صلاح العربي
في الفترة الماضية شهدت مصر العديد من الموائد المستديرة للحوار بين الاحزاب والائتلافات الشبابية من جهة وبعض القادة من المجلس العسكري والحكومة من جهة اخرى، لكنها للأسف الشديد لم تسفر عن شيء ذي أهمية.
ربما لم تكن النية خالصة في كل هذه الحوارت، ولم يكن المسؤولون يريدون التوصل الى صيغة يقبلها الشعب، ولكن كان الهدف منها هو التسويف والهاء الناس وتمضية الفترة الانتقالية دون المجازفة باتخاذ قرارات واجراءات حازمة وضررية، وترك كل هذه المهام للرئيس والحكومة المقبلة وهي حكومة بالضرورة ستكون منتخبة ومقبولة من الشعب.
ورغم أن المطالب التي يرفعها المتظاهرون واضحة وضوح الشمس فان أولي الأمر في مصر المحروسة لم يستجيبوا لها حتى الان، ولا نريد منهم أن يصلوا الى الدرجة التيتحدث عنها القران الكريم في سورة النمل الاية 14 والتي تقول ‘وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين’ . هناك اسباب حتما وراء هذا التسويف للمطالب الجماهيرية، منها أن المجلس العسكري وجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات لم تكن له في الحسبان، وهو الذي تعود قادته طوال السنوات الماضية أن لا يتدخلوا في الامور السياسية باي شكل من الاشكال، وكان الهم الاكبر لهم هو الحفاظ على الامن القومي للبلاد، ولكنهم فجأة وجدوا انفسهم في خضم الاحداث، بل هم المسؤولون عن اختيار الوزراء والمسؤولين والتعامل مع الاحزاب والائتلافات المختلفة وهم من كانوا لا يعرفون حتى اسماء رؤساء هذه الاحزاب، فوقعوا في ‘حيص بيص’ كما يقول المثل الشعبي.
السبب الثاني انهم لا يريدون ان يظهروا في الصورة او يحتلوا المشهد كاملا حتى لا يبدو الامر وكأن لهم أطماعا في السلطة والحكم وهم لا يزالون يكررون كل يوم يكررون انه ليست لهم اية اطماع في الحكم واهم يسعودون الى ثكناتهم العسكرية فور انتهاء الفترة الانتقالية.
اما السبب الثالث بالنسبة للمجلس العسكري فهو انهم لا يعرفون الحجم الحقيقي للقوى التي يتحاورن معها، فبعض من يتحاورون معهم من الائتلافات الشبابية لا يزيد عدد المشاركين في الائتلاف الواحد عن عشرة او عشرين شخصا ويتساوون في الفرصة مع قوة بحجم الاخوان المسلمين والتي يتجاوز عدد اعضائها مئات الالاف، او مع حزب عريق مثل حزب الوفد.
ربما يكون للحكومة ايضا اسبابها في فشل هذه الحوارات والعودة الى مليونات في ميدان التحرير والميادين المختلفة في المحافظات، ومنها ان الحكومة تركت الهم الداخلي وما يستوجب عليها من اعادة الامن والامان والتسريع في محاكمات قادة ورموز الفساد في النظام السابق وتوجهت لتحسين علاقات مصر مع دول الخليج واثيوبيا ودول افريقا وايران وغيرها، بل انها اصبحت تتعامل كحكومة دائمة وليست حكومة تسيير اعمال فاعلنت عن مشاريع يستغرق تنفيذها 25 عاما في احيان وخمس سنوات في احيان اخرى، وتجاهلت اعادة الامن وتسيير مصالح الناس رغم انها في الاساس حكومة تسيير اعمال لن تظل في الحكم سوى لشهور معدودة، وكان يجب عليها التركيز في هدفين رئيسيين هما اجراء محاكمات عادلة وسريعة للمفسدين وناهبي اموال الشعب، واعادة الامن والاستقرار الى البلد.
وربما هناك اسباب اخرى تعود الى الطرف الاخر في الحوار وهو طرف الاحزاب والقوى الوطنية والائتلافات الشبابية، وهو التطرف والمزايدة في المطالب من كل ائتلاف او حزب حتى يسجل موقفا على حساب زملائه وتتم استضافته في الفضائيات الصحف المختلفة للحديث حول موقفه المتشدد، وهذا التطرف في المطالب من السمات التي تغلق العقل عن الحوار الناجح، وعلماء الاجتماع يقولون ان المتطرف في فكره لن يقبل منك الا ما ناسب عقله، لان الهدف من الحوار لديه لا يكمن في الوصول الى الحق، بل في اقناع الطرف الاخر بوجهة نظره القاصرة في جل الاوقات عن استماع النصح.
ولذلك يجب على المجلس العسكري والحكومة الاستماع الى صوت الشعب وتحقيق مطالبه المشروعة، وبالقدر ذاته عليهم ان يكونوا حكومة تسيير اعمال تعيد الامن والاستقرار الى البلد وتحاكم المفسدين، ثم عليها بعد ذلك ان تسلم السلطة لقيادات منتخبة وفق الجدول الزمني الذي تم استفتاء الشعب عليه.
اما اذا استمر المجلس العسكري والحكومة المؤقتة في النهج الذي دأبوا عليه وهو التحرك ببطء شديد وتنفيذ المطالب بطريقة ‘القطرة قطرة’ فاظن ان المظاهرات والاعتصامات سوف تستمر الامر الذي ينذر بكارثة اقتصادية تؤدي الى افلاس مصر بسبب تعطيل الاعمال والمرور وانعدام السياحة وغيرها من مصادر الدخل القومي، وارجو ان لا نصل الى هذه المرحلة. ‘ كاتب وصحافي مصري مقيم في الإمارات