لندن – “القدس العربي”: عادت الذكريات تعصف في اليابان بعدما أعلنت اللجنة الأولمبية الدولية يوم الثلاثاء الماضي إرجاء أولمبياد طوكيو 2020، ليعيدها الى 1940 و”الأولمبياد المفقود”.
دفع الهجوم العسكري الذي شنته اليابان في آسيا ذاك العام، الى نقل دورة الألعاب الصيفية التي كان من المقرر ان تستضيفها طوكيو، الى العاصمة الفنلندية هلسنكي، قبل ان تلغى بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبحسب المؤلف ديفيد غولدبلات الذي عرض تاريخ الألعاب في كتابه “ذا غايمز”، رغبت طوكيو باستضافة أولمبياد 1940 لتظهر للعالم تعافيها من الزلزال الذي ضربها عام 1923 وأودى بحياة أكثر من 100 ألف شخص. وفي مسعى مشابه، وضعت اليابان أولمبياد طوكيو 2020 كحدث رياضي كبير تستضيفه ويظهر تعافيها من الكوارث التي حلت بها عام 2011 جراء الزلزال المدمر والتسونامي والكارثة النووية في فوكوشيما.
في القرن الماضي، تقدمت اليابان بطلب استضافة نسخة 1940 بقيادة جيغورو كانو المؤسس لرياضة الجودو الحديثة وأول عضو ياباني في اللجنة الأولمبية الدولية، والذي أبرز حينها أهمية ان تستضيف القارة الآسيوية الحدث الرياضي الأهم عالميا للمرة الأولى في تاريخها. وقال كانو في خطابه للجنة الدولية: “لدي تصميم كبير. على الأولمبياد أن يأتي الى اليابان. إن لم يحصل ذلك، فالسبب لا بد ان يكون غير عادل”. وكان من دوافع الرغبة اليابانية لاستضافة أولمبياد 1940 أيضا، تزامن دورة الألعاب مع مرور 2600 عام على تعيين الإمبراطور الأول جيمو.
تقدمت طوكيو بطلب الاستضافة عام 1932 ووجدت نفسها في منافسة مع هلسنكي وروما. وخاضت الإمبراطورية حملة ضغط واسعة شملت التوسل للزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني للتنازل لصالحها. وكتب غولدبلات في كتابه ان الطرفين دخلا في ما يشبه صفقة تبادل، اذ “أعلن موسوليني بصراحة غير معهودة: سنتنازل عن طلبنا باستضافة نسخة عام 1940 لصالح اليابان إذا دعمت اليابان جهود إيطاليا للفوز باستضافة أولمبياد 1944 في روما”. وبعد انسحاب روما وبقاء المنافسة بين طوكيو وهلسنكي، منحت اللجنة الأولمبية الدولية الاستضافة للعاصمة الآسيوية بـ37 صوتا مقابل 26.
قبل أن تتقدم بترشيحها للاستضافة، غزت اليابان عام 1931 مقاطعة منشوريا، وانسحبت بعد عامين من عصبة الأمم (التي أصبحت لاحقا الأمم المتحدة) بسبب رفض الأخيرة المصادقة على احتلالها للمقاطعة الصينية. كان طلب الاستضافة محاولة أيضا لدعم الدبلوماسية الدولية، وفقا لأساتو ايكيدا، الأستاذة المساعدة في جامعة فوردهام في نيويورك، والتي سبق لها الكتابة عن أولمبياد 1940. وأوردت ايكيدا في صحيفة “آسيا باسيفيك جورنال” إن طلب اليابان كان “جزءا من دبلوماسيتها الثقافية في مسعى منها لتحسين علاقاتها مع الدول الغربية الديمقراطية، لا سيما بريطانيا والولايات المتحدة”. وبدأت اليابان استعداداتها للألعاب، وحددت 21 حزيران/يونيو 1940 تاريخا لحفل الافتتاح، وسط علامات استفهام حول اذا كان الامبراطور سيعلن بنفسه انطلاق الأولمبياد، نظرا الى الهالة المحيطة به والمكانة شبه الالهية التي يحظى بها من اليابانيين، ما يعني بالتالي ان المواطنين العاديين لا يمكنهم سماعه يتحدث او يشاهدونه بأم العين.
ومع تزايد الضغط الدبلوماسي الخارجي على اليابان، ارتفعت داخل البلاد أصوات تطالب بتحويل تكاليف إقامة الأولمبياد الى الانفاق العسكري. وأبدى دبلوماسيون يابانيون يومها قلقهم إزاء احتمال مقاطعة دول عظمى كالولايات المتحدة وبريطانيا الألعاب احتجاجا على النشاطات العسكرية لبلادهم. رغم ذلك، وفي سيناريو مشابه لما حصل بأولمبياد 2020، بقي المسؤولون اليابانيون يؤكدون ان الألعاب قائمة في موعدها. وأكدت بلدية العاصمة اليابانية في برقية الى اللجنة الأولمبية أن “مواطني طوكيو يبذلون قصارى جهودهم لإنجاح ألعاب 1940″. لكن اللجنة الأولمبية اليابانية رضخت للأمر الواقع في نهاية المطاف وانسحبت في تموز/يوليو 1938، معتبرة أن ما وصفته بـ”المشكلة مع الصين” جعل استضافة الالعاب مستحيلة. وجاء في نشرة “أولمبيك نيوز” التي كانت تنشر حينها في طوكيو “كانت خيبة أمل اللجنة المنظمة والشعب الياباني كبيرة بسبب اضطرارهما للتخلي عن الألعاب، ولكن في ظل الظروف الراهنة، لم يكن هناك خيار آخر”. وقالت ايكيدا: “مع تدهور العلاقات الدولية وارتفاع الأنشطة العسكرية في القارة الآسيوية، لم يكن الإلغاء مفاجئا ربما”. ألغيت حينها أيضا الألعاب الأولمبية الشتوية التي كانت مقررة في سابورو شمال طوكيو، وتسببت الحرب العالمية الثانية بإلغاء أولمبياد 1940 بعد نقل استضافته الى هلنسكي. وبعد الحرب الثانية التي وضعت أوزارها في العام 1945، أضيئت الشعلة الأولمبية للمرة الأولى في لندن 1948، بعد أربعة أعوام من الموعد المحدد أصلا لاستضافة العاصمة الانكليزية للحدث. واستبعدت اليابان كقوة مهزومة في الحرب، واستضافت هلسنكي الأولمبياد الصيفي التالي في 1952، قبل ان تصبح اليابان، وطوكيو تحديدا، أول بلد آسيوي يستضيف الحدث الأبرز، وذلك في صيف 1964.