قراءة في رواية ‘بيت الدِّيب’ للكاتب عزَّت القمحاويد. مصطفى الورياغلي العبدلاوي’في البدء كانت الرائحة، ومن دونها ما كان للحياة أن تستمر’ يفتتح الكاتب عزت القمحاوي بهذه الفكرة فصلا من كتابه الفريد الصادر ضمن سلسلة ‘كتاب الهلال’: ‘الأيك في المباهج والأحزان'(1)، وعنوان الفصل ‘رائحة المعرفة’. والفكرة ذاتها تصلح عتبة أو تكثيفاً موحياً لقراءة روايته الأخيرة ‘بيت الدِّيب'(2)؛ فالرواية بأحداثها وشخصياتها وعوالمها، المتوالدة والمتجددة عبر أجيال من الأبناء والأحفاد، تنبثق كلها من رائحة. ‘ريحة راجل’بتعبير مباركة الفولي، الجدة التي تشكو الموت وتعاتبه لأنه نسيها وتجاوزها في حصاده الذي لا يفرق بين كبير وصغير. لكنها سرعان ما تتراجع عن عتابها وشكواها عندما تتذكر منتصر، أو رائحته على الأصح، حبيبها الذي هجر البلد إلى المجهول عندما غدر به عمه إذ أرسله خاطبا مباركة من أبيها فأعجبته وخطبها لنفسه، ولم يقنع بحرمانه من حبيبته فحرمه كذلك من ميراث أبيه.’- ريحة راجل. أجابت باختصار باتر عندما سألوها عن سر الرائحة التي أبقت رجلا كل هذه السنين في ذاكرة معطوبة. ولم تعرف كيف تفسر لهم رائحة منتصر التي حاصرتها يوماً في صيف من جهنم، شهد اشتعال الحرائق في أجران القمح، ولم تر العشّ مثله أبداً.’.(ص6)وهكذا تشعل الرائحة الذاكرة فيتولد السرد وتتشكل عوالم الرواية منذ أن أسس الأجداد الأوائل قرية العشّ في أرض كانت تغطيها المستنقعات فتولوا تجفيفها وإعدادها للزراعة. ولا تخرج الأحداث عن فضاء العش إلا لماماً، لكن تاريخ القرية، على انعزالها، مشدود إلى تاريخ مصر؛ تتأثر بأتراحه وأفراحه ويصلها نصيبها من الظلم والقهر والاستغلال والأمل واليأس. ظل أهل العشّ يعيشون منغلقين على ذواتهم، في تضامن ومساواة وسلام، لا تفرق بينهم ملكية أو سلطة أو أنساب وأحساب. مجتمع مثالي خال من الرغبة، أو من جحيم الرغبة المثلثة بتعبير رونيه جيرار(3)؛ تلك الرغبة التي تدفع إلى تطلع المرء إلى ما في يد أخيه، فتكون منشأ الصراع والتوتر، فقد كان سكان قرية العشّ ‘مخلصين لحالة المساواة الكاملة التي وضعها أجدادهم، وقد شملت كل شيء: أشكال الدور وأحجامها، مساحات الحقول، وتتابع الأجيال في العائلات.’.(ص22) كأن القرية كانت تعيش خارج التاريخ، بما أن التاريخ سِجِلّ الصراع والتدافع بين الأمم والشعوب.بقيت العشّ المسالمة والمتآخية منعزلة، بعيدة عن أعين العالم والتاريخ:’ظلت منسية، حتى جاء من أوروبا مغامر جديد، حلم بوضع مصر درة على تاجه. وسرعان ما فسر حلمه على هيئة سفن تحمل مدافع لم تخطر على بال الحكام العبيد المهرة في القتال المتلاحم بالسيوف.’.(ص22-23) فحملة نابليون التي، رجّت مدافعها أركان الشرق النائم في خدر القرون الوسطى، كانت سببا في بداية التحولات التي ستقود العش إلى أحضان التاريخ أو مخالبه. ومن ثم سيرتبط تاريخ العشّ وما أصاب الإنسان والبنيان فيها من ‘تطور’ و’تحوّل’، عبر أجيال الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، بتاريخ مصر الحديث، وسيكون لجميع أحداث التاريخ المصري الحديث الجسام صدى وأثر في حياة الناس اليومية بالقرية؛ من نابليون ومحمد علي وعمر مكرم إلى عبد الناصر والسادات. يجنَّد الشباب ليخوضوا حروباً لا يعود بعضهم منها، بينما يحمل البعض الآخر آثارها المشوهة في جسده أو روحه، يتوالى جباة الضرائب يستنزفون السكان لتمويل الحروب والأزمات، وتعصف الفيضانات والأوبئة بالمتاع والأرواح. منذ أن لحق التاريخ بالعشّ أو لحقت به بدأت أوضاعها في التدهور: تتفكك العلاقات، وتنمو الأنانية، وتهيمن المصالح والمظاهر المادية على الناس كاسحة ما كان يربط بينهم من وشائج روحية وإنسانية. تصير قيمة الإنسان في التطاول في البنيان والتفاخر بالسيارات، نتيجة بيع العرق والعمر في دول الخليج وأوروبا. فتنتهي العشّ مهجورة من ذويها، لا يكاد يتعرف عليها العائدون من المهاجر داخل مصر أو خارجها، فقد تشوّه شكلها وتكاد تفقد روحها:’كانت أموال المسافرين إلى السعودية وإمارات الخليج تهبّ في الإجازات الصيفية لتعصف بالدور الطينية، التي تسوّى بالأرض ويبدأ الحفر لبناء أخرى مكانها بالطوب الأحمر والخرسانة. وعندما وقف الخليج على حافة الإفلاس بعد تمويل حرب العراق ضد إيران، ثم حرب أمريكا ضد العراق، انقطع الطريق إلى الشرق، لكن طريق الشمال انفتح للسفر إلى أوروبا الأكثر سخاء. واشتعلت المنافسة. كل مسافر جديد لابد أن يتجاوز من سبقوه في الارتفاعات’.(ص291)بيد أن كل ما طال قرية العشّ من تشويه ومسخ لم يقو على طمس الروح وخنقها على الرغم من كل ما تحمّلته من إهمال ونبذ وتقتيل. ما زال السراي، قلب العشّ النابض، قائماً يقاوم النسيان والموت؛ وفي قلب السراي تقف مباركة شامخة على الرغم من عمرها المديد، لم تنل الأيام من جذوة روحها لأنها لم تنخرط يوماً في جحيم الرغبات، وظلت وفية لرغبة وحيدة أصيلة اختُطِفت، ولم يتبق منها سوى رائحة؛ رائحة بدائية، متوحشة، متجذرة في الحياة. إن الصراع داخل السراي صراع روائح؛ فعندما عادت عطية، بعد غياب دام عمرا كاملا، ‘لم تشم في السراي رائحة الموت التي تعتقد أنها ليست سوى رائحة القيء والغائط التي زحفت فيها أثناء الكوليرا. ولم تشم خلطة روائح الجبن الرومي والحلاوة الطحينية والزيت والسمن التي كانت تهبّ من غرفة الخزين، ولا تهزمها إلا روائح الطبخ والمهلبية بالفانيليا التي كانت السراي تعبق بها، قبل أن يضعوها فوق العربة الكارو مع قرص الخبز وجرّة الماء غذاء لعمال المصنع. لم تكن هناك سوى رائحة عظام قديمة لثلاث من النساء، تشبه رائحة كوافيل الرضّع. حتى رائحة القذارة التي أشاعتها هانم في غياب عطية لم تعد موجودة، بعد أن غادر عليّ وعادل وراء أولادهم الذين سافروا إلى إيطاليا’.(ص304)ومثلما كانت رائحة منتصر (وللاسم دلالته الواضحة) مولِّداً للسرد في بداية الرواية، فإن الرائحة ذاتها تعود في الأخير لتعيد الحياة إلى السراي وسكانها:’كانت الحاجة مباركة تجلس على المصطبة أمام السراي، تحت شمس مارس الخجول، عندما هبّت نسمة محملة بالرائحة التي تعشش في ذاكرتها منذ سنين لا تعرف عددها. أخذت ترهف أنفها. ولم تدع لها الموجات المتكاثفة في كل مرة مجالاً للشك، حتى رأت القادم يقترب بحقيبة صغيرة معلقة في كتفه. شعرت بالدم يتدفق في عروقها الميتة. ازدادت يداها ارتعاشاً، وأخذتا في التضارب أمام صدرها، وأرسلت شهقة واهنة: – منتصر!’.(ص311)عاد منتصر الحفيد لتعود الحياة إلى السراي وسكانه؛ مباركة التي أقعدتها السنون قامت على رجليها من جديد لتصدر الأوامر وتشرف على العمال وهم يصلحون السراي ويرممونها ويعيدون تشجير الحديقة بعد تنظيفها. وتسدل الرواية ستارها على مشهد الحاجة مباركة وقد جلست في الفراندا ‘تتأمل السراي التي نفضت، بسهولة، عشرات السنين عن كاهلها وعادت شابّة، غير أن أحد لا يستطيع أن يعيد إليها أصوات من رحلوا عنها.’.(ص318) لقد توفّق الكاتب المبدع عزت القمحاوي في هذه الرواية في خلق عالم روائي زاخر بالحياة، ملتهب الحواس والرغبات، يغوص إلى عمق تاريخ مصر والعالم العربي المعاصر، ويضع أصبعه على أصول الاختلال والانهيار، دون أن يهيمن السواد واليأس، مشرعاً باب الأمل والعمل المفتوح دوماً على المستقبل. كما تمكن، بطريقة إبداعية جمالية متميزة، من أن يجعل تلك العوالم الروائية الغنية تنبعث من تداعيات رائحة، مثلما انبعثت عوالم ‘بروست’ في ‘البحث عن الزمن المفقود’ من طعم كحك مغموس في الشاي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــإحالات1- دار الهلال، القاهرة، العدد 619، يوليو 2002، ص36.2- دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى عام 2010.3- Girard Ren’. Mensonge romantique et v’rit’ romanesque. Ed. Bernard Graet . Paris . 1995