نواكشوط – «القدس العربي»: أحد القادة الأوائل لحزب البعث العربي الإشتراكي «فرع موريتانيا» وأحد سدنة الإتجاه القومي العروبي في موريتانيا. كان من ضمن نشطاء هذا الحزب الذين واجهوا الإعتقال والتعذيب أيام محنة البعثيين التي حدثت في ثمانينيات القرن الماضي في ظل حكم الرئيس الأسبق العقيد محمد خونه ولد هيداله، انتخب في كانون الثاني/يناير 2007، وفي 2011، رئيسا لحزب الصواب (النسخة الموريتانية لحزب البعث كما يقول الكثيرون) وذلك في المؤتمرين الأول والثاني لهذا الحزب.
له مشاركاته النشطة في الساحة السياسية الموريتانية وخاصة في جبهة أحزاب المعاهدة التي تنتهج خيار محاورة نظام الرئيس ولد عبد العزيز ومهادنته والتعامل معه.
كان لـ «القدس العربي» معه الحوار التالي الذي تناول أزمة حزب الصواب الأخيرة والإنشقاقات التي شهدتها صفوفه، وحالة الأزمة السياسية التي تعيشها موريتانيا منذ أمد، وتطورات الربيع العربي، وقضايا أخرى:
○ لا يمكن إلا أن نبدأ بالأزمة التي يمر بها حزبكم، حزب الصواب: ما هي قراءتكم لهذه الهزة؟
• شكرا جزيلا على هذه الفرصة التي أتاحت لنا مؤسسة إعلامية مثل «القدس العربي» وأنا فخور أني بدأت مشواري مع الصحافة المكتوبة مع هذه الجريدة التي نشرت فيها سلسلة مقالات وأبحاث في منتصف تسعينيات القرن الماضي من خلال مكتبها في الرباط.
أما عن سؤالكم المتعلق بالمنسحبين أخيرا من الحزب فجوابي ينطلق من معطيين. المعطى الأول هو أن حزب الصواب نهض على خط سياسي ورؤية فكرية وضعهما مؤسسوه الأوائل في مؤتمره التأسيسي ايار/مايو 2004 وتعمق هذا والرؤية بفضل جهود مناضليه والملتحقين به تباعا في مؤتمرين لاحقين انعقد الأول منهما في كانون الثاني/يناير 2007 والثاني في حزيران/يونيو 2011، وقد قامت رؤية الحزب المركزية على تعزيز دور المؤسسة في الحزب على حساب نفوذ الفرد والأشخاص مهما كانت مكانتهم، إذ شخصت أدبيات حزب الصواب ظاهرة هيمنة الفرد من بين أخطر الآفات التي تعاني منها الحياة السياسية والحياة العامة في موريتانيا والوطن العربي.
وكان الشعار الذي وقع عليه الإختيار لتكريس هذا التوجه هو (الإنسان قيمة عليا والمؤسسات فوق الأفراد)، أما المعطى الثاني فهو أن حزب الصواب سعى أن يكون وريثا منذ تأسيسه لكل الحركات والقوى الوطنية التي ناضلت في السابق وقدمت التضحيات الجسام من أجل إسعاد شعبها وحمايته من التهديدات الاستراتيجية الكثيرة التي يواجهها في هذه المنطقة من الوطن العربي والقارة الأفريقية، وقد انخرطت فيه منذ البداية وجوه عديدة من القوى خصوصا منها تلك التي امتلكت في سنين طويلة الخبرة والنضج السياسي، وكان رموز وقادة المدرسة القومية بأجنحتها المختلفة ومدارسها وأجيالها المتعددة في طليعة هؤلاء.
ومن الطبيعي أن يكون لهذين المعطيين دور كبير في تواصل الحراك والتفاعل دخولا وخروجا من حزب هذه نشأته، خصوصا أن السنوات التي أعقبت تأسيسه عرفت وطنيا ( انقلابين) ومجموعة من الإستحقاقات المتتالية ترتبت عنها أحيانا كثيرة، جملة من الاصطفافات الإنتخابية الحادة التي تخبو فيها غالبا حرارة المبدئي والاستراتيجي ويتراجع تأثيره على حساب عوامل أخرى.
ومن المفيد هنا التذكير أن الحزب انسحب منه ثلثا مؤسسيه الأوائل قبل أن يمضي عامان على تأسيسه، وأنسحب منه لاحقا محدد منطلقاته النظرية وواضع ملامح مشروعه المجتمعي، الوجه الوطني البارز الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي لا منازع له في أبوة النضال القومي، جلادة وصمودا، مع مجموعة كبيرة من الشخصيات من بينها الأستاذ والسياسي المعروف محمد فال ول الشين (دفالي) في 2008 ، ومع ذلك كان أداء حزب الصواب وحضوره أكثر وضوحا وانتشارا في السنوات التي تلت انسحاب شخصيات بهذه الأوزان.
