الحملات المضادة وتسطير الأوراق السياسية في البيت الإيراني لخلق معارضة مسيطر عليها

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: خلقت مراكز صنع القرار العليا في إيران مجموعة معارضة للمحافظين الذين يسيطرون على جميع مراكز القرار في إيران، من داخل المحافظين أنفسهم، واستبدلت معارضة الإصلاحيين للتيار المحافظ، بمنافسة المحافظين المعتدلين والمحافظين المتشددين المسيطر عليها تماماً من قبل مراكز صنع القرار العليا. ومن زاوية أخرى، احتل التيار الإصلاحي مكان المعارضة الداخلية والخارجية التي تريد تغيير النظام الإيراني أو إصلاح سياساته بشكل جذري، وتربط التيار الإصلاحي علاقات قوية ووطيدة عائلية وسياسية بأركان النظام الإيراني.
وتم عقد أكبر وأوسع اجتماع للمحافظين المتشددين خلال السنوات الأخيرة في طهران الأسبوع الماضي. هذا الاجتماع كان نتيجة مساعي رضا تقوي، رئيس مجلس تعيين السياسات لخطباء الجمعة في إيران وعضو جمعية المعممين المكافحين المحافظة، طوال العام الماضي، لوحدة التيار المحافظ التي شهد انقسامات عدة خلال فترة حكومة أحمدي نجاد المتشددة. ومن جهة ثانية، يعتبر هذا الاجتماع هجوما سياسيا وانتخابيا مضادا على لاريجاني، رئيس مجلس النواب الإيراني، الذي يحاول السيطرة على مراكز قيادة المحافظين في إيران.
وأشار رضا تقوي الى أن هذا الاجتماع كان الرابع من نوعه خلال العام الأخير والأكبر والأوسع وحضره احمد جنتي، رئيس مجلس صيانة الدستور، ومحمد علي موحدي كرماني، خطيب جمعة طهران، ومحمد يزدي، رئيس جمعية مدرسي حوزة قم. وتعتبر هذه الشخصيات الثلاث من الجناح المتشدد والمؤثرة جداً في قرارات المحافظين بشكل عام. وبعد تدهور صحة محمد رضا مهدوي كني، رئيس مجلس خبراء القيادة، تمكنت الأجنحة المختلفة للمحافظين من أن تتحرك بشكل أكبر للسيطرة على مراكز صنع واتخاذ القرار للتيار المحافظ في إيران.
ويحاول النظام الإيراني التكتم على الوضعية الصحية لرئيس مجلس خبراء القيادة، لتفادي اتساع الخلافات الموجودة بين أطياف المحافظين وحصول انشقاقات جديدة ومنع تصاعد المنافسات السياسية والانتخابية، قبيل انتخابات مجلس النواب التي من المقرر أن تجرى العام المقبل.
وكانت لغياب المحافظين المعتدلين عن هذا الاجتماع الأهمية الأكبر، وعدم حضور علي لاريجاني، رئيس مجلس النواب، وعلي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، محمد باقر قاليباف، رئيس بلدية طهران، محسن رضايي، سكرتير مجمع تشخيص مصلحة النظام، وعلي أكبر ناطق نوري، عضو جمعية المعممين المكافحين، وغيرهم من الشخصيات المحافظة المعتدلة غير ثقل هذا الاجتماع لصالح المتشددين. والأطياف المهمة التي حضــــرت هي كالتالي:
الحلقة الأولى: عدد من مندوبي مجلس النواب برئاسة غلام علي حداد عادل، والد زوجة مجتبى خامنئي ابن المرشد الأعلى، وجمعية منتديات الثورة الإسلامية برئاسة علي رضا زاكاني، النائب المتشدد في مجلس النواب، وجمعية محبي الثورة الإسلامية برئاسة حسين فدائي، قائد سابق في الحرس الثوري، وحسين الله كرم وسعيد حداديان، من قادة جماعة أنصار حزب الله المتشددة.
الحلقة الثانية: الجمعية المقاومة للثورة الإسلامية التي يعتبر محمد تقي مصباح يزدي، عضوا كبيرا في مجلس خبراء القيادة وجمعية مدرسي حوزة قم، قائدها الروحي، وعدد من رفاق سعيد جليلي، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمفاوض النووي السابق. وعلى الرغم من أن الظروف السياسية تطلب تبني مجموعة رفاق سعيد جليلي هوية مستقلة سياسية لها، لكن المكانة الضعيفة السياسية لسعيد جليلي تفرض على هذه المجموعة أن تبقى حليفة للجمعية المقاومة للثورة الإسلامية.
الحلقة الثالثة: مجموعة رفاق محمود أحمدي نجاد، ولكن غاب أحمدي نجاد عن الاجتماع، ويظهر غيابه استمرار خلافاته العميقة مع المحافظين بشكل عام.
الحلقة الرابعة: حزب المؤتلفة الإسلامي وبعض الأعضاء المعتدلين من جمعية المعممين المكافحين.
وخلال الأشهر الأخيرة، حاول علي لاريجاني وعدد أخر من المحافظين المعتدلين لتشكيل حزب سياسي شامل من الأطياف المختلفة للمحافظين، وبعد وفاة حبيب الله عسكر اولادي، رئيس حزب المؤتلفة الإسلامي، وتدهور صحة رئيس مجلس خبراء القيادة، طرح بعض المقربين من رئيس مجلس النواب الإيراني هذه الفكرة، أن يصبح علي لاريجاني الزعيم الجديد للمحافظين. وروّج محمد رضا باهنر، نائب رئيس مجلس النواب، بشكل مستمر لهذه الفكرة خلال الفترة الماضية، ويبدو أن مجموعة لاريجاني ستبدأ العمل تحت اسم «جمعية أتباع الولي الفقيه في مجلس النواب» خلال الأشهر القليلة المقبلة. وسيدعم المحافظون المعتدلون وحكومة حسن روحاني وبعض الإصلاحيين هذه الجمعية.
ونظراً لهذه المعطيات، كان الاجتماع الأخير للمحافظين الذي عُقد تحت غطاء تعزيز وحدتهم، في واقع الأمر حملة مضادة على جمعية اتباع الولي الفقيه في مجلس النواب. وهناك ثلاثة خيارات أمام علي لاريجاني يمكن أن يتخذها: أن يقرر السكوت وعدم الدخول في الصراع السياسي بصفة رئيس مجلس النواب، وهذا القرار يصب في صالح المتشددين. أو يدخل ضمن إئتلاف المتشددين وفي هذه الحالة نظراً لكثرة الشخصيات البارزة، سيصبح علي لاريجاني لاعبا من الدرجة الثانية وحتى الثالثة، ومن المستبعد أن يقبل رئيس مجلس النواب بهذا الدور.
وأما القرار المحتمل الذي ستتخذه «جمعية أتباع الولي الفقيه في مجلس النواب» فهو إنشاء حزب شامل من المحافظين المعتدلين وأعضاء حكومة حسن روحاني، وستبدأ موجة جديدة من المنافسات والانشقاقات بين المحافظين. ومن المتوقع أن ينضم علي أكبر ولايتي ومحمد باقر قاليباف ومحسن رضايي الى هذا الحزب.
ويمكن القول إن الاجتماع الأخير للمحافظين لا يمكن اعتباره علامة ومحاولة لوحدة المحافظين، على العكس تماماً، يظهر استمرار واتساع الخلافات والمنافسات في البيت الداخلي.
في عام 1999، قام عدد من المحافظين وبدعم من محمد خاتمي ومهدي كروبي، الرئيس الإيراني ورئيس مجلس النواب آنذاك، بمحاولات عديدة خلف الستار لإحياء «الحزب الجمهوري الإسلامي» الذي أُسس بتأييد آية الله خميني عام 1979 وتم حله عام 1987 بسبب الصراعات الحادة داخل الحزب آنذاك، وباءت هذه المحاولات بالفشل بسبب معارضة آية الله خامنئي لهذه الفكرة.
ونقض المحافظون المتشددون توصياتهم الماضية للامتناع عن خلق أجواء المنافسة الانتخابية في الساحة السياسية الداخلية مبكراً، ودخلوا السباق السياسي والانتخابي قبل أكثر من عام من موعد إجراء انتخابات مجلس النواب. ومن جهة ثانية، خلقت مراكز صنع القرار العليا في إيران مجموعة معارضة للمحافظين الذين يسيطرون على جميع مراكز القرار في إيران، من داخل المحافظين أنفسهم، واستبدلت معارضة الإصلاحيين للتيار المحافظ، بمنافسة المحافظين المعتدلين والمحافظين المتشددين المسيطر عليها تماماً من قبل مراكز صنع القرار العليا.
ومن زاوية أخرى، احتل التيار الإصلاحي مكان المعارضة الداخلية والخارجية التي تريد تغيير النظام الإيراني أو اصلاح سياساته بشكل جذري، وتربط التيار الإصلاحي علاقات قوية ووطيدة عائلية وسياسية بأركان النظام الإيراني، وهكذا أصبح لدى هذا النظام معارضة خارجية مسيطر عليها.

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية