رام الله – «القدس العربي»: بعد أقل من ثلاثة أسابيع على احتلال القدس، في الخامس من حزيران/يونيو عام 1967، باشرت إسرائيل في اتخاذ القرارات الإدارية، الرامية في المدى البعيد الى تهويد وأسرلة المدينة، فعملت على تعديل القوانين التي كانت سائدة قبل الحرب، وتطبيق القوانين الإسرائيلية على المدينة المحتلة، بما في ذلك حل بلدية المدينة المقدسة، وتعديل قانون السلطة والقضاء، وإخضاع سكانها لكافة النظم والقوانين الاسرائيلية النافذة، كما أصدرت ما سمته «القانون الأساسي للقدس المحتلة» لتصبح القدس عاصمة لإسرائيل، ومقراً للرئاسة والحكومة والبرلمان والمحكمة العليا. ولم تقف إسرائيل عند هذا الحد، بل وعند وصولها للمدينة المقدسة «سرقت» على الفور مفتاح «باب المغاربة» أحد أهم الأبواب المؤدية إلى المسجد الأقصى المبارك، محاولة بذلك تطبيق المثل الشعبي الذي قال «إنك ان امتلكت شيئاً فإنك بكل تأكيد صاحب حق فيه»!.
وقد بلغت تلك الإجراءات الاحتلالية ذروتها ضد القدس، حين أقدم أحد المستوطنين اليهود، على محاولة إحراق المسجد الاقصى يوم 21/8/1969 وهي محاولة أتت في إطار هجوم أوسع، وفي سياق سلسلة من الخطوات الرامية لتغيير الهوية الحضارية العربية الإسلامية للمدينة المقدسة، وهو ما برهنت عليه كل تلك السياسات والخطط والبرامج الاسرائيلية المتعاقبة على مدى سنوات طويلة لاحقة، والهادفة إلى خلق واقع جديد على الأرض، يحول دون أي حل محتمل لإعادة القدس إلى وضعها السابق، قبل الاحتلال الإسرائيلي.
الإجراءات الإسرائيلية للسيطرة على المسجد الأقصى في القدس المحتلة، سبقها قبل ذلك الكثير، سواء في «قبر يوسف في نابلس» الذي يقول الفلسطينيون أنه موقع فلسطيني خالص، ولا علاقة لليهود به، كما هو الحال فيما يتعلق بـ»قبر راحيل» وقصته أوضح من قبر يوسف بكثير، فهو مسجد بلال بن رباح على مر التاريخ، وما زال قائماً حتى اليوم، فيما تحاول المجموعات الإسرائيلية المتطرفة السيطرة على موقع جديد في مدينة أريحا، وهو موقع فلسطيني كذلك، لكنهم يدعون أنه معبد يهودي.
أهم المواقع الإسلامية التاريخية التي فرض عليها اليهود سيطرتهم، هو الحرم الإبراهيمي في الخليل، فقد جرى تقسيمه زمانياً ومكانياً فعلاً، وتسعى إسرائيل للسيطرة عليه بالكامل، كما أكد وزير الأوقاف والشؤون الدينية، في السلطة الفلسطينية، الشيخ يوسف ادعيس، الذي دعا إلى ضرورة بذل الجهود المخلصة والجادة لإنقاذ المسجد الإبراهيمي من سعي سلطات الاحتلال الحثيثة للسيطرة عليه بالكامل.
ادعيس أعلن أن الاحتلال «تعمد تقسيم المسجد وأخضع الجزء اليسير المتبقي للمسلمين لإجراءات صارمة، وتفتيش مذل ومضايقة في الدخول وإقامة الصلوات، ولم يكتفِ بذلك، بل يسعى لمنع الدخول إليه بتاتاً، بعد تحديده مواعيد الدخول والخروج، ورفع الآذان الذي يمنع للعديد من المرات، وإغلاقه أمام المصلين المسلمين، وفتحه على مصراعيه لليهود في كثير من الأحيان». وأغلقت سلطات الاحتلال الحرم بالكامل طوال فترة الأعياد اليهودية في أشهر حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر وتشرين أول/اكتوبر الحالي، وستغلقه كذلك في الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، تحت ذرائع واهية وحجج إقامة الاحتفالات بحرية وبدون تشويش.
ادعيس قال أن هذا «يندرج ضمن تدخل الاحتلال السافر في حرية العبادة التي كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية ذات الصلة، داعياً الأمتين العربية والإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي واليونسكو، إلى التحرك الفوري والعاجل لوقف محاولات إسرائيل، لأسرلة وتهويد المسجد الإبراهيمي الشريف».
وما تحدث به الشيخ ادعيس، ينسحب على المسجد الأقصى وإن كان في بداياته، لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بدأت فعلاً في تقسيم المسجد الأقصى زمانياً، من حيث منع المصلين المسلمين من دخوله من الساعة السابعة والنصف صباحاً وحتى الحادية عشرة والنصف قبل الظهر، وخلال هذا الوقت، تسمح للمستوطنين اليهود، والمتطرفين والحاخامات، بدخوله والصلاة فيه، وممارسة طقوسهم التلمودية، تحت حراسة مشددة من الشرطة والقوات الخاصة.
«القدس العربي» تحدثت إلى محافظ القدس عدنان الحسيني عن الإجراءات الإسرائيلية، فأكد أن الفلسطينيين لا يعرفون كي يمكن علاج هذا الأمر، خاصة أنه وكلما قدمت السلطة الفلسطينية اعتراضاً، أو حتى الأردن للحكومة الإسرائيلية، يأتيهم الرد أن لا تغيير على واقع المدينة المقدسة، والمقدسات فيها، وتحديداً المسجد الأقصى المبارك، لكن بعدها بعد أيام نتفاجأ باقتحامات جديدة، يكون على رأسها نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي، المتطرف موشيه فيغلين، وعندما تقول الكنيست، فأنت تتحدث عن أن واحدة من أعلى السلطات الإسرائيلية في دولة الاحتلال، تمارس الأمر علناً. الحسيني قال أن الفلسطينيين راهنوا بشكل كبير على الحركة الشعبية من داخل المسجد الأقصى، والتي تتصدى باستمرار للاقتحامات الإسرائيلية المتكررة، سواء من طلاب العلم، أو المعتكفين داخل المسجد، أو الفلسطينيين في القدس المحتلة خارجه، فإن دخل 20 مستوطناً، رافقهم 20 شرطياً وحراسة خاصة، كونهم يخافون وهذا أمر مهم أن يشعروا بالخوف.
واعتبر أن ردة الفعل الشعبية وحدها لا تكفي، لأن الناس وحدهم لا يستطيعون فعل شيء، وبالتالي نحن أمام لحظة الحقيقة، ومطلوب وقفة إسلامية وعربية فعلية تجاه ما يجري للأقصى، لأن الأقصى ليس مُلكاً لفلسطين فقط، معاتباً العرب والمسلمين في الدول المختلفة، الذين توقفوا حتى عن إدانة الممارسات الإسرائيلية، وكأن الإدانة أصبحت «عزيزة» عليهم. كما التقت «القدس العربي» أحمد قريع، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رئيس دائرة شؤون القدس، في مكتبه في بلدة أبو ديس على مشارف القدس المحتلة، قرب الجدار الفاصل، فأكد لنا أن ما يجري في القدس وتحديداً في المسجد الأقصى المبارك، إنما هو تطبيق للنظرية الإسرائيلية والصهيونية، التي تقوم على ثلاثية تتابعية هي «إحتلال، ثم أقتلاع، ثم إحلال» وهكذا وبعد احتلال القدس، والسيطرة على معظم أرجاء المدينة، يحاولون الآن دون جدوى البحث عن هيكلهم المزعوم لهدم المسجد الأقصى.
وأكد قريع أن العامل الأساسي والوحيد الذي تراهن عليه القيادة الفلسطينية، هو صمود المقدسيين أنفسهم الذين يدافعون بصدورهم العارية رجالاً ونساءً عن المسجد الأقصى المبارك، وعملية استبداله بالهيكل المزعوم، ومع ذلك لم نجد حتى الآن، موقفاً حاسماً من العرب ولا المجتمع الدولي، للحيلولة دون ذلك والضغط على إسرائيل.
وبحسب المعطيات التي أطلعنا عليها أحمد قريع، فإن البلدة القديمة للقدس، هي عبارة عن كيلو متر مربع واحد، فيها 34 ألف فلسطيني، هم من يشكلون نواة الدفاع الأساسية، مقابل أربعة آلاف مستوطن استطاعوا سرقة بعض المنازل والأحـــياء العربيــــة فيها، وتحويلها إلى يهودية، ولم يكتف اليهود بذلك، إلا أنـــهم يحاولون الزحف باتجاه ما يطلقون عليه «الحوض المقـــدس» أي نحو أحياء سلوان، ورأس العامود، والطور، والشيخ جراح.
وفي محيط القدس القديمة، وهو عبارة عن 72 كيلو مترا مربعا، استطاعت إسرائيل بناء 18 مستوطنة إسرائيلية، كل واحدة فيها عبارة عن مدينة بأكملها، حيث فصلت الأحياء والقرى العربية عن بعضها البعض، كما أن في القدس وحدها ما يقرب من مئتي ألف مستوطن، مقابل 350 ألفاً في الضفة الغربية بأكملها، وهو ما يؤكد محاولات إسرائيل الحثيثة للسيطرة على المدينة المقدسة.
وأقر قريع بالشعور الفلسطيني العام بالتقصير، لكن هذا التقصير سببه في رأيه قلة الحيلة، والإمكانيات، واختلال ميزان القوى، لأن الدعم الحقيقي للسلطة محدود، فالقدس بحاجة لدعم سخي جداً لصمود أهلها، ولدعم مؤسساتها على البقاء، خاصة بعد إغلاق العديد من المؤسسات المقدسية، مثل «بيت الشرق» و»الغرفة التجارية» والنقابات، فيما القطاع التعليمي يعاني دون دعم، والمستشفيات كذلك. ورغم الإمكانات البسيطة، إلا أن الفلسطينيين، لديهم هم كذلك ثلاثية تتابعية تقوم على الصمود، والمقاومة، ودعم الناس، لذلك فالقدس بحاجة لدعم جدي، وسخاء كبير، ويجب أن يكون هناك موقف عربي ودولي جاد لهذه المدينة، ولأولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، وكنيسة القيامة، وتبني موقف لحماية هذه المدينة بكل الطرق، لأن الأطماع الإسرائيلية مستمرة في ابتلاع القدس قطعة قطعة.
بيد أن الفلسطينيين لا يملكون أكثر من الشجب والاستنكار، كون فلسطين، ومدينة القدس تحديداً خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وللسيطرة الأمنية الإسرائيلية، لكن الأمر مرتبط بسنوات المفاوضات العشرين، وكيف لم يستطع الفلسطينيون محاربة التهويد في الحرم الإبراهيمي الشريف، لتطمع إسرائيل وتتجه الآن للمسجد الأقصى المبارك.
فادي أبو سعدى