‘زمن الضباع’ لأشرف العشماوي

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’: ‘زمن الضِّباع’ هو العمل الروائي الأول للمستشار أشرف العشماوي، صدر حديثا عن مكتبة الدَّار العربية للكتاب في 248 صفحة من القطع المتوسط. تدور أحداث الرواية في غابة افتراضية غير محدِّدة المكان أو الزمان، ابطالها جميعهم من الحيوانات. وتمتاز بأنها تغوص ببراعة فائقة في كواليس الحكم وعالم السياسة وما يحيط بهما من دسائس ومكائد، قادة الغابة كلهم حاضرون: الأسد ملك الغابة وحاكمها، والثعلب مسؤول المعلومات والتقارير بالجزيرة المركزية الذي يعمل تحت ادارته الكثير من الجراء والحمير، وكبير الضباع رئيس الحكومة والمسؤول عن إنهاء المظاهرات وأحداث العنف، وفرس النهر الكسول المنافق الذي قفز الى اعلى درجات سلم الادارة دون مقتضى وغيرهم كثيرون.تبدأ الرواية أحداثها بايقاع سريع فيتكشف لنا صراع جماعات القوى والمصالح في الغابة لتحقيق السيطرة عليها، فمن ناحية محاولات الضباع لاستئناس الأسد الذي تمكن كبير الضباع منه حتى حجب عنه بقية حيوانات الغابة المخلصين. ومن ناحية اخرى صراع لا ينتهي بين الثعلب العالم ببواطن الأمور وكبير الضباع الذي نشر أتباعه : المرقط والبني والمائل إلى السواد والمخطط وغيرهم كالطاووس والتمساح في ارجاء الغابة وجنبات العرين.، فالثعلب خبير المعلومات، يستطيع التنبؤ بما سيقع من أحداث، مما توافر له من معلومات أو أحداث صغيرة لا يقف أمامها الكثيرون، لكنها ذات دلالة في عالم المؤامرات ..الأحداث والوقائع والتغيرات بتفاصيلها ومؤامراتها ودسائسها يرويها لنا الثعلب بطل الرواية، وهو شخص مقرَّب جدًّا من الأسد، وبسبب وجوده على مقربة من صانعي القرار يكون دائماً فريسة للمؤامرات الكثيرة التي تحدث في المملكة وعرضة للمفاجآت التي تتوالى كلما تصاعدت الاحداث. فالضباع تتغوَّل وتسمح لخرتيت بالجلوس على عرش الغابة وهو يحل بذلك محل الاسد فيصبح كبير الضباع بين ليلة وضحاها معاوناً للخرتيت والرجل الثاني في المملكة، ليستمتع بتحريك الأحداث من وراء الستار حتى تحين له الفرصة لتولي مقاليد الامور بالكامل بمفرده.واللافت للنظر أن بطل الرواية الثعلب يستطيع التنبؤ بما سيقع من أحداث، حيث تتوافر له دائما المعلومات ويتابع بمكره الامور الصغيرة التي لا يقف أمامها الكثيرون ولكنه بخبرته في عالم المؤامرات يتعامل معها بدهاء احياناً وببساطة احياناً أخرى وبخوف في كثير من الاحيان خاصة حين يتراءى له أن كل الطامحين في الجلوس على كرسي العرش لهم مآرب أو أغراض شخصية، وأن الصالح العام لم يكن من بين اهتمامات اي منهم، وبالتالي يكون الانهيار الذي جرى مؤخرا هو النتيجة الحتمية التي ستأخذنا لها الاحداث بسلاسة ومتعة.يحمِّل الكاتب عمله برؤى وآراء سياسية، اختار أن يمثلها ويرسمها من خلال حيوانات في غابة مفترضة، لكن الرواية مع ذلك لم تفقد لغة السرد وتتابعها، وجماليات فن الرواية، كما لم تفقد وضوحها في أي مرحلة من مراحلها المتنوعة، ولا حادت عن دقة الرأي وحدته. فمنذ اللحظة الاولى وقضيتها الأساسية محددة لا تغير الأحداث الفرعية منها ولا تشوش الافكار الجانبية عليها، فالنهر الكبير للحدث يزداد عمقاً كلما صبت فيه الاحداث لا تخرج منه الا وتعود إليه، وقد استخدم الروائي في ذلك جماليات المكان، وقيثارة الزمان، فلعب على اوتارها بالعودة للماضي أحياناً والقفز إلى المستقبل أحياناً اخرى.و لم يقف المؤلف أمام المظاهر الخارجية الخادعة بل استفاد من خبرته في العمل القضائي في معرفة خبايا القضايا واعتمد عليها كثيراً في معالجته لروايته الأولى مما سهل عليه تفسير الدوافع النفسية للصراع على الحكم في الغابة، وظروف كل طامح إلى العرش، فإذا كان الوضيع يغالي في التعالي لمداراة أصله، فان كريم الأصل، والشريف الساعي لمصلحة الأمة يلتزم الصمت حيطة وحذرا وينأى عن الدسائس والمؤامرات ويتفرغ للعمل.أشرف العشماوي يعمل مستشارا بمحكمة استئناف القاهرة، وكان قاضيا بالمحاكم الجنائية والمدنية، ومحققًا في قضايا رأي عام شهيرة على مدى زمني طويل كوكيل للنائب العام.وهذه الرواية تثير على المستوى الفني قضية غاية في الأهمية، وهي أنها تستلهم التراث السردي العربي من خلال الحكايات على لسان الحيوان والطير، وهو تراث عريض في الأدب الهندي، منذ ‘كليلة ودمنة’ و’منطق الطير’ وهي آلية للترميز، وقول الحقيقة دون خوف أو خشية من الحكام، وشاعت عموما في أزمنة القهر، حين يلجأ المبدع إلى الرمز أو التصوّف ليكتب بحرية اكبر خاصة وان المؤلف كتبها على مدار السنوات الخمس الاخيرة وكان مقدرا لها ان تنشر في كانون الثاني/يناير الماضي وجاءت الثورة لتؤجل ظهورها بضعة اشهر اخرى لتكشف لنا جانبا خفيا وعالما سحريا من زمن الضباع عندما تسود غابة. جدير بالذكر أنه تم ترشيح الرواية للجائزة العالمية للرواية العربية ‘البوكر’ لعام 2011.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية