تونس -«القدس العربي»: أثار خطاب الرئيس التونسي، قيس سعيّد، حول فيروس كورونا، انقساما داخل الطبقة السياسية في البلاد، فبينما رحب البعض بالقرارات التي أعلن عنها خلال الخطاب، اعتبر آخرون أنها غير كافية للحد من انتشار هذا الوباء الذي يجتاح العالم، فيما أعلنت الحكومة تخصيص المقرات التابعة لحزب الرئيس السابق، زين العابدين بن علي لإيواء الخاضعين للحجر الصحي.
وكان سعيّد أعلن، في خطاب موجه للتونسيين مساء الثلاثاء، حظر التجول في البلاد من السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً للحدّ من تفشي الفيروس وأكد أنه سيتبرع بنصف أجره للمساهمة في دعم جهود الدولة لمحاربة هذا الوباء، داعيا التونسيين إلى الاقتداء به.
وأثارت هذه القرارات ردود فعل متفاوتة لدى الطبقة السياسية حيث دوّن المؤرخ والمحلل السياسي د. عبد اللطيف الحنّاشي على موقع فيسبوك “حقيقة لم أفهم أسباب منع التجوّل ليلا. فهل هناك تجمعات ليلية أو محلات تفتح ليلا وتستقطب الزبائن؟ وهل الوباء ينتشر ليلا دون النهار؟ كنا ننتظر من الرئيس أن يطلب إعادة جدولة ديون الدولة من البنوك المحلية وصندوق النقد الدولي”.
وكتب عبد الوهاب الهاني، رئيس حزب المجد “باستثناء الإعلان عن حظر الجولان بداية من يوم الغد من السادسة مساء إلى السادسة صباحا، والالتزام غير المباشر بالتبرع بنصف جراية شهر رئيس الجمهورية، فإن باقي الخطاب – للأسف – هو بيان رئاسي متأخر جدا، أبوي وتلقيني وإنشائي ووعظي، لا يتناسب مع ما ينتظره الشعب من رئيس البلاد في مثل هاذه الظروف العصيبة. وهو إلقاءٌ بالمسؤولية على باقي السلطات وخاصة السلطة التشريعية والمنظومات الوطنية والدولية، بدون اتخاذ قرارات واضحة للحد من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة الوباء. مستشارو رئيس الجمهورية أضاعوا الليلة فرصة ثمينة لمصالحة الرئاسة مع الشعب”.
من جانبه أشار الباحث سامي براهم إلى أن التونسيين كانوا ينتظرون من رئيس الجمهورية “دعوة رجال الأعمال والأثرياء إلى القيام بالتزاماتهم الأخلاقيّة تجاه البلد في أزمته خاصّة الذين تمتّعوا برسملة مؤسساتهم وتعويض خسائرهم من المال العامّ ومن استفادوا من المنظومة القديمة ولم يسددوا ما عليهم من استحقاقات، ودعوة الحكومة والمؤسّسة التّشريعيّة للالتزام بإجراءات عاجلة لدعم ضعاف الحال والفئات المهمّشة التي ستتضرر من تبعات الحجر الجماعي بتعطيل أنشطتهم الهشّة وقطع أرزاقهم وتقديم مشروع قانون في ذلك، ودعوة البنوك إلى تأجيل دفع أقساط الدّيون للموظّفين وضعاف الحال من أصحاب المشاريع الصّغرى والتّخفيف من الضّرائب على الدّين والقيمة المضافة والتي ارتفعت منذ أشهر بهبوط قيمة الدّينار”.
وأضاف “وكنا ننتظر من الرئيس دعوة الدّول المانحة وصناديق الإقراض لإعادة جدولة ديون البلد أو تحويلها إلى استثمارات حتّى تتحرّك عجلة التنمية في البلد ويتجاوز أزمته، ورسائل طمأنة بخصوص انسجام السّلط وتكاملها تبدّد ما بدأ يتسرّب من قلق بهذا الشّأن وتعطي الثّقة في الدّولة ووحدتها وتكامل مؤسّساتها. كنّا ننتظر بيانا من رئيس الدّولة وهو محاط برئيس الحكومة ورئيس البرلمان رسالة وئام ووحدة وتضامن وقوّة للشّعب. أمّا الخطاب فكان يفترض أن يكون أقلّ رسميّة وأقرب للهجة عموم النّاس وروح الشّعب الباحث في هذه الفترة العصيبة عن دفء العبارة وبساطة الكلمة وصدق العاطفة والدّعم النّفسي. السّياسيّ النّاجح هو الذي يتقن فنّ صناعة الخطاب، والخيال الذكيّ الذي يبدع الحلول التي تغيّر الواقع، ومن لديه التجرّد والرّوح الوطنيّة التي تجمع الفرقاء وأبناء الوطن وقت الأزمات والتحدّيات”.
وجاء خطاب الرئيس سعيد بعد ساعات من خطاب مماثل لرئيس لحكومة إلياس الفخفاخ أعلن فيه غلق الحدود البرية والجوية والبحرية، عدا رحلات نقل البضائع وعمليات الإجلاء، فضلا عن منع التجمعات على غرار الأسواق والحمامات والحفلات وغيرها، وتأجيل جميع التظاهرات الفنية والبطولات الرياضية.
واتهم النائب ياسين العياري منتقدي خطاب الرئيس التونسي بـ”الشعبوية”، حيث دوّن على صفحته في موقع فيسبوك “من يرغب بفرض حظر تجول في النهار، يجب عليه أولا أن يخبرنا كيف سيوصل الطعام والدواء للناس في منازلهم، وكيف سيتمكن ممن يعمل باليومية من شراء الخبز والدواء”.
كما انتقد ما سمّاه “حملة العنصرية” ضد المواطنين التونسيين في الخارج، وسط الدعوات بعدم منحهم فرصة للعودة إلى البلاد، خشية من نقلهم لفيروس كورونا، مضيفا “التونسي في الخارج، هو تونسي أيضا وله حقوق مثلكم، حاولوا إخفاء حقدكم وشماتتكم قليلا!”.
من جانب آخر، أكد غازي الشواشي، وزير أملاك الدّولة أن لجنة تصفية أملاك حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ (حزب بن علي)، قررت تخصيص 10 ملايين دينار (3.5 مليون دولار) من الأموال التي تم تحصيلها من تصفية أملاك الحزب لدعم جهود الدولة في مكافحة وباء كورونا.
كما أشار إلى وضع بعض المقرّات التابعة للحزب السابق بشكل مؤقت تحت تصرّف وزارة الصحة لاستغلالها في الحجر الصحي للأشخاص المشتبه بإصابتهم بالوباء.
وكانت تونس أعلنت وفاة أحد مواطنيها في مدينة ميلانو الإيطالية بعد إصابتها بفيروس كورونا، مشيرة إلى أن عدد الإصابات بالفيروس داخل البلد بلغ 29 شخصا، فضلا عن وضع أكثر من سبعة آلاف شخص مشتبه بإصابتهم في الحجر الصحي.