الأكاديمي اللبناني محمد علي مقلد: أحزاب الله أو اليقينيّات الناظمة لجوانب من الفكر السياسي العربي

حاوره: زياد ماجد
حجم الخط
0

صدر في بيروت قبل أسابيع كتاب جديد للأكاديمي اللبناني محمد علي مقلد عنوانه “أحزاب الله”.

الكتاب، الصادر عن دار “غوايات”، هو الثامن لمقلّد بعد “الشعر والصراع الإيديولوجي”، “الأصوليات”، “قضايا حضارية عربية حديثة ومعاصرة”، “اليسار بين الإنقاذ والأنقاض”، “إغتيال الدولة”، “الشيعية السياسية” و”هل الربيع العربي ثورة؟”.

يناقش “أحزاب الله”، الذي قدّم له الشيخ علي حبّ الله، مجموعة قضايا مرتبطة بالمرجعيّات الفكرية للأحزاب الدينية واليسارية والقومية في العالم العربي، وبممارساتها النظرية. كما يناقش المسألة الطائفية وأسئلة الديمقراطية والتطوّر الرأسمالي للدولة، ويساجل في هذه الأبواب مع أدبيّات المفكّر الماركسي اللبناني الراحل مهدي عامل و”يقينيّاته” على ما يسمّيها مقلّد. لكنّه يساجل أيضاً في الكتاب، المُهدى إلى عامل نفسه، مع “يقينيات” من اغتاله في ثمانينات القرن الماضي، خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من اجتياحات واحتلالات إسرائيلية ونظام سوريا.

 النص التالي، حوار مع محمّد علي مقلّد حول كتابه وأطروحاته.

*تتحدّث في كتابك عن “أحزاب الله”، محيلاً الأحزاب القومية والشيوعية كما الدينية إلى “مرجعية” كلّية أو إلى إطلاقية (إلهية) تصعب معها النسبية ويضيق هامش التمايزات والتباينات، ليس داخلها فقط، بل في ما بينها أيضاً. بعيداً عن مجازية التسمية (واشتقاقها ربطاً بحزب الله)، ألم يكن من الأدق الحديث عن ادّعاء الحقيقة أو عن المنحى الشمولي إيديولوجياً للأحزاب المعنية المعتنقة جميعها حتميّة ما، من دون الإحالة إلى الله، خاصة أنّ ما ولّدته نهضة الأحزاب اليسارية في حقبة الستينات والسبعينات في القرن الماضي مثلاً من حيوية ثقافية وأدبية وشعرية وموسيقية ومسرحية في أكثر من بلد عربي، بعيدة كل البعد عن القيد الديني أو الصرامة “الإلهية”؟

 **ليست المرة الأولى التي أجمعُ فيها، في عبارة واحدة، بين الأحزاب القومية والدينية والماركسية. المرة الأولى كانت في كتاب “الأصوليات”، الذي تناولت فيه مناهج البحث لدى مفكرين إسلاميين ولدى آخرين ينتمون إلى منظومة الفكر الماركسي. كان ذلك في مرحلة الذروة من صعود الإسلام السياسي، أي في تسعينات القرن الماضي، وعلى وجه التحديد، بعد صدور العدد المزدوج الضخم، الثالث والرابع، من الكتاب الدوري “قضايا فكرية”، الذي حمل عنوان “الأصوليات الإسلامية في عصرنا الراهن” والصادر بإشراف المفكر الماركسي محمود أمين العالم.

حملتني قراءة ذلك الكتاب، الذي ضمّ بين دفتيه نصوصاً لعشرات المفكرين والكتّاب، إلى نقد الأصوليات الدينية وإلى نقد الردود عليها. لا أدّعي أنني تمكّنت، حينها، من تشخيص أعراض الأزمة في مناهج التفكير، على تنوعها، تشخيصاً دقيقاً، لكن المقارنة جعلتني أستنتج وجود عدد من القواسم المشتركة بينها، عكفت على متابعة التنقيب عنها في سلوك القوى السياسية الفاعلة على الساحة العربية وفي نصوص مفكريها وقادتها. وقد ساعدني على التوصّل، فيما بعد، إلى ما أعتقده تشخيصاً دقيقاً، عملي لفترة طويلة في التدريس الجامعي عكفت فيها على البحث عن إجابة على السؤال الإرسلاني الشهير: لماذا تقدّم الغرب وتخلّف المسلمون؟

لقد قادني البحث عن جواب متماسك على هذا السؤال إلى استعراض الإجابات منذ تجربة الوهابية وحركات الإصلاح الديني حتى تجربة حزب الله اللبناني، مروراً بسائر الحركات والأحزاب القومية واليسارية والشيوعية. وكان اهتمامي منصبّاً على مناهج التفكير لدى هذه القوى لا على صراعاتها السياسية، على البحث في نصوصها لا في قراراتها وتكتيكاتها، أي في ما أسماه مهدي عامل “الممارسة النظرية”. وقد استنتجت من المقارنة أن جميع هذه القوى تبني مواقفها على يقينيات أرضية وسماوية وتستند إلى نصوص السلف الديني أو الماركسي لتفسّر الأحداث المعاصرة، وإلى نظرية المؤامرة، فتحيل أسباب التخلّف إلى عوامل خارجية.

رحت أستكمل البحث في الممارسة النظرية، وحاولت أن أثبت في كتاب “أحزاب الله” بالأدلّة والبراهين ما لم أتمكّن من إثباته في كتاب “الأصوليات”. عنيت بذلك أن جميع أحزاب الأمة تنطلق من حتميات غير قابلة للنقاش، مشتقّة من آيات مكتوبة في لوح السماء أو في بداهات (تعبير شائع في كتابات مهدي عامل) الفكر الماركسي وتأويلاته السوفياتية، ما انعكس على منهج في العمل السياسي يُلغي أي احتمال للاعتراف بالآخر ويؤسّس للاستبداد.

لقد ذكرت في مطلع الكتاب أنه كان من الممكن استبدال العنوان، أحزاب الله، بأي عنوان آخر مشابه، كالأحزاب القومية أو الأحزاب الشيوعية، لكن العنوان الذي وقع عليه الاختيار هو أكثر دلالة على مضمون الكتاب، لأنّ أحد القواسم المشتركة بين تلك الأحزاب هو قداسة النص، ولأن القداسة في الحتميات الدينية هي أصل القداسات، ولأن النصوص البشرية حين تصبح مقدّسة في نظر معتنقيها، كما هي الحال في الماركسية، يصحّ أن يقال فيها انها تحوّلت إلى دين.

أوجه الشبه بين أحزاب الله محدودة إذن في جوانب، والفوارق بينها كثيرة، وهي لصالح الأحزاب اليسارية والماركسية على وجه التحديد، ولم أكن وحدي من أشار إلى ذلك في متن الكتاب، بل تولّى الشيخ علي حب الله، كاتب المقدمة، الإشادة بدور الفكر اليساري عامةً، لا في نهضة الستينات والسبعينات من القرن الماضي فحسب، بل أيضاً وخاصةً في النهضة التأسيسية الأولى منذ شبلي الشميّل وفرح أنطون.

*تولي في هذا الكتاب وفي معظم كتاباتك المسألة الديمقراطية أهميّة خاصة إن في سياق تطوّرها التاريخي أو في المستوى المتواضع لحضورها وخصائص هذا الحضور في الخطاب اليساري العربي (وطبعاً في مناهضة مفهوم ولاية الفقيه لها). وسبق لك في كتاب سابق أن اعتبرتَ الثورات العربية في العام 2011، بما هي ثورات بحثت تحديداً عن طرد أنظمة مستبدة وفرض عقد ديمقراطي في بلدانها، بأنها أعمق تطوّرات ثورية تعرفها المنطقة منذ ثورة محمد نبيّ الإسلام والرسالة التي حملها. كيف تفسّر غياب الديمقراطية طيلة قرن من الزمن رغم مختلف التجارب التي عرفتها المنطقة، وما علاقة “أحزاب الله” بتعثّرها سابقاً وراهناً، رغم الثورات التي فتحت أفقاً جديداً في المنطقة، اعتبر كثر أنه أفق الديمقراطية المنشودة؟

**الكلام عن الديمقراطية ليس اختراعاً جديداً، فقد سبقنا إلى الكتابة عنه رواد كثر من المفكّرين العرب. غير أن اختيارها سبيلاً وحيداً للحل شكّل تحدياً لشعارات “الإسلام هو الحل” و”الاشتراكية هي الحل” و”الوحدة القومية هي الحل”. لذلك بدت رحلة الكتابة عن الديمقراطية، في تسعينات القرن الماضي في لبنان مثلاً، كأنها مجازفة وسباحة ضد التيار؛ والتيار ليس قوة بعينها بل هو كل أحزاب السلطة والأحزاب المعارضة العاملة تحت رعاية الوصاية السورية المسيطرة آنذاك بإجازة عربية ودولية.

بدا غياب الديمقراطية قاسماً مشتركاً بين كل أنظمة الاستبداد “الجمهورية” والسلطانية العربية التي كان يتم اختيار الحاكم فيها بالتعيين أو بالوراثة أو بالانقلاب العسكري، وهو ما سهّل علينا الاستنتاج بأن الربيع العربي هو الثورة الوحيدة على أنظمة لم تدخل إلى الحضارة الرأسمالية السائدة عالمياً من بابها السياسي، أي من باب الوطن والدولة والحرّيات العامة والخاصة. من ناحية أخرى، بدت هشاشة التضامن الحزبي العربي مع الثورات ناجمة من ثقافة كرّسها إجماع الأنظمة والكثير من معارضاتها “الرسمية” على أن مصدر المخاطر على الأمة وعلى كل بلد منها هو دائماً خارجي، ومن إجماعها بالتالي على إبقاء أبواب التطوّر الديمقراطي موصدة أمام شعوبها.

لقد جرّبنا هذه الفرضية يوم قلنا للحزبيّين اللبنانيين المتضامنين مع الثورة المصرية عام 2011، وجلّهم من أحزاب الممانعة، “إن هذه الثورة قامت ضدكم” (مقالة منشورة في جريدة النهار في شباط 2011)، اعتقاداً منا بأن شعوب العالم العربي ثارت بشكل خاص ضد خطر الاستبداد الداخلي، لا ضد المخاطر الخارجية.

*تساجل في الكتاب مع الفكرة الطائفية وفلسفتها في السياسة والاجتماع اللبنانيين. لكنك تساجل أيضاً مع مهدي عامل في نقده الحاد لها، ومع مفهوم تبنّاه بعض اليسار قبل الحرب الأهلية اللبنانية ومفاده ربط الطبقة بطائفة أو تصنيف الأخيرة لتفسير بعض معالم الصراع أو خصائصه في البلد.

هل لك أن توضح كيف تنظر إلى دور الطائفية في لبنان وفي حكمه لعقود طويلة، وما هي العوائق برأيك ارتباطاً بالنظام والمجتمع وبنقد الطائفية السابق أمام الخلاص منها اليوم؟

**كنت قد أهديت كتاب “الأصوليات”، قبل عقدين من الزمن، إلى “مهدي عامل معلّماً أصولياً بامتياز ومفكراً أصيلاً بامتياز”، وها أنا أهدي كتاب أحزاب الله من جديد “إلى مهدي عامل رفيقاً وصديقاً ومعلماً. إلى الذين قتلتهم يقينياتهم”. مهدي يحتل مساحة الكتاب بحضوره المباشر في السجال والنقاش مع أفكاره، أو في وقوفه حافزاً لي على نقد ما تعلّمناه منه ومن تجربتنا النضالية الغنية في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني. وقد ذكرت في الكتاب أن اغتياله هو ما دفع بالنقد والنقد الذاتي إلى هذا المستوى من القسوة، معتقداً أنني أقوم اليوم بما كان ينبغي أن يقوم به مهدي لو بقي شاهداً على ما آلت إليه نضالاتنا و”ممارستنا النظرية”.

لقد بنى اليسار تشخيصه المغلوط لأزمات العالم العربي، بما هي أزمة البرجوازيات العربية، بحسب تعبير مهدي، على أساس الفرضية السوفياتية القائلة بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية. فتمثلت الوصفة العلاجية المشتركة لكل أمراض الأمة بالثورة على النظام، بصفته نظاماً برجوازياً، والتأسيس لبناء الاشتراكية. وقد رأى مهدي أن الطائفية هي الشكل الذي اختارته البرجوازية لنظامها اللبناني.

رأيت في ما رأيت أن المصطلحات، ومهدي معلّمنا في هذا المجال، إذ قلت بلسانه “قل لي ما مصطلحك أقل لك من أنت”، هي مفاتيح البحث. فهل نجح مصطلح الطائفية في فتح باب الأزمة وباب الحل؟ من خلال دراسة الجدوى لهذا المصطلح، تبين لي أنه قدّم تفسيراً غير دقيق لظاهرة التنوع والتعدد في المجتمع اللبناني، وهي ليست حكراً على لبنان، وأن النظام الاشتراكي لم يقدّم نموذجاً يُحتذى لمعالجتها. ومع أن مهدي اعترف بأن الطائفية ليست في النظام بل في أهل النظام، إلا أنه خصّص كتابين كاملين لإدانة “النظام الطائفي” وأصرّ، باليقينيات التي ترعرع فكرنا اليساري وفكر الأصوليات الأخرى عليها، على تصنيف الطوائف بين وطنية وانعزالية. من تلك اليقينيات أتى القرار باغتيال مهدي.

لقد شكّلت الثورات الشعبية في العقد الأخير مختبراً لدراسة جدوى الكثير من المصطلحات، فأثبتت الثورة اللبنانية من جهتها أن الطائفية ليست نظاماً بل سلاح يستخدمه أهل النظام. وقد اقترحنا بديلاً عنه مصطلح “نظام المحاصصة” وهي محاصصة بين ممثلي الطوائف لا بين الطوائف، وهو كمفهوم إجرائي أكثر مطابقة لواقع الحال وأكثر مرونة وأكثر قدرة على تفسير أعطال الديمقراطية في النظام اللبناني. ذلك أن المحاصصة هي أقصر الطرق لانتهاك الدستور والقوانين وإلغاء المؤسسات وتعميم الفساد السياسي والإداري والمالي والأخلاقي. كما أثبتت ثورات الربيع العربي أن الممر الإلزامي لحل الأزمة هو قيام الدولة الدستورية والدخول إلى رحاب الديمقراطية، وهذا طريق طويل.

*ربطاً بالسؤال السابق، كيف تشخّص التأزّم اللبناني الخطير الذي نعيشه وماذا يمكن للانتفاضة الشعبية تأسيسه من تجارب تختلف في ثقافتها عن تجارب انتفاضات سابقة من دون اعتناق “مطلقات” جديدة؟

**الثورة اللبنانية اختارت برأيي، أسوة بكل الثورات العربية، برنامجاً للإنقاذ يتركّز على إقامة أنظمة دستورية وعلى احترام التنوع والتعدد في إطار الديمقراطية. غير أنها تميّزت عن أخواتها في أنها واجهت استبداداً متجسداً لا في غياب الدستور بل في انتهاكه. ففي حين تسود في البلدان الأخرى أنظمة بلا دساتير أو بدساتير معطلة بقوة الأحكام العرفية وحالات الطوارئ، فتطالب الثورات فيها بإسقاط النظام وسن الدساتير، ترفع الثورة اللبنانية شعار “الشعب يريد تطبيق الدستور”، من أجل إقامة دولة القانون والمؤسسات والفصل بين السلطات واعتماد الكفاءة وتكافؤ الفرص. وهذه كلها مواصفات دولة الحضارة الرأسمالية، لا دولة الأحزاب الاسلامية أو الاشتراكية أو القومية التي عرفناها حتى الآن في المنطقة.

*أظنّنا قد نختلف حول تعريف “دولة الحضارة الرأسمالية” التي تحيل إليها، إذ أنها لا تحقّق مبادئ تكافؤ الفرص وإحلال القانون المساوي بين الجميع، ولو أنها بالطبع ارتبطت بالليبرالية السياسية ودساتيرها. ولعلّ مقاومة الرأسمالية والضغط الشعبي والنقابي على أنظمتها هو ما فرض عليها تنازلات وقوانين رعاية وحدّ من الفروقات، وهو ما يتمّ الانقلاب عليه اليوم في الكثير من الدول الغربية.

**ما أقصده عند الإحالة إلى دولة الحضارة الرأسمالية هو المواصفات النظرية للدولة التي أقامتها تلك الحضارة والتي يقترن فيها، من حيث المبدأ، تكافؤ الفرص بالكفاءة، ولا سيما في الإدارات العامة. وهذا برأيي مطلب أساسي في لبنان اليوم يتقدّم على الكثير من المطالب التغييرية أو الإصلاحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى الواجب البحث فيها والاتفاق أو الاختلاف عليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية