أجري الحوار مع وزير النقل اليمني في الحكومة الشرعية صالح الجبواني، قبل صدور قرار رئيس الوزراء معين عبد الملك بوقفه عن مهامه الوزارية نظراً إلى “الاخلال الجسيم في أداء مهامكم وعدم التزامكم بضوابط وظيفتكم الرسمية”. تعذر الاتصال به للوقوف على رأيه في ما نُسب إليه من “إخلال وعدم انضباط” لكن التسريبات تربط القرار بالهجوم السياسي العالي السقوف للرجل على تحالف “دعم الشرعية” ولاسيما على الإمارات التي يتحدث من دون دبلوماسية عن دورها “السلبي” في اليمن من خلال دعمها لـ”المجلس الانتقالي” جنوباً والتواطؤ مع الحوثي شمالاً، وفق قوله.
هو يعتبر أن السعودية انشغلت بالحدّ الجنوبي وتركت المحافظات المحررة، فذهبت الحرب باتجاه آخر، لكنها لا تزال قادرة على الإمساك بزمام الأمور، إنما المطلوب منها وضع استراتيجية واضحة. ويرى أن “اتفاق الرياض” جاء في مُجمله لمصلحة ما يُسمى بـ”الانتقالي” وهدف إلى توريط المملكة التي حلّت قواتها في عدن بدل القوات الإماراتية. فباتت بين خيارين أحلاهما مر: إما الصدام مع “الانتقالي” أو مهادنته على حساب “الاتفاق” والعلاقة مع الشرعية.
لا يملك الجبواني تبريراً لكيفية سقوط نهم والغيل وبعدها الحزم عاصمة محافظة الجوف بيد الحوثيين، لكنه يقول إن هناك مناطق لم يحصل فيها قتال حقيقي، وكان شرساً في مناطق أخرى، ولم تكن “القيادة والسيطرة” على المستوى المطلوب، مشيراً إلى وجود مندسّين داخل صفوف الجيش الوطني، وإلى الحاجة للجنة تحقيق لكشف ملابسات كثيرة.
أما السبيل “لإجبار الحوثي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات” فيكون، وفق الجبواني، بإعلان فشل “اتفاق ستوكهولم” واستئناف العمليات العسكرية حتى تحرير الحديدة. فهذا الاتفاق والمماطلة في الضغط على الحوثيين منحهم الفرصة لإعادة التقاط أنفاسهم وبناء قواتهم وشن هجمات جديدة.
ينظر الجبواني، ابن شبوه، إلى الأحكام التي أطلقتها المحاكم في صنعاء الخاضعة للحوثي على قيادات الشرعية بأنها رسالة سلبية تُدمّر أي بصيص أمل لإنهاء الحرب في اليمن، ومؤشر نحو مزيدٍ من الإجراءات الانقلابية والدموية.
وإذ يؤكد أن فيروس “كورونا” لا يزال بعيداً عن بلاده، يرى أنه إذا تفشى هذا الوباء في المناطق اليمنية، ستكون له مضاعفات جمّة نظراً إلى تخلّف النظام الصحي وضعف المؤسسات.
وهنا نص الحوار:
* المُعلَن من التصاريح الرسمية أنه لم تُسجّل أي إصابة بفيروس “كورونا” ما هي حقيقة الوضع هناك، وهل من استعدادات؟
** الاستعدادات قائمة لدى الأطراف كافة لمواجهة جائحة “كورونا” حسب الإمكانات المتاحة. نعم حتى اللحظة لم تُسجّل أي إصابة بهذا الوباء الفتّاك، بشهادة “منظمة الصحة العالمية” التي لها مندوبون في اليمن وعلاقات واسعة مع مختلف الأطراف من خلال عملها في اليمن طيلة السنوات الماضية لمعالجة الأزمة الإنسانية والجرحى الذين خلّفتهم الحرب، ولمعالجة الأوبئة التي انتشرت خلال الحرب كـ”الكوليرا” وغيرها.
* ولكن منظمة الصحة العالمية تخوّفت من “انفجار صحي” في اليمن إذا تفشّى الوباء؟
** إذا انتشرت هذه الجائحة، فسوف تُحدث مشاكل إنسانية فادحة، لأن البنية التحتية للصحة عندنا غير مؤهلة للمواجهة، ولا سيما أننا نشاهد دولاً كبرى ومتقدمة تفشل في مواجهة هذا الفيروس. القدرة على فرض تدابير وإجراءات ضعيفة، والنظام الصحي متخلّف.
المخاوف في صنعاء أكبر، خصوصاً أن هناك معلومات عن وجود إصابات ضمن مجموعة من الطلاب عادت مؤخراً من إيران. ما توفّر لنا مفاده أن 130 طالباً عادوا، وأن نحو ثلاثين منهم كانوا مرضى وتوفي بعضهم، وقيل إنهم أصيبوا بالتهاب رئوي.
* الحكومة اليمنية أعلنت قبول دعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق نار في الدول التي تسودها الحروب، هل تتوقع التزاماً بذلك من طرفي النزاع؟
** في التجارب السابقة، لم يلتزم الحوثي إلا إذا كان وقف إطلاق النار يُنقذه. فحين تكون لديه اليد العليا في الجبهات ويكون وضعه جيداً، لا يلتزم. اليوم أتوقع أن يفعل ذلك، لأن سير المعارك في الجوف ومأرب لم يعد في صالحه، وهناك تقدّم فعليّ للجيش الوطني وخسائر كبرى له.
* هناك دعوة أممية لإطلاق الأسرى والمعتقلين نتيجة جائحة كورونا، هل يمكن حصول اختراق؟
** لا أعتقد أنه سيستجيب. على كل، هناك لجنة من قبل الشرعية تواجدت في عمان للتحادث مع الحوثيين تمهيداً لإطلاق سراحهم حتى قبل هذه الجائحة، وأعتقد أنها ستكون مبادرة إيجابية إذا تكللت بالنجاح، لكننا نشكّ في استجابة الحوثي لأي نداء للتعاون.
* انقضت خمس سنوات على حرب اليمن بعد انقلاب الحوثي، هل من أفق سياسي لانتهائها؟
** منذ السنة الأولى للحرب، كان بالإمكان توفير هذا الأفق السياسي. في بداية “عاصفة الحزم” كانت الأجندة هي هزيمة الانقلاب الحوثي، واستعادة الدولة اليمنية، لكن الحرب ذهبت باتجاهات أخرى، أهمها تشكيل الإمارات العربية المتحدة لميليشيات مسلحة في المناطق الجنوبية مع “مجلس انتقالي” يُشكّل إطاراً سياسياً لها، كما أن السعوديين لم يكونوا على مستوى الأحداث، فكانوا بطيئين من ناحية الاستجابة للتطورات على الساحة اليمنية. انشغلوا بالحد الجنوبي وتركوا أمور المحافظات المحررة للإمارات، فذهبت الحرب باتجاه آخر، حتى وصلنا إلى السنة الخامسة مع أفق سياسي غير واضح.
* أحترم وجهة نظرك، لكن من منظار أوسع، هل كان ممنوعاً على التحالف أن يحقق انتصاراً في اليمن، بمعنى أن ساحة اليمن تحوَّلت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية كبرى؟
** لا يهمنا ما يجري “تحت الطاولة” ما يهمنا هو أننا دخلنا في تحالف مع السعودية والإمارات وبعض الدول الأخرى التي انسحبت أو التي بقيت في موقع المتفرّج. هذه الأهداف تدعمها قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن الدولي، وتستند إلى مرجعيات ثلاث هي: قرارات مجلس الأمن الدولي، ومخرجات الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية. إذاً هذه هي الأسس التي تمّ العمل على ضوئها، ونحن نحاسب أنفسنا ونحاسب التحالف بناء على هذه الأسس، أما الصراعات الدولية التي تجري في اليمن، كما تقول التقارير الإعلامية والصحافية، فنحن لا نتعامل معها، بل مع الدول المسؤولة التي خوّلتها قرارات مجلس الأمن الدولي التدخل في اليمن على أسس واضحة ومحددة.
* أين هي مسؤولية اليمنيين بأطيافهم وأحزابهم، وقبائلهم ومناطقهم، وحساباتهم وأجنداتهم ومشاريعهم المختلفة والمتضاربة، فلو لم يتدخل التحالف لكان اليمن بأكمله في يد الحوثي؟
* في السنة الأولى للحرب، وقبل اتضاح الأجندات الأخرى تم تحقيق النصر بالتعاون بين المقاومة الشعبية اليمنية والتحالف، بعد تنسيق الموقف بينهما. صحيح أن لدى اليمنيين مشاكل عديدة، لكن الشعب اليمني كان مهيئاً للتدخل، كان من المفترض أن يتم حشد اليمنيين كلهم في معركة واحدة ذات هدف واحد، لكن الذي حصل أنه بعد تحرير جزء كبير (نحو 80 في المئة) من قبضة الحوثيين، ظهرت الأطماع وبُدئ العمل على تحقيق أهداف تضرب قيام الجمهورية اليمنية ووحدتها وسيادتها في الصميم، وتحوّل الأمر إلى حرب على اليمن وشرعيته.
*ما الذي يمنع التحالف والقوات الشرعية من استكمال التحرير؟ وكيف توقفت معركة الحديدة؟ كلما تقدّمت الشرعية يناور الحوثي لكسب الوقت، ويشعر المراقب بوجود “فرملة دولية ما” تحت إطار ضرورة الحل السياسي، ليعود الحوثي وينقضّ من جديد. هذا ما حصل في الجوف، وهناك مخاوف على مأرب في وقت أن الحديدة محيّدة وفق اتفاق ستوكهولم؟
** المجتمع الدولي كان منصفاً بالنسبة لنا كدولة. أعطانا أكثر من 10 قرارات دولية تنص على دعم التحالف والحكومة الشرعية من أجل استعادة الدولة ونزع سلاح الميليشيات واستئناف المسيرة السياسية، إنما الذي حصل في الحُديدة تزامن مع تصاعد قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وما رافق ذلك من ضغوطات على السعودية وكون الحُديدة تستقطب أكثر من مليون مواطن عُرضة للمخاطر، جاء اتفاق ستوكهولم كحل وسط. نحن لا نستطيع الذهاب مع نظرية المؤامرة، كما يطرحها البعض، حتى وإن كانت موجودة، ولكن نأخذ النصف الملآن من الكأس. المجتمع الدولي وقف معنا في كل القرارات الدولية وآخرها القرار الرقم 2511 الذي صدر قبل أسبوعين، وأكد على القرارات السابقة، وعلى وحدة وسلامة أراضي اليمن وقراره الوطني ودعم شرعيته. المجتمع الدولي من الناحية السياسية يقف إلى جانب الشرعية اليمنية. كذلك الولايات المتحدة وبقية أعضاء مجلس الأمن الدولي الآخرين.
ما حصل في الحُديدة جاء على خلفية إنسانية، وعلى أساس أن ينسحب الحوثيون والقوات الشرعية إلى خارج المدينة، وتبقى المدينة بعهدة قوات الأمن التي كانت موجودة قبل اندلاع الحرب، وأن يكون الميناء تحت إشراف محلي ودولي من أجل تسهيل عمليات الإغاثة وشحنات الغذاء والدواء، ولكن الحوثيين عطّلوا هذا الاتفاق في ما بعد، كما جرى تعطيل “اتفاق الرياض” من قبل “الانتقالي” التابع للإمارات.
* إذا تمّ التعطيل من قبل الحوثي، ما هي أدوات الضغط عليه؟
** أدوات الضغط هي أن نتفق مع المجتمع الدولي ومع “التحالف” على إعلان فشل اتفاق ستوكهولم، واستئناف العمليات العسكرية حتى تحرير الحديدة. هذا هو السبيل لإجبار الحوثي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وأي طريق آخر لن يؤدي إلى شيء. هذا “الاتفاق” والمماطلة في الضغوطات على الحوثيين منحهم الفرصة لإعادة تمويل أنفسهم وبناء قواتهم، كما فعلوا في الهجوم على الجوف ومأرب والبيضاء ومناطق أخرى.
* ما هو تقييمك للوضع العسكري الميداني اليوم بعد سقوط نهم والحزم عاصمة الجوف؟
** الوضع الميداني العسكري ليس مثالياً بالنسبة للشرعية، لقد سقطت نهم والغيل وبعدها الحزم عاصمة محافظة الجوف. لا أملك تبريراً لما حصل، هناك مناطق لم يحصل فيها قتال حقيقي، لكن في مناطق أخرى حصل قتال شرس، أبناء الجوف وخصوصاً في الغيل قاتلوا وما زالوا يقاتلون حتى اليوم بشراسة وقدّموا شهداء وتضحيات مع أكثر من 25 ألف نازح من عاصمة الجوف، وتم وقف التوسّع الحوثي عند خطوط معينة نرتاح لها. أما بالنسبة لمحافظة مأرب فهي صامدة حتى اللحظة، وكل الموجات الحوثية تم صدّها وإفشالها في مناطق الجدعان، وإذا ما تم تطوير عملية الدفاع عن مأرب واستعادة المبادرة في الجوف ستعود الشرعية إلى مواقعها القديمة وربما تتقدّم أكثر، لكن إذا استمر التكتيك الدفاعي فهذا سيخلق مشكلة كبيرة للجيش الوطني.
على العموم، لن يتم تسليم مأرب في ظل وجود آلاف المقاتلين، لكن تبقى الكلفة كبيرة إذا لم نبادر بالهجوم ونستعيد زمام المبادرة، مع الأخذ بالاعتبار أن الحوثيين يملكون آلاف المقاتلين، ولا يهمهم عدد القتلى في صفوفهم. ما يهمهم هو إرسال موجة بعد أخرى من المقاتلين حتى تحقيق هدفهم الذي يبتغونه.
* قلت إن هناك مناطق سقطت من دون قتال…
** القيادة والسيطرة لم تكونا على المستوى المطلوب. هناك مندسون داخل صفوف الجيش الوطني، وملابسات كثيرة يحتاج كشفها إلى لجنة تحقيق تقف على المعلومات بدقة. أما في الجوف فقد ظلت المعارك مستمرة لأربعين يوماً، وهي تتبع عمليات القوات المشتركة التي يقودها الأخوة السعوديون، وليس غرفة عمليات وزارة الدفاع اليمنية، فانعدم التنسيق، وبالتالي لم تكن عمليات السيطرة والقيادة والانتشار من قبل قواتنا على مستوى يخوّلها صدّ موجات الحوثيين الذين راهنوا على إسقاط الجوف مهما كلف الأمر، وهم بالفعل تكبدوا خسائر فادحة.
* هناك ملاحظات كثيرة وشكوك حول دور ممثل الأمين العام مارتن غريفيث والبعض يعتبر أن الموقف البريطاني تشوبه التباسات؟
** الموفد الأممي عبارة عن وسيط، كان من المفروض أن يعمل على تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، ويتوسّط على أساس ما نصّت عليه هذه القرارات، لكن غريفيث لم يكن على هذا المستوى، وكان يعطي الحوثيين أكثر مما يطلبون، محاولاً تجاوز كل مرجعيات الشرعية، ويطرح الذهاب إلى الحل السياسي قبل الترتيبات الأمنية والعسكرية، وهذا أمر غير مقبول ومخالف لقرارات مجلس الأمن. الحكومة اليمنية والرئيس هادي بعثوا بخطاب للأمين العام للأمم المتحدة مطالبين بالاستغناء عن خدمات هذا الرجل، لكن الأمين العام أنطونيو غوتيريش، أكد للحكومة اليمنية وللرئيس هادي أن غريفيث سيقوم بمهمته بكل نزاهة وحيادية، لكن للأسف لم نرَ نزاهة ولا حياداً من قبله حتى اللحظة. هذا الرجل فاشل ولم يُحقق أي اختراق في هذه الأزمة.
* وسط التعقيدات الكبيرة في المشهد اليمني، ما الذي سينهي الأزمة، ويأتي بالأطراف إلى طاولة الحوار لحل سياسي؟ بالأمس أصدر الحوثي أحكاماً بالإعدام على 67 من قيادات الشرعية اليمنية، العسكريين والمدنيين، واسمكم من بينها؟
** هذه الأحكام إن دلت على شيء، فهي تدل على أن الحوثي ليس لديه اتجاه لولوج درب السلام والمصالحة، وأنه ذاهب نحو مزيد من الإجراءات الانقلابية والدموية حتى النهاية. السؤال هنا: كيف يمكن أن يُصدر أحكاماً بحق قيادات الشرعية التي يُفترض أن يجلس معها إلى طاولة واحدة تمهيداً للوصول إلى تحقيق حل سلمي؟ هي رسالة سلبية تشي بعدم الالتفات لدعوات السلام والمصالحة، وتدمير لأي بصيص أمل لإنهاء الحرب.
أما الطريق للخروج من الموقف المعقد الذي وضع اليمن في دوامة، فيتمحور – حسب رأيي – حول التالي: خروج الإمارات من التحالف، وإعادة القيادة اليمنية من الرياض إلى أي مدينة يمنية، وأفضل موقع هو سيئون في محافظة حضرموت، ثم دعم الجيش الوطني بكل أنواع الأسلحة، من دبابات ومدفعية وأسلحة متوسطة وذخيرة وميزانية تمكنه من إعادة بناء نفسه، وهذا أمر ليس بالصعب، للإمساك بزمام المبادرة من جديد، وبالتالي لن يكون تحرير عدن وصنعاء من الانقلابيين ببعيد، لكن إذا بقيت الأمور على ما هي عليه حالياً، اعتقد أن الوضع سيكون صعباً، ونحن كيمنيين سواء كنا في الشرعية أو مواطنين عاديين لن نستسلم للانقلابيين في صنعاء أو في عدن، وسنقاتلهم ولو بأسناننا، لكن مَن سيخسر بالإضافة إلينا هي المملكة العربية السعودية، على اعتبار أن اليمن هو مجالها الحيوي ومهم لأمنها القومي، وما يحصل في اليمن يؤثر سلباً على المملكة.
* هل في رأيك أن خريطة الطريق التي رسمتها ممكنة التحقق؟ واذا كانت كذلك، فما الذي يُعيقها، بمعنى آخر ما الذي يُعيق المملكة السعودية عن الإقدام على خطوات دفاعاً عن أمنها القومي وتحقيقاً لما أطلقته في “عاصفة الحزم” ومن ثم “إعادة الأمل”؟
** هذا سؤال مهم، وحري بالإخوان في المملكة أن يجيبوا عنه. نحن نتساءل عمّا يُعيقها، لكن اعتقادي أن السعودية ما زالت متمسكة بوجود الإمارات في التحالف، التي تعمل ليلاً نهاراً على تقسيم اليمن. وليست، في رأيي، بعيدة عن التواطؤ مع الحوثي.
* مخرجات مؤتمر الحوار الوطني تحدثت عن ستة أقاليم، منها إقليم عدن في الجنوب، هل هناك محاولات لتعديل التقسيمات بما يخالف مندرجات الحوار الوطني أم استعجال على التطبيق؟
** أريد توضيح جزئية مهمة، هناك عصبيتان في اليمن: الأولى طائفية سلالية في صنعاء يمثلها الحوثي، والثانية عصبية مناطقية عنصرية في الجنوب يمثلها ما يُسمى بـ”الانتقالي”. من الضروري فهم هذه الجزئية كخلفية. هاتان العصبيتان لا تملكان أي مشروعية، أو أي سلاح غير سلاح القوة. أجزم أنه إذا ما عُرض اليوم موضوع استعادة دولة الجنوب القديمة أو البقاء ضمن الدولة الاتحادية اليمنية ذات الأقاليم الستة، فإن الجنوبيين سيصوتون إلى جانب البقاء ضمن الدولة الاتحادية. الجنوب جزء من اليمن ولا يستطيع أحد اليوم أن يأتي ليفرض على الجنوبيين أجندة لكي يستعيد دولة قديمة زالت وذهبت باتفاق بين دولة الشمال ودولة الجنوب على قيام الوحدة اليمنية والبقاء في دولة واحدة.
* أين الجنوبيون الموالون للشرعية؟
** الجنوبيون الموالون للشرعية موجودون في محافظة أبين وعدن وحتى في شبوه التي تتواجد فيها سلطات الدولة وفيها الأمان والاستقرار وإنتاج النفط والغاز، وموجودون في وادي حضرموت وفي المهرة والمكلا ومأرب وتعز، وفي الحدّ الجنوبي للمملكة العربية السعودية، ينضوون في إطار العديد من الألوية، وهم ليسوا مساجين في جغرافيا محددة، ويحملون قضية اليمن بمجمله.
قوات الشرعية تقف اليوم على مشارف زنجبار التي هي عاصمة أبين على بعد نحو 60 كيلومتراً من عدن وباقي مساحة الجنوب كلها بيدها، نحو ألف كيلومتر من زنجبار حتى الحدود العمانية بيد الجنوبيين التابعين للشرعية، معظم الانقلابيين يقطنون عدن، ولولا سلاح الطيران الإماراتي الذي ضرب قوات الجيش الوطني في منطقة العلم عند مدخل عدن في آب/أغسطس بنحو 14 غارة أدت إلى مقتل وجرح 600 جندي وضابط كان الانقلابيون هربوا إلى مناطقهم في الضالع.
* لماذا في رأيك يتعثر اتفاق الرياض؟
**هذا الاتفاق جاء في مجمله لمصلحة ما يُسمى بـ”الانتقالي” لكن مع ذلك رفضوا تنفيذه بالمطلق. رفضوا تسليم السلاح وخروج وحداتهم من عدن، وسيطروا على المعاشيق، والآن يحشدون. من الواضح أن هذا الاتفاق جاء لتوريط السعودية التي دفعت بقواتها إلى عدن بموجبه، وحلت محل القوات الإماراتية. السعوديون في مأزق، فإما أن يدخلوا في صدام مع هذه الميليشيات أو أن يهادنوها على حساب الاتفاق وعلى حساب علاقة السعودية بالشرعية. خياران أحلاهما مر، كما يقولون.
يضغطون على السعودية في المناطق الشمالية، وفي عدن، لكن رغم هذا ما زالت المملكة ممسكة بالأمور، وهي تقوم بعمل كبير في الجوف ومأرب هذه الأيام من أجل عدم السماح للحوثيين بتسجيل خروقات، ولكن لو أخذت السعودية هذا المنحى منذ البداية لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
* أمران في حاجة لإيضاح، أولهما مسؤولية حزب “المؤتمر الشعبي” فصنعاء ما كانت لتسقط لولا تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين، وثانيهما إشكالية حزب “الإصلاح” (التجمع اليمني للإصلاح) وامتداداته الإخوانية والخلافات مع “المؤتمر” بما يحول دون توحّدهما في المعركة اليوم ضد الحوثي؟
**”الإصلاح” هو حزب مدني، وجزء أساسي من الشرعية اليمنية، وشباب “الإصلاح” في الميدان يقاتلون التمدّد الحوثي في أرجاء اليمن كافة، لكن هناك حساسيات بين الأحزاب اليمنية، وهي حساسيات قديمة، مثلاً كان “اللقاء المشترك” الذي ضم “الاشتراكي” و”الإصلاح” وغيرهم من الأحزاب القومية والناصرية، دافعوا عن القادمين من صعدة وتبنوا قضيتهم، وأشركوا الحوثي في ثورة التغيير وأعطوه جزءاً من الساحة في صنعاء لكي ينصب خيامه هناك. كانت نيّة هذه الأحزاب سليمة تجاه الحوثي، إنما “المؤتمر” كان يأخذ موقفاً من الحوثيين، ولكن بعد ثورة 2011 وانتهاء مؤتمر الحوار الوطني، انقلبت الأمور فتحالف “المؤتمر” بما يمثله الرئيس السابق علي عبد الله صالح مع الحوثيين، وأخذ العداء يستحكم بين “اللقاء المشترك” والحوثي.
الحياة السياسية اليمنية فيها الكثير من التعقيد، والعلاقات بين الأحزاب غير سليمة منذ فترة طويلة جداً، وهذا سببه أن اليمن كان يئن تحت حكم ديكتاتوري، يظهر إلى العلن على أنه متسامح، كما كان عليه نظام علي عبد الله صالح، الذي أفرغ الحياة السياسية والأحزاب من دينامية قوتها الداخلية، فأصبحت أحزاباً ذات قيادات تلهث وراء المصالح الذاتية. “الإصلاح” تحرّر من أيديولوجيته كثيراً حتى إنه تحوّل إلى حزب مدني له وجود كبير على الساحة اليمنية، لكنه يعاني أيضاً من بعض الأخطاء الموجودة في بقية الأحزاب الأخرى، ونحن نعمل حالياً على المصالحة بين هذه الأحزاب، وبشكل خاص بين “المؤتمر” و”الإصلاح” لكي يعودا حليفين، لأن هذا سيُحدث التغيير، وإذا لم ننجح سوف نفكر في ما يجمعنا كيمنيين، من كل التيارات، لكي نبتكر أساليب للنضال والصمود في وجه هذه المشاريع العصبوية ومشاريع التمدد الحوثي شمالاً والميليشيات جنوباً.
* كأنك تقول إنه رغم ثورة 2011 ومخرجات الحوار الوطني، لا تزال القواسم المشتركة لبناء الدولة اليمنية بعيدة؟
** الحياة السياسية في اليمن لم تنضج إلى الحدود التي نفصل فيها بين القبيلة والحزب والمنظمات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني. إنما رغم ما تشكله الحرب من مأساة فظيعة، فإنها أعادت خلط المجتمع اليمني. أبناء الحديدة يذهبون إلى المهرة، وكذلك أبناء عمران وصنعاء وتعز وإب يتواجدون في حضرموت، مأرب التي يهدد الحوثيون باقتحامها، كانت قرية فيها 20 ألف نسمة، اليوم فيها 3 ملايين نسمة، جاؤوا من المحافظات الشمالية التي يُسيطر عليها الحوثيون لأنهم رفضوا العيش تحت سلطتهم. إنهم يسكنون ويعملون ويدرسون سوية مما هيّأ أسساً لحياة مستقرة في محافظة مأرب، بينما الحوثي يفتقد هذا المزيج الجميل للشعب اليمني.
هذا الأمر حصل أيضاً في المهرة وسيئون وشبوه ومناطق عديدة في اليمن، طبعاً نحتاج إلى بعض الوقت وإلى تواصل بين كل القوى لكي نخرج مما نحن فيه اليوم، وفي المستقبل هناك دستور الدولة الاتحادية الذي يُحدّد كيفية وصول هذا الحزب أو هذا القائد إلى السلطة، وبواسطة صناديق الاقتراع لا غير، لكي نبني دولة يمنية اتحادية يحكمها الدستور والقانون، ويكون الصراع فيها سلمياً على السلطة، وإلاّ سيبقى اليمن في حروب مستدامة.