فريق طبي صيني عائد من مدينة ووهان
لندن- “القدس العربي”:نشرت مجلة “تايم” الأمريكية تقريرا لمراسلها في شنغهاي تشارلي كامبل قال فيه إن الحياة في الصين لم تعد لوضعها الطبيعي رغم ما تقوله الحكومة.
وفي البداية تحدث الكاتب عن بريان لي من نيويورك والذي يعمل ما بين سيؤول في كوريا الجنوبية وشنغهاي كمدير لشركة إعلامية “رادي”. وتعود على التنقل بين المدينتين بشكل منتظم إلا أن رحلته في 9 آذار (مارس) لم تكن عادية، فبعد هبوط الطائرة في مطار بودونغ الدولي أخبره المسؤولون أن الإجراءات تغيرت وهم في الجو، وكل المسافرين القادمين من كوريا الجنوبية يجب وضعهم في الحجر الصحي لمدة 14 يوما. ونقل بعد ذلك إلى فندق ثلاثة نجوم حيث أعطي ميزان حرارة لقياس حرارته يوميا وكيس نفايات واحد. وكل الوجبات كانت توضع أمام غرفة الفندق. ويقول إنه لم ير أحد ويمارس التمارين الرياضية وقراءة وكتابة ما لم يتح له سابقا. كل هذا في وقت أعلنت فيه الصين عن استقرار الوضع والسيطرة على كوفيد-19، ولهذا بدأت تتطلع للخارج وإبعاد نفسها على أنها مركزا لانتشار الوباء الذي أصاب حتى الآن 169.000 وقتل 7.000 على مستوى العالم، وينتشر الآن في أمريكا والشرق الأوسط وأوروبا. بل وزار رجل الصين القوي شي جينبينغ ووهان مركز انتشار المرض في 10 آذار (مارس) وأعلن أنه تمت السيطرة على الفيروس في إقليم هوبي وعاصمته ووهان.
ويقول كامبل إنه عندما زارت المجلة مدينة ووهان في الأيام الأولى من الوباء في 22 كانون الثاني (يناير) كان الطلاب لا يزالون يثرثرون في المقاهي فيما كان المتسوقون يتجولون لشراء اللحم والسمك لاحتفال السنة القمرية الجديدة. ولكن المدينة التي تجول فيها شي كانت أثرا وشبحا بعد 7 أسابيع من الحجر الصحي والذي دمر الاقتصاد المحلي. لكن وكالة الأنباء الصينية “شينو” أعلنت عن كتاب جديد سيصدر قريبا ويشرح كيف قادت حكمة وفهم قائد الدولة العظمى بهزيمة الفيروس. وسيصدر الكتاب المعنون “”حرب الدولة العظمى” في ست لغات. وشنت الصحافة الحكومية حملة “انتصارية” ووصفت حالة التخبط الأمريكية في مواجهة الفيروس.
وحتى في الوقت الذي تواصل فيه الآلة الدعائية للحزب الشيوعي شن حملاتها عن انتصار الدولة على الفيروس إلا أن تجارب أشخاص مثل لي تكشف عن أن الحياة في داخل القوة الأسيوية العظمى لم تعد إلى طبيعتها. وبدأت المحال التجارية بإعادة فتح أبوابها رويدا لكن التدفئة ممنوعة خشية انتشار الجراثيم. ووضع سائقي السيارات العمومية ستارا بلاستيكيا بينهم والكرسي الخلفي للحجز بينهم والركاب. وعاد صديق في بيجين لعمله ليجد أن عاملات الاستقبال ارتدين بدلات للوقاية من الأمراض الخطرة. واشتكى آخر من الإصرار على رش مادة لقتل كل الجراثيم ادت لموت كل النباتات والزهور المزروعة في قوارير بالمكتب. كما أن الأشخاص الذي قاموا بإصلاح تلفزيون الكابل في بيت الصحافي ارتدوا أقنعة طبية. والجلوس على طاولة الطعام لتناول وجبة نودلز مثلا يعني ممارسة الانضباط والابتعاد عن زوجته بدرجة مناسبة.
وعندما حاول تحديد موعد مع المحامية أصرت على أن يكون الموعد في مقهى ستارك باكس، فقد منع مكتبها الزوار. بل وعنفت موظفة المحامية التي لم تبتعد عنه أربعة أقدام وهو يوقع الوثيقة.
وأكثر من هذا فقد انتقل الشك إلى الخارج، ففي الوقت الذي كان فيه كثير من الآسيويين محلا للريبة أصبح أي أجنبي هدفا، وقد جاء هذا بسبب الآلة الدعائية الحكومية التي صورت نجاحها في الحد من انتشار الفيروس كدليل على تفوق الصين على النظام الغربي.
وفي افتتاحية نشرتها الصحيفة الناطقة باسم الحزب والصادرة بالإنكليزية “غلوبال تايمز” “من الصعب على الدول الأوروبية تبني نفس الأساليب القاسية التي تبنتها الصين”. وبشكل واضح أحبر روبرت ريدفيلد، مدير مراكز السيطرة على الامراض ومنعها المشرعين الأمريكيين في 10 آذار (مارس) قائلا : “أوروبا هي الصين الجديدة”. وتصدر أصوات عالية من الأمن عندما يشاهدون وجها أجنبيا “ما هي جنسيتك؟ أين كنت في الأسبوعين الماضيين؟” ولهذا يحاول معظم الأجانب في الصين الحد من نشاطهم الاجتماعي إلى الأماكن التي يشعرون فيها بالأمان. وقال الحلاق الذي يرتاده محله الكاتب إنه لم يعد يخدم الأجانب. والريبة عالية بالنسبة للإيطاليين في الصين خاصة أن بلادهم أصبحت ثاني بؤرة للمرض بعد الصين وبعدد 25.000 مصابا.
