في عالم ما بعد كورونا لا مكان للعولمة ولا عزاء فيه للعربي خاصة المشرد

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

عندما بدأ العالم يعرف عن فيروس كورونا المستجد في الأيام الأخيرة من عام 2019 لم يتوقع أحد أنه سيقوم بتشكيل العام الذي كان سيبدأ، ولم تمر سوى ثلاثة أشهر إلا وقد بلغت حالات الوفيات تسعة آلاف شخص والأعداد مرشحة للزيادة.

واتخذت كل الدول في العالم الإجراءات الضرورية من تقييد السفر ووقف الرحلات وإغلاق المدن والحجر الكامل ومنع التجمعات العامة. والغيت كل المناسبات الرياضية والثقافية والمسارح ودور السينما. وفي الوقت نفسه تسابقت الدول في تعزيز البحث وإجراء التجارب لتطوير لقاح لمواجهة الفيروس غير المرئي والذي تحولت بؤرته من ووهان في الصين إلى إيران ثم إيطاليا التي باتت المركز الأول له بعد تسجيلها آلاف الإصابات ومئات الوفيات اليومية.

 ترامب والفيروس الصيني

وأثار انتشار الفيروس أسئلة حول استعداد الدول لمواجهة وباء عالمي على هذه القاعدة، وفيما إن كان تساهلها أو تعاميها عن خطورته سببا في انتشاره الواسع، وهذا واضح من الموقف الأمريكي، حيث قضى الرئيس دونالد ترامب شهر كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) وهو يقلل من شأن الفيروس وأن الولايات المتحدة مستعدة وجاهزة لمواجهته ليعود ويتخذ إجراءات منع السفر من الصين ومن أوروبا التي استثنى منها بريطانيا ثم أضافها لاحقا بعدما تبين أن هذا البلد أصبح مركزا لانتشار الفيروس. وعاد يوم الخميس إلى تحميل الصين مسؤولية انتشار الوباء عالميا حيث أصر هو ومسؤولو إدارته على تجاهل اسم الفيروس العلمي وتسميته بـ “الفيروس الصيني” كما كشفت صور التقطها مصور صحيفة “واشنطن بوست” لملاحظاته وقد بدا الشطب فيها لكورونا واستبداله بالصيني كما ورد في تقرير الصحيفة (19/3/2020). وفي السياق نفسه أطلق وزير خارجيته مايك بومبيو اسم “فيروس ووهان” على كورونا لتأكيد مصدره الصيني. ومثلما خاضت الولايات المتحدة والصين حربا تجارية تخوضان اليوم حربا كلامية حول مصدر الفيروس.

الصين ترد

 ففي تقرير لمجلة “تايم” (18/3/2020) قالت فيه إن الحكومة الصينية باتت تقدم نفسها على أنها واحة أمان وأخذت آلتها الدعائية تركز على أن الحالات الجديدة التي سجلت في الصين مصدرها أجنبي وليس محليا، في وقت أعلنت فيه عن تصفير الحالات في ووهان. كما وبدأت تقول إن المصدر للفيروس هو أمريكا بعدما أكد وزير صحتها أن مركز انتشار الفيروس كان من الأسواق التي تبيع الحيوانات البرية الحية. بل وأعلنت وكالة الأنباء الصينية عن قرب صدور كتاب يصور المعجزة الصينية في مكافحة الفيروس تحت قيادة شي جينبنغ. وفرض الفيروس حضوره على الأسواق المالية التي زادت خسائرها أكثر بعد الحرب المتهورة التي شنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع روسيا حول أسعار النفط. وبات المحللون الاقتصاديون يتحدثون عن كساد اقتصادي عالمي فيما دفعت فيه الحكومات باتجاه دعم الاقتصاد وتخفيض سعر الفائدة وتمرير حزم مساعدات طارئة لمنع انهيار شركات وخسارة الناس أعمالهم.

انهيار العولمة

وطرح فيروس كورونا واقعا جديدا على العالم حيث بات المحللون يتحدثون عن نظام عالمي جديد في مرحلة ما بعد كورونا وانهيار للعولمة كما نعرفها، من ناحية التخصص في الوظائف والأعمال وتقسيم المهام بين دول العالم وما يقتضي ذلك من حرية حركة الناس والبضائع وسلاسل إمدادات وشبكات تصنيع مترابطة فيها بينها. فقد جعلت العولمة اقتصاد العالم معتمدا على بعضه البعض بحيث لم تعد ولا دولة لديها القدرة على الهيمنة، وأي ارباك أو ارتباك في شبكات الإمداد في مكان ما من العالم يعني تأثرا للسوق بشكل عام. وفي مقال نشره موقع “فورين أفيرز” (16/3/2020) أشار فيه كل من الباحثين هنري فاريل وأبراهام نيومان إلى أن الأزمة الحالية كشفت عن نقاط ضعف في السوق لم يكن يعرف أحد أنها موجودة. وأضافا أن فيروس كورونا يتشكل بطريقة ستكون امتحانا قويا للعولمة، ففي الوقت الذي تتحطم فيه سلاسل الإمدادات وتحاول فيه الدول توفير المواد الطبية والحد من السفر، تدفع الأزمة إلى إعادة النظر في الاقتصاد العالمي المترابط. فلم تسمح العولمة فقط بانتشار المرض المعدي ولكنها قوت حالة من الاعتماد المتبادل بين الشركات والدول بشكل جعلها عرضة للصدمات غير المتوقعة. وطالما تم الحديث وبإيجابية عن دور العولمة بانتعاش السوق العالمي وسماحها لأصحاب الصناعات ببناء شبكات إمداد مرنة، عبر استبدال مزود أو مكون بآخر حالة اقتضت الحاجة. وفي كتاب أدم سميث “ثروة الأمم” فقد تكونت ثروات العالم من خلال استفادة التجارة من التوزيع المعولم للأدوار في العمل. فالتخصص أنتج الفعالية التي قادت إلى النمو. ولكن العولمة أدت إلى تبعية متبادلة معقدة. ومع تحول الإنتاج إلى مستوى عالمي أصبحت الدول مترابطة نتيجة لذلك، لأنه لم يعد في استطاعة دولة بعينها السيطرة على كل البضائع والمكونات التي يحتاجها اقتصادها. ونتيجة لهذا اندرجت الاقتصاديات الوطنية في شبكات التزويد العالمية. إلا أن انتشار المرض الناجم عن فيروس كورونا كشف عن هشاشة هذا النظام المعولم. وبالمحصلة كشفت صدمات مثل كوفيد-19 عن هذه المكامن. فمزود واحد في العالم أو مناطق متخصصة بمنتج معين قد تخلق وضعا هشا أو أزمات، مما يعني كسر سلاسل التزويد. وسيتم الكشف عن هذه المكامن في الأشهر المقبلة. وستكون النتيجة تحولا في السياسة العالمية. فالدول التي تحاول حماية مواطنيها قد تقرر منع التصدير أو السيطرة على الإمدادات الحيوية حتى لو عنى هذا الإضرار بالجيران والحلفاء. ومن هنا فالتراجع عن العولمة يعني أن السخاء سيكون أداة قوية لمن يستطيع القيام بها. وفي الأزمة الحالية لم تكن أمريكا قائدة في مجال الرد الدولي وتخلت على الأقل عن جزء من دورها للصين التي سارعت بتقديم المساعدة إلى إيطاليا وغيرها من بؤر الانتشار. ويقوم هذا الوباء بإعادة تشكيل الجيوساسة والعولمة ولكن الولايات المتحدة لا تتكيف مع الوضع، فهي مريضة وتختبئ تحت البطانية.

انهيار المجتمعات

وناقش برانكو ميلانوفيتش في “فورين أفيرز” (19/3/2020) مخاطر تحول العالم بسبب كورنا إلى اقتصاد الاعتماد على النقس بدلا من العولمة. وقارن بين أثر كورونا المدمر والتفكك الذي أصاب الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرنين الرابع والسادس، التي تحولت إلى إمارات صغيرة بأسواق مكتفية بذاتها وتخدم الحاجيات اليومية ولا تقوم على الإنتاج الضخم. وحذر من أن العالم سيشهد تحولا في طبيعة الاقتصاد الذي ستتأثر به شبكات الإمدادات بسبب نقص العمالة وإغلاق الشركات أبوابها لحماية عمالها من الإصابة بكوفيد-19. وقال إن العولمة قد تنجو لو استطاعت الدول السيطرة على الفيروس في غضون عام وإلا فستحل محلها اقتصاديات وطنية بشبكات إمداد محلية تحاول حماية مواطنيها ومنعهم من الإصابة بالمرض. فكلما طال أمد الأزمة كلما ظهرت المعوقات أمام حركة الناس والبضائع والرأسمال، وسيتحول الوضع الجديد إلى حالة عادية، فالمصالح الخاصة التي ستظهر ستحاول الحفاظ عليه. كما أن المخاوف من ظهور وباء جديد قد يفتح الباب أمام دعوات للاكتفاء الذاتي على الصعيد الوطني. وحذر الكاتب من انهيار النظام المجتمعي نظرا للصدمات التي تصيب الناس من ناحية فقدان الوظيفة والراتب وعدم القدرة على دفع الفواتير. كل هذا سيكون وصفة للغضب والحنق بشكل يعيد إلى الذاكرة صور النهب في نيو أورليانز بعد إعصار كاترينا عام 2005. وفي حال لجأت الحكومات إلى الميليشيات المسلحة لقمع أعمال الشغب أو هجمات على الممتلكات مثلا، فعندها ستبدأ المجتمعات بالتفكك.

أنظمة صحية هشة

ضمن هذا السيناريو القاسي تبدو الدول الضعيفة التي تملك أنظمة صحية هشة وغير جاهزة لمواجهة وضع ينتشر فيه الفيروس على قاعدة واسعة منشغلة اليوم بمحاولة منع المرض وتأخير ظهوره وهذا هو حال الدول الافريقية التي لا تملك أنظمتها الصحية العدد الكافي من الأسرة في غرف العناية المكثفة لمعالجة أعداد من المرضى، وحتى جنوب افريقيا التي تملك أحسن الأنظمة الصحية في القارة كما ورد في تقرير لصحيفة “الغارديان” (20/3/2020) حيث استعرض المخاطر التي تواجه دول القارة التي تعاني من الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية، فهي وإن تعلمت من دروس فيروس أيبولا في الفترة ما بين 2004- 2006 إلا أنها تفتقر للأنظمة الصحية الفعالة. والأمر نفسه يصدق على دول شمال افريقيا القريبة من بؤر انتشاره في أوروبا، حيث لجأت تونس والجزائر والمغرب لسياسات حماية وإغلاق تام بعد ظهور حالات جلبها قادمون من إيطاليا أو فرنسا. وأشار تقرير في موقع “المونيتور” (18/3/2020) إلى أن النظام الصحي في شمال افريقيا يعاني من حالة ضعف حرجة. ورغم توفر الخدمات الصحية إلا أن فعالية تشخيص كوفيد-19 تختلف من المدن إلى الأرياف. ومن هنا ستحدد الخلافات بين المدينة والريف ومستويات الفقر في شمال القارة الافريقية طريقة انتشار الفيروس. ففي أوروبا ساعدت عمليات العزل الذاتي على تشويش انتشار الفيروس، إلا أن تطبيق هذا الأسلوب في دول شمال افريقيا ذات المستويات المتدنية من الدخل سيكون صعبا خاصة لمن يعتمدون على العمل اليومي. ومثل القارة الافريقية فالشرق الأوسط يواجه فيروس كورونا فوق الحروب الأهلية والمجاعات التي يعاني منها وهو ما أدى إلى إغلاق معظم دول المنطقة ومنع الصلوات حيث تغيرت عادات الصلاة وطريقة الأذان لأول مرة منذ قرون، وبات المسجد الحرام والأقصى مغلقان أمام المصلين. وقالت مجلة “إيكونوميست” (21/3/2020) إن الأذان لم يكن قابلا للتغير إلا عندما حل كورونا الذي لم يربك الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل وأشكال العبادة القديمة. وتواجه السعودية مخاطر من استمرار إغلاق الحرم المكي وإلغاء الحج بحيث ستكون ضربة روحية واقتصادية، ذلك أن موسم الحج يمثل ثاني مورد بعد النفط الذي انهارت أسعاره. وتحكمت مصر بأخبار الفيروس وهاجمت “الغارديان” و”نيويورك تايمز” رغم أن معظم الحالات الأولى التي سجلت في أمريكا ودول عربية كان مصدرها سفن سياحية في النيل. وتحركت متأخرة حيث سجلت وفيات وأعداد إصابات جديدة.

 وترى صحيفة “واشنطن بوست” (17/3/2020) أن توقف النشاطات الاقتصادية سيترك أثره الفادح على المنطقة التي يعاني فيها المواطنون من مصاعب الحياة وغياب الاستقرار السياسي والنزاعات المستمرة. وحطم عقد من الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي اقتصاديات تعاني من المشاكل قبل أن يحطم فيروس كورونا الأسواق الدولية. وفي الوقت نفسه زادت حرب أسعار النفط التي شنتها السعودية والتي جاءت نتاجا لفيروس كورونا وانهيار الطلب على النفط من الأسعار بشكل هدد اقتصاديات دول المنطقة. فيما تستمر الحروب في سوريا واليمن وليبيا التي لم تعلن عن إصابات بالفيروس لكن ملايين من سكانها يعانون من الفقر والجوع مما يعرضهم للإصابة بالمرض. وهناك ملايين منهم يعيشون في ظروف بائسة في المخيمات والتجمعات في البلدان التي انتشر فيها الفيروس بسرعة. ففي سوريا هناك مليون نازح يعيشون في خيام مقامة على الطين أو بنايات مهجورة وقد يتسبب انتشار وباء كورونا بكوارث في منطقة هي مدمرة أصلا. وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” (19/3/2020) أن السلطات الصحية تنصح الناس في أنحاء العالم بغسل الأيدي والتباعد الاجتماعي لكن في المخيمات هناك القليل من الماء هذا إن وجد، وقد يصل عدد من يعيشون في خيمة واحدة إلى 12 شخصا. ويعتقد الأطباء السوريون بأن الفيروس دخل المخيمات، حيث الوفيات والأمراض تحمل سمات التفشي. ولكن رد الفعل الدولي كان بطيئا أو منعدما. ولم توصل منظمة الصحة العالمية معدات الفحص اللازمة لفيروس كورونا للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا بالرغم من أنها أوصلت أول دفعة للحكومة السورية قبل أكثر من شهر. ولا يقتصر الخوف على سوريا بل وغزة التي يعيش فيها مليوني فلسطيني بدون خدمات صحية فاعلة وكذا في اليمن التي نزح فيه 3.6 مليون نسمة بسبب الحرب التي تسببت بأكبر كارثة إنسانية في العالم. وكذا في العراق وليبيا التي يحتشد فيها لاجئون من دول الصحراء في ظروف قاسية. ولا تنسى السجون كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” (20/3/2020) التي تنتشر فيها الأمراض مثل النار في الهشيم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية