الرباط ـ «القدس العربي» : الروائي المغربي الشاب، عبد المجيد سباطة (ثلاثون سنة) أصدر «خلف جدار العشق»، باكورةً لأعماله، التي احتمى فيها بهشاشة الأدب المرهفة، من صلابة الهندسة، والإسمنت الأصم، ليتبعها، بـ«ساعة الصفر»، النص الذي يضع الإنسان أمام مرايا الحقيقة، لتنعكس ظلاله العارية من جلده، بكل طيبته وشره، مكره ونفاقه، وهو يغوص به عمق بحر الدم المراق هناك في البلقان، في مذبح متعنكب الخيوط والتفاصيل.
كانت تلك الرواية، بداية نضج مهندس عشق الأدب، فأسقط الهندسة على الرواية، ليبني للقراء صرحًا يجد فيه نفسه معتنقا لكل المبادئ الكونية والقيم الإنسانية، متعاطفا ومدافعا عن حياة الإنسان الذي أفرغ من قيمته، وصار رقما في لوائح اتشحت بسواد مداد يرقّن الموتى حزنا وحدادا على حياة مفقودة هناك.
واليوم، يطل علينا سباطة، من شرفة «الملف 42»، بـ«أسلوب وتقنيات سردية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة»، وفق ما يقوله لـ«القدس العربي».

هذه الرواية التي أخذت من عمر الكاتب أكثر من سنة ونصف السنة بين «البحث والكتابة»، تفتح أدبيا جرحًا مغربيًا لم يرتق بعد، حيث تدخل نقاش زيوت الطائرات الحربية الأمريكية، التي تم بيعها في الخمسينيات للمغاربة في مكناس ليستهلكوها، «تسير في خطين متوازيين على مدى عشرين فصلا، تجمع بينهما سنة 2002 كفضاء زمني»، حسب وصف الكاتب.
وتعتمد الرواية الثالثة لسباطة خاصية «الحكي بالتوازي»، فقد أقام الكاتب عددًا من التوازيات على مستوى الحبكة، بحيث يتجه بك النص في طريق «كريستين ماكميلان»، الروائية الأمريكية، التي جيء بها من أجل تحقيق أدبي، للبحث عن مؤلف رواية مغربية صدرت عام 1989، وتضم بين أحداثها المتخيلة شخصية والد الروائية، الجندي «ستيف ماكميلان»، الذي عمل في إحدى القواعد العسكرية الأمريكية المتمركزة في المغرب خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وهو التحقيق الذي من خلاله يعيد عبد المجيد سباطة، فتح ملف قضية زيوت مكناس.
وعلى التوازي بالحكي الروائي، تمشي بِنَا الرواية في عوالم شخصيتها «زهير بلقاسم»، المراهق المغربي المدلل، ابن المحامية، الذي اغتصب خادمة المنزل، ما جعل والدته تستغل نفوذها وقدرتها على التلاعب بالقوانين، لإغلاق القضية وإرساله لمتابعة دراسته الجامعية في روسيا، ليواجه هناك الرعب، في مسرح «دوبروفكا في موسكو» ليلة هجوم مجموعة مسلحة شيشانية وتمكنها من احتجاز ما يقارب الألف رهينة داخله.
وبهذه الرمزية، يطرح الكاتب، وفق ما يقول «سؤال القيمة عند المغاربة، وبحثهم الطبيعي عن الكرامة، كأبسط حق من حقوقهم الإنسانية».
ويؤكد الكاتب، لـ«القدس العربي» على أن عمله كتب بـ«حبكة مركبة، توظف تقنيات ما بعد حداثية في حبكتها، وتتجاوز البناء السردي الكلاسيكي، لتجمع في عوالمها بين التشويق «شبه» البوليسي، والعرض الصريح لواقع المغرب وأبنائه في بحثهم المستمر عن الإجابة الحاسمة لسؤال المصير والكرامة المهدورة، في بلد قد لا يكون مواطنوه هم أغلى ما فيه».
قضية الزيوت الشهيرة التي أعادت الرواية فتحها، تضع القارئ في لبسٍ، بين العمل الروائي العادي، والآخر الذي يستند إلى التاريخ، وغالبًا يضع ذلك اللبس الرواية في خانة التأريخ.
وعلاقة بذلك، يقول سباطة، إن الأمر لا يتعلق «بعمل تاريخي كما قد يتبادر إلى الأذهان قبل قراءة الرواية، فتوظيف قضية الزيوت المسمومة هنا جاء خدمة لسياق التحقيق، الذي تجري أطواره عام 2002، في إسقاط واضح على الوضع الحالي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا أيضا، ومقارنة يبدو جليا عدم تسجيلها لأي تقدم في رحلة بحث المغربي عن قيمته الإنسانية المستحقة».