشعوب العربية ونضالاتها لكي لا نحقق فائدة غير مباشرة لما تسمونه امبريالية. أَوَكلَّما قدَّرنا أن ثورتنا ستكون في مصلحة ما تسمونه امبريالية سنقف ضد شعوبنا صامتين غير قادرين على الفعل.

ما أسهل أن يقف الواحد منهم موسِّعا حدقتي عينية ليقول لك: ‘أنت امبريالي أمريكي’ وقد يذهب بعيداً ليقول بأنك متصهين لمجرد أنك تتحدث عن الحرية، يا للكارثة تريدون القضاء على الإمبريالية والصهيونية قبل أن تمتلكوا إرادتكم الحرة وأن تتعلموا كيف تقبلون الآخر وكيف تستقبل مثلما ترسل! وإني أذكركم كم اختبأتم وراء الاستعارات والصور الشعرية لتتجنبوا انتقاد حلاق السلطان أو سائقه الشخصي، ثم ها أنتم تزايدون على تضحيات الشعوب العربية ودماء زهرة شبابهم وتمثلون دور زرقاء اليمامة وقد سبقتكم الشعوب وانتم تقبعون في متاحف المتحجرات مثل النعامة. ما زالت غالبية المثقفين العرب يجرؤون على رؤية إيجابيات الدكتاتور المزعومة أكثر من حقوق الشعوب العربية المظلومة فأف للورق الذي قرأتموه وأف للأقلام التي حبرته بالانغلاق والظلامية إذا ساندتم الدكتاتور ضد الحرية. من قال بأنَّ الشعوب العربية إذا امتلكت إرادتها الحرة ستقف ضد المقاومة وأنها سوف تتهاون في قضايا الأمة المصيرية، ومتى سيدرك الجميع أن إرادة الشعوب هي الأعلى وهي التي تصنع الثقافة وترسم الطريق وتحقق الأحلام.’ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية