جدل الديموغرافيا السورية في الأردن يتضاعف بعد ظهور جرائم قتل وإختراقات عميقة للاجئين وصعود سيناريو «التوطين» في درعا

عمان – «القدس العربي»: وفاة شاب أردني في العشرينيات من عمره من واحدة من أهم عشائر مدينة الكرك وفي جنوبي البلاد على يد مواطنين سوريين من اللاجئين، مشهد لا يمكن تجاهله في إطار مواصلة قراءة وتشخيص مخاطر اللجوء السوري الأمنية.
الحادثة بدأت بمشاجرة مع شباب سوريين وإنتهت بالإعتداء الوحشي والجماعي على الشاب الأردني أحمد الحمايدة وفي منطقة إجتماعية مغلقة في العادة من الصعب والمكلف أن يقتل فيها مواطن أردني آخر بسبب التركيبة القبلية.
وقوع الجريمة في جنوبي البلاد يعني ببساطة شديدة أن الديموغرافيا السورية لم يعد يقتصر تواجدها على مناطق شمالي الأردني بل توسعت في الوسط حيث البلقاء والعاصمة عمان ووصلت حتى المدن الجنوبية مثل العقبة في أقصى الجنوب حيث بدأت مشكلة القتيل الأردني.
وفقا لقاسم موفق الباحث العامل مع المنظمات الدولية يتوسع السوريون اللاجئون بكثافة في أعماق المجتمع الأردني وبحرية وبدون تدخل من السلطات بحثا عن الرزق والعمل مما يعيد الأضواء لمقولة شهيرة أطلقها الكاتب الصحافي الدكتور فهد الفانك عندما إنتقد تسهيلات بلاده المبالغ فيها للاجئين السوريين معتبرا أن لجوء غالبية السوريين اقتصادي الأسباب وليس بسبب الوضع الأمني.
قبل ذلك إستمعت «القدس العربي» مباشرة لرئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور وهو يمتنع قبل عدة أسابيع عن الموافقة على وضع ضوابط وقيود على حركة السوريين خصوصا في مجال العمل مشيرا الى أن الأشقاء القادمين من سوريا ضيوف ولابد من عدم مضايقتهم. حادثة الشاب القتيل في الكرك صدمت الرأي العام عمليا وأعادت النقاش في غرف القرار مجددا حول مخاطر مجازفات إحتضان اللاجئين السوريين بأعداد كبيرة في الوقت الذي يرفض فيه نظام الرئيس بشار الأسد التفاهم حول الموضوع مع الأردن ويعتبر المسألة أردنية داخلية ضمن سياقات تصدير الأزمات للدول المجاورة التي لم تتعاون معه.
السوريون في الواقع عمال مهرة وخصوصا في مجال المهن الريفية وهم يدركون حجم حاجة الأردنيين خصوصا في قرى الشمال والجنوب للصناعات الغذائية والريفية قليلة التكلفة عندما يتعلق الأمر بمهن الفلاحة والزراعة ورعاية الأغنام وصناعة الأجبان والألبان، الأمر الذي يبرر حسب تقرير لم ينشر لوزارة العمل الأردنية، التسرب من مخيمات اللاجئين والإتجاه نحو قرى جنوب الاردن بعدما سيطر إيقاع اللاجئين تماما على الخريطة الإجتماعية في شمالي البلاد خصوصا في مدن مثل المفرق وإربد وحتى عجلون والرمثا وجرش.
اللاجئون بالمعنى الاقتصادي يقتحمون بأعداد كبيرة مناطق أساسية في التركيبة الجغرافية الأردنية، والمواطنون في العادة يرحبون بهم بسبب حسن الجوار والعلاقات القديمة وحسن المعشر وطبيعة الخدمات التي يقدمها المهني أو الفلاح السوري وبكلف لا تذكر.
في تقدير رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، الحاجة ملحة لتنظيم سوق العمل برؤية تفصيلية أكثر بحيث لا يخرج العامل الأردني من السوق بسبب تعقيدات التنافس خصوصا مع العمال المهرة من الأشقاء السوريين.
في نقاش سابق لـ «القدس العربي» مع الرفاعي أظهر تحفظا على العوائد المتوقعة سلبا على الاقتصاديات الصغيرة خصوصا في المجتمعات الأردنية الفلاحية جراء إختراقات اللاجئين، وفي مدن شمالي المملكة تنشر على صفحات التواصل يوميا تحذيرات أمنية من سيطرة السوريين تماما على بعض الأحياء وأنماط التجارة في أسواق مدينة إربد.
وفقا لتقارير وإحصاءات الأمن العام توسعت قليلا النشاطات الإجرامية والجنائية في المدن التي توجد فيها كثافة ديموغرافية سورية لكن هذا التوسع في الإطار المنطقي بسبب زيادة السكان حتى الآن في القياسات الأمنية بعيدا عن الضغوط العنيفة على الخزينة والبنية التحتية بسبب ملف اللاجئين الذي يتحدث فيه مع الغرب جميع المسؤولين الأردنيين بمن فيهم الملك عبدالله الثاني.
مدير الأمن العام الجنرال توفيق الطوالبة كان قد ألمح في أحد اللقاءات إلى أن الخطط الأمنية تنظم الآن على أساس وجود عدد سكان مضاعف في الأردن في هذه المرحلة، والإنطباع بأن الزيادة الكبيرة في عدد السكان سببها الديموغرافيا السورية التي تفوقت على المصرية وإبتلعت العراقية.
ولا تعترف السلطات بأرقام رسمية فيما يتسرب عشرات الآلاف من مخيمات اللاجئين إلى المجتمع ولا يعترف بهم المجتمع الدولي كما حصل مؤخرا حيث شطبت الأمم المتحدة نحو 12 ألفا من الأسر السورية من سجلات اللاجئين دون توثيق عودتهم إلى بلادهم.
وتتحدث مصادر مستقلة عن نحو مليون ونصف المليون سوري يتواجدون الآن في الأردن ثلثهم تقريبا مسجل بصفة رسمية كلاجئين، فيما تسمح العلاقات القانونية للمواطن السوري في العبور بدون تأشيرة كما كان يحصل في الماضي.
ومع إمتناع السلطات عن الإعتراف بالعدد الحقيقي للسوريين في الأردن لإعتبارات سياسية ودبلوماسية وأمنية يزداد الموقف تعقيدا وتتضاعف نسبة الجريمة وبدأ المواطنون في الأردن يشعرون بـ»قدرية» الوجود السوري وبالكلف الأمنية الإعتيادية بما في ذلك جرائم تهريب المخدرات والبضائع وحتى جرائم القتل والسرقات.
السلطة على هذا الأساس وبسبب عدم وجود معالجة دولية أو إقليمية لمسألة الديموغرافيا السورية في الأردن والإخفاق في مخاطبة وإقناع المجتمع الدولي بزيادة مساعداته للأردن بالخصوص ينمو الإطار الذي يتحدث عن سيناريو متجدد يهتم به الأردن «لتوطين» اللاجئين السوريين داخل بلادهم وتحديدا في المساحة التي تحتلها مدينة درعا جنوبي سوريا والتي لا تخضع لسيطرة قوات الجيش السوري النظامي.
هذا السيناريو في كل الأحوال يتطلب موافقة المجتمع الدولي وترتيبات ذات بعد أمني والأهم أنه في مرحلة من المراحل قد يتطلب تواجدا «أمنيا» أردنيا تحت لافتة دولية في عمق الأراضي السورية شمالي الأردن مع أموال كبيرة تقدم عبرها المساعدات للاجئين حيث هم في وضعهم الجديد.

بسام البدارين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية