محطات في القانون الدولي حول وضع القدس الشريف

نيويورك – «القدس العربي»: بعد توقيع اتفاقية الواي ريفر عام 1998 تحت إشراف الرئيس الأمريكي بيل كلنتون بين الوفدين المفاوضين الفلسطيني برئاسة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والإسرائيلي برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، قال ثعلب السياسة الإسرائيلي شمعون بيريز «لقد كسبنا معركة القدس».  أمام ذهول الشعب الفلسطيني وسكان الخليل خاصة قبل الوفد الفلسطيني المفاوض تم تقسيم مدينة الخليل بحيث تذهب ثلاثة أرباعها لسكانها الأصليين الذين يزيدون عن 200.000 نسمة وأما ربع المدينة الأهم فتم التنازل عنه لصالح 400 مستوطن عنصري يحتلون حارة صغيرة لا تزيد عن 1٪ من مساحة المدينة لكنها تضم ثاني أهم مقدسات فلسطين أي الحرم الإبراهيمي.  لقد كان تقسيم مدينة الخليل بهذه الطريقة العجيبة سابقة تاريخية لم يتوقعها أحد. كان الثعلب العجوز يعرف بحصافته وحنكته أن من يتنازل عن جزء من مقدساته لا يتورع عن أن يتنازل عن مقدسات أخرى.  بدأ الكيان الصهيوني بالتركيز على القدس بعد اتفاقية الواي وكان يعلم أن القدس اكثر حساسية من بقية مقدسات فلسطين. فوضع سلسلة ممارسات طويلة الأمد تهدف إلى تكرار ما حصل في الحرم الإبراهيمي ليصل إلى اليوم الذي يتم تقاسم الحرم الشريف الذي يشمل المسجد الأقصى وقبة الصخرة  مع المتطرفين المتدينين تحت حجة زيارة المواقع الدينية.  تبدأ الزيارات الاستفزازية بمجموعة صغيرة تقود إلى مصادمات مع المصلين وحراس الحرم من الفلسطينيين فتتدخل الحكومة بحجة منع الاحتكاك فيعود المتطرفون بقوة أكبر فتتكرر المصادمات إلى أن يأتي يوم تفرض الحكومة حلا قسريا يقوم على التقسيم والخنق وتعزيز الوجود اليهودي حول الحرم الشريف وصولا إلى فرض الأمر الواقع وهو ما نعتقد أننا نقف الآن على أبواب هذه المرحلة على طريقة الخليل.  لكن الفرق بين الخليل والقدس أن إسرائيل تريد المدينة كلها خالية من العرب وإن بقيت فيها بعض الجيوب ستتم محاصرتها وخنقها والتضييق عليها كي يقوم أبناء القدس بالهجرة القسرية عن مدينتهم هربا من جحيم الحصار والهدم والمصادرة والضرائب الباهظة واستفزازات المتطرفين.
نود العودة قليلا إلى الوراء لنقف عند بعض محطات القانون الدولي فما يتعلق بالقدس ليعرف القادة الفلسطينيون والعرب والمسلمون إلى أين تتجه أمور قبلة المسلمين الأولى وثالث أهم مساجد العالم الإسلامي الذي تشد إليه الرحال.  لقد بتنا نحشى أن يأتي اليوم الذي يشطب فيه المسلمون ذلك الحديث النبوي الشريف كي يعفوا أنفسهم من التعلق ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس والمسجد الأقصى «الذي باركنا حوله».

المحطة الأولى- ثورة البراق 1929

على إثر قيام الميليشيات الصهيوينة بالتظاهر أمام حائط البراق في  آب/أغسطس عام 1929 رافعين لشعارت إستفزازية تدعي ملكية الحائط إنفجرت الجماهير العربية وبدأت الاشتبكات التي أودت بحياة المئات من الطرفين.  أرسلت عصبة الأمم وفدا دوليا مكونا من ثلاثة خبراء للتحقيق في الأحداث. أدرك آنذاك الحاج أمين الحسيني أهمية التحقيق وأن المسألة أكبر من أن تترك للفلسطينيين وحدهم فقرر دعوة كبار العلماء والمختصين من العالمين العربي والإسلامي.  وقد مثل أمام لجنة التحقيق كل من:
فايز الخوري وفخري البارودي من سوريا، أحمد زكي باشا ومحمد على علوبة باشا من مصر، صلاح الدين بيهم والدكتور أسد رستم من لبنان، مزاحم الباجه جي من العراق، أحمد باشا الطراونة من الأردن، هلالي محمد بن طاهر من المغرب، محمد علي من الهند، رضا توفيق من تركيا، مهدي مشكي من إيران الشيخ عبد الغفور من أفغانستان وأبو بكر الأشعري من أندونيسيا.
أجمع هؤلاء العلماء الأجلاء أمام اللجنة أن مرجعية الحقوق في الأماكن المقدسة الإسلامية تعود حصرا إلى الهيئات الإسلامية الشرعية ولا حق لأطراف غيرها البت في الموضوع أو التصرف فيها.  وفد أبرز الحاضرون الوثائق العديدة التي تظهر أن لا أساس لمطالب اليهود في الأماكن المقدسة كما كانت في عهد الانتداب. من جهتهم أقر اليهود بأن حائط البراق وقف إسلامي ولكنهم رأوا أنه من نوع الأملاك الربانية ولا ينطبق عليه مفهوم الملكية العادية وطالبوا بالإعتراف بحق اليهود في ممارسة طقوسهم عند الحائط.  لم يتطرق وفد اليهود لا من قريب ولا من بعيد لقضية الحرم الشريف.
أقرت اللجنة بعد الاستماع لمداخلات الأطراف وحججهم أن «ملكية حائط البراق  تعود للمسلمين وحدهم وأنه وقف إسلامي لكونه جزءا لا يتجزأ من حائط الحرم الشريف الغربي»  كما أقرت اللجنة بحق اليهود في «الصلاة الفردية» دون أن يعني ذلك حقا عينيا في الحائط.  كما أقرت اللجنة بعدم جواز المظاهرات قرب الحائط أو النفخ في البوق (الشوفر). وبقي الوضع هكذا حتى قرار التقسيم.

 الكيان المنفصل في قرار
التقسيم المحطة الثانية

نص قرار الجمعية العامة 181 الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 المعروف بقرار التقسيم على إنشاء دولتين يهودية وعربية، واستثنى من ذلك القدس لعلم اللجنة المعنية التي إقترحت قرار التقسيم أهمية القدس وموقعها عند المسلمين.  نص القرار على إعتبار القدس «كيانا منفصلا» تخضع لنظام دولي تديره الأمم المتحدة عن طريق مجلس الوصاية.  وسيقوم مجلس الوصاية المكلف بإدارة المدينة نيابة عن الأمم المتحدة.  وقد كلفت الجمعية العامة مجلس الوصاية الإعداد لخطة شاملة لإدارة القدس تشمل تعيين طاقم إداري وهيئات تشريعية وقضائية ونظام يدير الأماكن المقدسة بحيث يسهل الوصول إليها دون أن يمس من «الوضع الراهن» الذي كانت تتمتع به.  لكن الحرب الإسرائيلية العربية الأولى التي إنطلقت صباح 15 أيار/مايو 1948 بعد إعلان بريطانيا إنهاء إنتدابها على فلسطين أدت إلى قيام الميليشيات اليهودية باحتلال الجزء الأكبر من القدس وخاصة الجزء الغربي منها. لم تعترف ولا دولة واحدة في العالم بهذا الاحتلال والضم ولم تفتح أي دولة سفارة لها في القدس (إلا كوستا ريكا ثم عادت ونقلتها عام 1980) بما في ذلك الحليف الأهم الولايات المتحدة، وبقي الوضع القانوني للقدس «كورباس سبراتم» أي كيانا منفصلا ولم يتم تحدي أو إلغاء هذا القرار علما أن الأمر الواقع تجاوزه كثيرا، غير أن الأمر الواقع لا يعني إضفاء الشرعية.  فما بني على باطل يظل باطلا. فادعاء إسرائيل بأن لها حق السيادة على القدس إدعاء باطل ليس لديها ما يبرره من الناحية القانونية.  لقد أقر إتفاق الهدنة بين الأردن وإسرائيل بتاريخ 3 نيسان/أبريل 1949 بالأمر الواقع كما كان عند توقيع اتفاق الهدنة دون أن يقر بأي سيادة أو شرعية على الأماكن المشمولة باتفاقية الهدنة.  كما أن إسرائيل نفسها لأسباب لئيمة ومشبوهة لم تضع إلى يومنا هذا خارطة ترسم حدود إسرائيل كي تبقى الأمور كما قال بن غوريون «حدود إسرائيل حيث يقف جيش الدفاع الإسرائيلي».

المحطة الثالثة:  قرارات تغيير معالم
المدينة وضمها ـ 1967  وما بعد

من مبادئ القانون الدولي أن احتلال الأرض بالقوة مرفوض وغير قانوني.  وهو ما جاء في ديباجة القرار الشهير 242 (1967) الذي ينص على «عدم قبول الاستيلاء على أراض بواسطة الحرب». لكن إسرائيل قامت رسميا بالإعلان عن توحيد القدس بعد حرب حزيران/يونيو 1967.  وقد أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية أن صدور قرار الضم قد حول القدس الموحدة جزءا لا يتجزأ من إسرائيل.  فكان رد فعل الأمم المتحدة أن عقدت الجمعية العامة جلسة واعتمدت القرار 2253 بتاريخ 4 تموز/يوليو الذي أكد على عدم شرعية أنشطة إسرائيل في المدينة وطالب بإلغائها ولحق به القرار 2254 بعد عشرة أيام الذي يدين فيه إسرائيل لعدم إلتزامها بالقرار السابق وطالبها مرة أخرى أن تلغي كافة الأنشطة وخاصة تلك التي تعمل على تغيير معالم المدينة. أما مجلس الأمن فقد أصدر مجموعة من القرارات تطالب إسرائيل بعد تنظيم إستعراض عسكري في المدينة في الذكرى الأولى لحرب حزيران/يونيو (القرار 250 و 252 و252 و 267).  وينص القرار 271 (1969) على حماية الحرم الشريف ووقف كافة الأنشطة التي تعمل على تغيير معالم المدينة.  أما القرار 298 (1971) فقد كان حادا أكثر في انتقاده للممارسات الإسرائيلية حيث أكد «أن كافة الإجراءات الإدارية والتشريعية التي قامت بها إسرائيل في المدينة مثل التحويلات العقارية ومصادرة الأراضي غير شرعية كما دعا القرار إلى وقف كافة الأنشطة والإجراءات التي تحاول تغيير تركيبة المدينة السكانية.
 بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد مع مصر وتبادل الإعتراف شعرت إسرائيل أنها في وضع أقوي بكثير من قبل فسارعت إلى ضم المدينة رسميا عام 1980 إلا أن مجلس الأمن إعتمد مجموعة من القرارات ترفض هذا الضم من بينها القرار 476 (1980) الذي أكد مجددا أن «جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي إتخذتها إسرائيل والرامية إلى تغيير معالم المدينة ليس لها أي سند قانوني وتشكل خرقا فاضحا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين» كما أكد القرار أن «كافة الأجراءات التي تعمل على تغيير معالم مدينة القدس الشريف ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي هي إجراءات باطلة أصلا ويجب إلغاؤها.» وتبع هذا القرار 478  (1980) الذي شجب سن القانون الأساسي الإسرائيلي الذي أعلن ضم القدس الموحدة إلى إسرائيل واعتبره إنتهاكا للقانون الدولي وطالب من جميع الدول عدم الاعتراف به وطلب من الدول التي لديها سفارات بالقدس نقلها خارج المدينة.

ملاحظات ختامية

تعاملت إسرائيل بازدراء لا مثيل له مع القانون الدولي. مجلس الأمن والجمعية العامة تعتمدان قرارات متتالية دون أن يؤثر على سياسة إسرائيل أو يغير من خططها المتعلقة بالقدس وضواحيها. كانت تعرف أن معركتها رابحة في غياب خطط فلسطينية وعربية وإسلامية واضحة تنفذ على الأرض. وكان رد الفعل الرسمي يكتفي بإصدار بيان شجب وإدانة.  لقد صدر من بيانات الشجب والإدانة الآلاف ولم يعد يكترث بها أحد. كما أن مجلس الأمن  لم يعد يبحث الموضوع إلا من نوع المراجعة الشهرية غير الملزمة. بل وإن ممثل اللجنة الرباعية جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل. أما لجنة القدس فهي في حالة موت سريري منذ عقود ولا أحد يسمع بها لا من قريب ولا من بعيد. لذلك فلا نعجب الآن أن خرج علينا يعكوف كاتس النائب في الكنيست الإسرائيلي عن «حزب الاتحاد القومي» ليطالب بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.  بل ودعا النائب موشيه فيجلين إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه وتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة. وقد شوهد وهو يتسلق فوق قبة الصخرة وصاح «الأقصى لليهود وعلى العرب الرحيل إلى السعودية مكانهم الأصلي».
في ظل هذه القيادات الرخوة والحروب الطائفية والمؤامرات الكونية والعجز العربي الشامل لم نعد نستغرب شيئا. فقد يأتي يوم تطالب فيه إسرائيل بحصر أملاك يهود خيبر وبني قريضة وبني النظير في المدينة والمطالبة بالتعويض وإلا سيعلنون الحرب على الحجاز وسكانها.

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية