لندن-“القدس العربي”: كتب الباحث جيريمي هسو في مجلة “ساينتفك أمريكان” أن جهود الصحة العامة تعتمد بشكل كبير على التنبؤ باحتمالات انتشار الأمراض حول العالم، كما الحال مع المرض الذي يسببه فيروس كورونا الذي يسمى سارس-كوف-2 أو كما سمَّته منظمة الصحة العالمية “كوفيد-19”. ويقول هسو إنه “في الأيام الأولى لانتشار فيروسٍ جديد، حين تكون البيانات الموثوق بها لا تزال شحيحةً، يلجأ الباحثون إلى النماذج الرياضية التي يمكنها توقُّع الأماكن التي سيذهب إليها الأشخاص المحتمَل إصابتهم بالمرض، واحتمالية نقلهم له إلى تلك الأماكن. وتستخدم هذه النماذج الحوسبية معادلاتٍ إحصائيةً معروفة، تحسب احتمالية انتقال المرض من المصابين إلى غيرهم”.
وباستخدام آليات الحوسبة الحديثة، يتمكن الباحثون “تضمين مدخلاتٍ متعددةٍ في هذه النماذج، مثل قدرة مرضٍ معين على الانتقال من إنسانٍ إلى آخر” وأنماط حركة المسافرين من بين الأشخاص المحتمل إصابتهم بالمرض. وتتضمن العملية وضع افتراضاتٍ حول عوامل مجهولة، كالأنماط الدقيقة لسفر الأفراد. إلا أنه عبر إدخال نسخٍ مختلفة محتملة يتمكن الباحثون من تحديثها مع توافر أي معلوماتٍ جديدة، ومقارنة نتائجهم بالأنماط الملاحَظة لانتشار المرض. ويعطي هسو مثالاً: “إذا أراد الباحثون دراسة التأثير المحتمل لإغلاق مطارٍ معين على انتشار مرضٍ ما حول العالم، تستطيع الكمبيوترات التي يستخدمونها أن تعيد سريعًا حساب احتمالية ورود الحالات عبر المطارات الأخرى، وكل ما يحتاج البشر إلى فعله هو تحديث شبكة خطوط الطيران وأنماط السفر الدولية”.
وتابع: “لكن عند استخدام بياناتٍ ناقصة، قد يؤثر أيُّ خطأٍ بسيط في أحد العوامل تأثيرًا ضخمًا على النتائج. فقد تختل نتائج النماذج عند غياب القيم الدقيقة لعاملٍ مثل عدد التكاثر الأساسي لمرض “كوفيد-19″ والذي هو متوسط عدد الحالات الجديدة التي يُعديها كل فردٍ مصاب بالمرض”. وقال ديرك بروكمان، الفيزيائي في معهد البيولوجيا النظرية في جامعة هومبولت في برلين، ومعهد روبرت كوخ في ألمانيا: “إذا كنتَ مخطئًا بشأن هذا العدد، سيصبح هناك خطأٌ ضخم في تقديراتك”. وتتراوح التقديرات الحالية لعدد التكاثر الأساسي للفيروس بين 2 و3 ليقترب بهذا من عدد التكاثر الأساسي لفيروس سارس، الذي تراوح بين 2 و4 في عام 2003 إلا أنه في الوقت ذاته يُعَد أقل بكثيرٍ من عدد التكاثر الأساسي لفيروس الحصبة، الذي يتراوح بين 12 و18.
وكلما ازدادت العوامل المجهولة في النموذج، ارتفع الشك في دقة نتائجه. لذا فضل بروكمان وبعض الباحثين الآخرين التركيز على استخدام نموذجٍ محدود بدرجةٍ أكبر، يعتمد على عاملٍ أساسي واحد فقط. وقد اختاروا استخدام بيانات الرحلات الجوية الدولية، لتوقُّع أي المطارات يُعد أكثر احتمالًا لانتشار فيروس كورونا عبره إلى جميع أنحاء العالم، ولم يتضمن نموذج المجموعة احتمالات انتقال المرض من إنسانٍ إلى آخر. ويوضح بروكمان قائلًا: “تتوقع هذه الاحتمالات التسلسل المتوقع للبلدان التي سنرصد فيها حالات إصابة بالمرض. والطريقة التي انتشر بها المرض تتفق إلى حدٍّ كبير مع توقعات نموذج الحركة خاصتنا”.
ويشير هسو إلى أنه “من الممكن أن تُوفَّر بيانات الرحلات الجوية هذه من خلال قواعد البيانات الرسمية الخاصة بالملاحة الجوية، وهو ما يجعلها موثوقًا بها إلى حدٍّ ما. لكنَّ تلك البيانات لا تتضمن تحركات الأشخاص على الأرض. وللحصول على معلوماتٍ بشأن تلك التحركات، يستخدم الباحثون مصادر مختلفة”. فعلى سبيل المثال، يقود الفيزيائي أليساندرو فيسبينياني في جامعة نورث إيسترن فريقًا يعمل على وضع نموذج لانتشار كورونا “باستخدام البيانات الرسمية للرحلات الجوية، وأنماط الانتقال المتوقعة للمجموعات السكانية المشمولة في النموذج”. ورغم أنَّ تلك النماذج التي تركز على أنماط السفر لم تأخذ في الاعتبار احتمالية انتقال المرض من إنسانٍ إلى آخر، وتجاهلت عامل عدد التكاثر الأساسي، فإنَّها على ما يبدو تمكنت في كل مرةٍ من وضع توقعاتٍ دقيقة للبلدان الأكثر احتمالًا لاستقبال حالاتٍ جديدة من المصابين. ويقول فيسبينياني: “إذا أشارت نماذج مختلفة إلى النتائج ذاتها، تزيد ثقتك في وجود مستوى ما من الواقعية في نتائجها”.
ويعمل بعض الباحثين على وضع نماذج لنتائج التغيرات في السلوك العام والإجراءات الحكومية، قبل حدوث تلك التغيرات، منهم لورين غاردنر، المهندسة المدنية والمديرة المشاركة لمركز علم الأنظمة وهندستها في جامعة جون هوبكنز، والتي تعمل على “تنقيح نموذج مصمم لمساعدة مسؤولي الحكومة الأمريكية في تحديد أي المطارات ينبغي أن يتم فحص المسافرين الوافدين، عن طريق قياس درجات حرارة أجسامهم وتوجيه الأسئلة إليهم”. ومن شأن هذه المعلومات أن تتيح للحكومات المحلية توزيع الموارد على المناطق التي من المحتمل أن تكون أشد احتياجًا إليها. وتقول غاردنر “كان هناك قدرٌ كبير من الاهتمام من جانب عديدٍ من مكاتب الصحة العامة الإقليمية باستخدام هذه النتائج، من أجل تحديد أولويات جهود الرصد والمتابعة”.
وتوضح إليزابيث هالوران، مديرة مركز استدلالات الأمراض المُعدية ودينامياتها في مركز فريد هتشينسون لبحوث السرطان في سياتل، أنَّه خلال ثمانينيات القرن العشرين “لم يكن هناك سوى عددٍ قليل للغاية من المجموعات البحثية التي تعمل على وضع مثل هذه النماذج، والآن هناك المئات منها”. وتتابع: “كنا نجري مكالمةً هاتفية نظمها معهد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة منذ بضعة أيام، وكانت هناك 80 مداخلة هاتفية من مجموعاتٍ بحثية. فهناك الكثير من المجموعات المتميزة، ونحن نعمل معًا كشبكةٍ كبيرة. فلا أحد يمتلك كل البيانات الضرورية للوصول إلى يقينٍ بنسبة 100في المئة بشأن مستقبل انتشار الفيروس”.
لكن رغم تنوُّع النماذج، فإنَّ كثيرًا منها يتفق في نهاية المطاف على نقاطٍ أساسية. فعلى سبيل المثال، بين يومي الرابع والخامس من شباط/فبراير، ارتفع عدد حالات الإصابة المؤكدة من أقل من 25 ألف حالة إلى أكثر من 28 ألف حالة في غضون يومٍ واحد فقط. لكن فيسبينياني يوضح أنَّه في ذلك الوقت اتفقت نماذج عديدة على أنَّ عدد الإصابات الفعلي أكبر بكثير من ذلك. وأضاف: “أعتقد أنَّ كل مقاربات النمذجة كانت تشير إلى وجود ما يزيد على 100 ألف حالة في أفضل الحالات”. وجديرٌ بالذكر أنَّه في وقت مثول هذا المقال للطبع في النسخة الإنكليزية، كان عدد حالات الإصابة المؤكدة يزيد على 45 ألف حالة.