وقالت أمبرا سكيرلو مديرة الجمعية الصقلية في الصين، إن إيطالية حجرت على نفسها في شقة سكيرلو دعت بجيرانها الغاضبين للاتصال بالشرطة مطالبين بنقلها إلى الفندق. وقال مدير الغرفة التجارية الإيطالية في الصين أندريا فين إن بعضا من زبائنه جاءوا إلى مكتبه وسأله شريكه الصيني سرا “هل هم إيطاليون؟ من أين جاءوا؟ هل بإمكاني ضمانهم؟” وأضاف فين “كان موقفا جيدا مقارنة مع الآسيويين العنصريين”. وربما كانت ريبة الصينيين مفهومة خاصة أن الإعلام الرسمي يحاول تقديم صورة عن أعداد المصابين بالفيروس في الخارج. وفي 16 آذار (مارس) قال الإعلام إن 12 حالة من 16 حالة كوفيد- 19 جاءت من الخارج. وفي اليوم التالي زادت نسبة الحالات إلى 20 من 21 حالة جديدة. ويقول كامبل إن التناقض في التعليمات المتعلقة بالحجر واختلافها من مدينة إلى أخرى تركت أثرها على التجارة. واليوم يطلب من أي شخص يسافر من شنغهاي إلى مدينة سزهو الحجر لمدة 14 يوما وفي مبان تابعة للحكومة، وهذا يعني عدم قدرتهم على الخروج منها. ومن بقوا في البيت يطلب منهم الحجر الذاتي لو عاد أحد أفراد العائلة من الخارج أو مقاطعة أخرى. ويتم فرض هذه الإجراءات بناء على لجان الأحياء التابعة للحزب الشيوعي أو حراس أمن الأفراد. وبعض هؤلاء يستخدمون سلطتهم للتحرش بدون حياء بالمارة. ويقول كير غيبس، مديرغرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي “كان الأمر مشوشا بطريقة محبطة” و “لا يعرف الناس لو كان لديهم منفذ إلى بناياتهم علاوة على مكاتبهم”.
والعودة إلى الحياة العادية أمر ضروري، فقد هبط الاقتصاد الصيني في شباط (فبراير) إلى أدنى مستوياته. وانخفضت مبيعات السيارات بنسبة 80% وتراجعت الصادرات الصينية بنسبة 17.2% في أول شهرين من العام الحالي. وفي 18 آذار (مارس) يعمل الاقتصاد الصيني على نسبة 71% من الإنتاج. ويتم فحص المصانع واحدا بعد الآخر قبل منح الضوء الأخضر لها للعمل ولكن عملها يعتمد على قدرة تعافي الخدمات، خاصة أن هذه تعتمد على سلسلة إمدادات وتصنيع آلي. ومع تأثر كل قطاع بالطلب خاصة مع انتشار الفيروس عالميا فالجميع يتوقع أوقاتا صعبة. وقدمت 100 شركة بيع عقارات كبيرة في الصين طلبات إفلاس. وحثت الدولة أصحاب العقارات الخاصة لإلغاء الأجور حتى لا تتقدم شركات أخرى للإفلاس. ولكن الدولة تراقب من يحاولون تنشيط اقتصاد ثاني الدولة، ففي كل الصين يقوم مسؤولون خارج مكاتبهم والبنايات السكنية بتسجيل أسماء الزوار ويأخذون الأرقام الهاتفية والهويات وتاريخ السفر من أجل تغذية قاعدة بيانات الشرطة. وفي بعض المدن على الناس تسجيل أرقام هواتفهم على تطبيق من أجل ركوب النقليات العامة. ونشرت شركة علي بابا العملاقة تطبقها “تطبيق رمز الصحة” في 200 مدينة صينية والذي يصنف المستخدمين بناء على لون أخضر وأصفر وأحمر وتاريخ السفر وإمكانية الإصابة بالفيروس. وأي شخص غادر المدينة قبل أسبوعين سيحصل على رمز أصفر. أما رمز أخضر فهو إجباري لمن يريد دخول مراكز التسوق أو المكاتب. وأثار التطبيق مخاوف لدى الذين طلب منهم الحجر بدون تفسير. ويشعر الناس بالتعب من الإجراءات والقوانين مثل الإلتزام بارتداء الأقنعة في خارج البيت، رغم الشك في نجاعتها. ويجب أخذ الحرارة قبل دخول أي محل تجاري، مطعم او المرور في شارع معين. وزاد أصحاب العمل من الضغط على موظفيهم الذين أمروا بالعمل من البيت على اعتقاد أن الضغط عليهم سيزيد من انتاجيتهم. وقالت الآنسة لي التي تعمل في شركة جديدة ببيجين إلى أنها كانت تعمل يوميا من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء ستة أيام في الأسبوع والتي تختصر في الصين بـ (996) والنكتة الآن هي أنها باتت تعمل كل يوم من منتصف الليل إلى منتصف الليلة التالية سبعة أيام .