لكن مع ما بذله السواد الأعظم من أطر الحزب من مبلغ جهدهم لتجنب ترك هؤلاء للحزب الذي أشرفوا على تأسيسه مع رفاقهم، كان على الجميع في النهاية أن يحترم لكل صاحب قرار قراره.
○ لم يحقق الحزب نتائج في الانتخابات منذ تأسيسه: ما السر في ذلك؟
• صحيح لم يحقق الحزب ما كان يطمح له، في استحقاقين وهو ما شكل خيبة أمل كبيرة لقطاعات واسعة من مؤيديه والدائرين في فلكه السياسي والفكري، وسر هذا الإخفاق يعود إلى أسباب عديدة يتداخل بعضها ببعض ويتصدرها أن الحزب عبارة عن جمع من شتات الملتفين بمبادئهم وقيمهم النضالية، وضحايا الانتهاكات والتهميش التي مارستها الأنظمة العسكرية منذ استلامها السلطة، وضاعف من آثار هذا الأمر أنه في 2006 وفي 2013 لم تعتمد وسائل وأدوات العمل الإنتخابي المألوفة في البحث عن الناخبين في مجتمع ذي بنية تعبويية عتيقة عصية على التفتيت إلى حد الآن، ولم ينفتح الحزب كما فعل غيره على ناخبين كبار طرقوا أبوابه الإنتخابية مرات متكررة وهو ما ضرب به على نفسه عزلة انتخابية تأكد أن تعويضها غير متاح بسهولة في ظروف البلاد والحزب الحاليين.
وهناك سبب آخر يمكن أن يضاف في الانتخابات الأخيرة وهو وجود جهات نافذة في اللجنة المستقلة للإنتخابات لديها نية في الإساءة إلى أطراف عديدة في الساحة منها حزب الصواب الذي ألزمته عكسا لكل عرف وقانون أن يخوض حملته الانتخابية بشعار انتخابي يشاركه فيه على نحو متطابق حزب آخر، الأمر الذي أربك الحزب وقواعده وأوهن شعورهم التنافسي قبل انطلاق الحملة الانتخابية بأيام.
وقد أودعنا شكاية قانونية لدى المحكمة الإدارية وعقدنا سلسلة من المؤتمرات الصحافية والندوات للإعلان عن نيتنا مقاطعة الانتخابات ما لم يصحح الأمر.
وكان رأي أغلبية القيادة السياسية أن ننسحب من السباق الانتخابي في ظل غياب أبسط هيئة إشراف نزيهة ومحايدة، لكن المكتب السياسي تنازل مكرها عن هذا القرار رغم وجاهته في اليوم الثاني من انطلاق الحملة لاعتبارات عديدة من بينها أن دخول الانتخابات والخروج منها ليسا عملية سهلة على حزب كان قد حشد وسائله الشحيحة وسط جو وطني عام متوتر، تطبعه علاقات خشنة بين أغلب الأطراف. وتمكن الحزب من ترشيح 40 لائحة بلدية و14 لائحة نيابية ولديه شركاء في كتلة المعاهدة قرروا بدورهم المضي في العملية التي كانت تحفظاتهم عليها كثيرة ومتنامية خصوصا ما تعلق بكفاءة ونزاهة الجهة المشرفة عليها.
○ كنتم من الأحزاب المحاورة للنظام: على ماذا يستند هذا الموقف؟ وهل حقق الحزب شيئا من هذا التوجه ؟
• التحقنا بالأحزاب التي اعتمدت منهج الحوار بعد شهر واحد من مؤتمرنا الثاني في 2011، عملا بتوصياته الواضحة المحكومة بعاملين: الحرص على تطوير العمل السياسي الوطني وتعزيز الحياة الديمقراطية في بلادنا ضمن كتلة سياسية وطنية تحافظ على ثوابت البلد واستقراره الاجتماعي والسياسي والأمني، وقد رأينا أن ذلك الحوار بإمكانه إذا أن يلبي الضروري والملح من مطالب الحركة الوطنية المعارضة في أحزاب معترف بها منذ تأسيسها 1991 .
مع إدراكنا منذ البداية أن نتائج ذلك الحوار الفعلية كانت مرتبطة بمدى وجود الإرادة في تطبيق ما سيتم الاتفاق عليه.
وحين بدأت مؤشرات تعثره تلوح في الأفق حتى قبل الدخول في أول استحقاقات نبهنا مع شركائنا في المعاهدة على ذلك.
واليوم في رأينا أن ذلك التعثر على جسامته ينبغي أن يدفع من جديد بالطبقة السياسية إلى الاستمرار في تطوير وسائل العمل النضالي وصيغه الكفيلة بتجاوز الآثار السلبية المترتبة على كل تعثر وكل كبوة وفتح أفق جديد لن يكون من وجهة نظرنا متاحا إلا بالحوار لأن عوائق ومشاكل الحوار لا يمكن تجاوزها إلا بمزيد من الحوار.
أما ما حققه حزبنا من هذه العملية فهو كثير أوله أنه سعى في خدمة استقرار مجتمعه وتجنيب بلاده منزلقات سيئة كانت تطل برأسها القبيح من حولنا، وتمكنا من تحقيق شراكة سياسية مع قوى وشخصيات وطنية تقاسمه ذات التحليل، وساهمنا في إثراء وتطوير النصوص المرجعية التي تحكم مسار بلدنا الديمقراطي في مختلف نواحيه.
○ تتحدث المعارضة عن أزمة سياسية تمر بها موريتانيا منذ انقلاب 2008: ما هو موقفكم من هذه الأزمة؟ وما المخرج منها؟
• نحن مدركون أن هناك أزمة سياسية لم تبدأ من 2008 وإن شكلت هذه السنة مرحلة هامة من مراحل استفحالها، ومدركون أن تجاوزها ليس بيد طرف واحد وكل فرص الحوار بما فيها حوار 2013 الذي انهار في أيامه الأولى هي فرص ضائعة لتجاوز هذه الأزمة أو تخفيف أضرارها، ونرى أنه على النظام اليوم مسؤولية فتح فرص جديدة لأن حالة الإستقرار النسبي القائمة اليوم لن يؤمن استمرارها إلا بتنقية المناخ السياسي من جو الاحتقان والتوتر الذي يعرف الآن أعلى درجاته، وفي رأينا أن المعارضة بمختلف تشكيلاتها وصلت اليوم إلى حقيقة ثابتة وهي أن العمل السياسي لا يمكن تحديد مساراته وفق الخيارات التي يريدها هذا الطرف أو ذاك، وأكدت كل تجاربنا الوطنية والإقليمية والقومية أن حراس معابد الجمود والتصلب السياسي لا ينتظرهم الناس ولا يتوقف لهم قطار الوطن.
○ ما هي نظرتكم لمستقبل موريتانيا مع الدورة الرئاسية الثانية للرئيس؟
• مستقبل موريتانيا مرتبط بما ستقدمه نخبها الديمقراطية على اختلاف مشاربها الفكرية والإيديولوجية من جهود وتضحيات فعلية تجنبها مزالق الفتن والحروب وتعزز تجربتها السياسية وما سيحققه نظامها الحاكم من مسار تنموي يحد من آثار البؤس والبطالة ويلجم عنان غول الفساد المجلجل، وقدرة هذا النظام في أن يضع حدا لسياسة بيع الأوهام التي أعادت سطوة الإعلام الرسمي الأحادي.
○ إلى أين وصل الربيع العربي وهل هو بالنسبة لكم ربيع أم صيف؟
• ما وصل إليه ما اتفق الإعلام على تسميته (الربيع العربي) يفقأ العين وآثاره التدميرية كالنهار لا تحتاج إلى دليل، يكفي أن ننظر لما جرى في العراق منذ 2003 تاريخ (التحرير) وفي سوريا وليبيا لاحقا منذ 2011 (الثورة) واليمن والبحرين ومصر وبقية الأقطار التي كانت فيها كيانات ودساتير وأنظمة ومجتمعات وتعرضت مع (الربيع) على نحو متوحش لتفكيك أوصالها إلى صراعات غريزية بدائية متواصلة.
كنا في ظل الأنظمة الديكتاتورية نريد الحرية والديمقراطية وتحسين نظام الحكم فواجهنا مع (الربيع) إبادة على مستوى الهوية والنسيج الطبيعي لمجتمعاتنا، كنا نحلم بالوحدة والعدالة الاجتماعية وتحرير أراضينا المحتلة من طرف الصهاينة فأصبح الحفاظ على أقطار التجزئة حلما بعيد المنال، ووسع الصهاينة قاعدة نفوذهم وحسنوا تحالفاتهم مع أنظمتنا العربية والإسلامية. في رأيي أن النخب اليوم تتحدث عن قواعد صراع رغم أهميته لم يعد له شأن مع ظهور الصراع الجديد الذي هو صراع وجود وبقاء.
فلن تكون هناك اي ديمقراطية أو حكم رشيد أو تنمية إذا لم تكن هناك حياة، ولن يكون هناك تداول سلمي للسلطة إذا لم يكن هناك كيان تمارس فيه هذه السلطة، بحدوده وقوانينه ورموزه السيادية والوظيفية، وهي أمور لا مكان لها في فكر وفلسفة (الربيع) وحركاته العابرة للحدود والقارات والمدعومة فعلا وممارسة من قبل الناتو وآلته العسكرية والإعلامية الجبارة.
عبدالله مولود