بالرغم من انشغال حكومة الوفاق الليبية بمكافحة جائحة “كورونا” استمر القصف العشوائي لأحياء العاصمة طرابلس من مدافع قوات القائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر. ولم تكتف الحكومة المعترف بها دوليا، هذه المرة، بالرد على القصف، وإنما شنت هجوما أطلقت عليه اسم “عاصفة السلام” وهي علامة على فراغ صبرها من صواريخ “غراد” التي تُصيب الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في جنوب طرابلس. وحصدت قوات “الوفاق” من العملية مكاسب عسكرية مهمة، أبرزها السيطرة على قاعدة “الوطية” الجوية، التي تبعد 140 كلم جنوب غرب طرابلس، وتُعتبر الأكبر في المنطقة الفاصلة بين طرابلس والحدود التونسية. وأتت هذه التطورات في أعقاب محاولة الرئيس الفرنسي إطلاق مبادرة جديدة، مطلع الشهر الجاري، لاستئناف الحوار بين الغريمين الليبيين.
مبادرات سابقة
انتهز الرئيس الفرنسي تعثر تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين، ليحاول استعادة الملف الليبي من أيدي الألمان. ويمكن القول إن الفرنسيين الذين أخفقت مبادراتهم السابقة، لم يقبلوا التنازل عن الملف إلى جيرانهم الألمان، ولم يكن في صالحهم أن تنجح برلين حيث فشلت باريس. لذا دعا ماكرون القائد العسكري للمنطقة الشرقية اللواء خليفة حفتر إلى قصر الإيليزيه، يوم 9 آذار/مارس الجاري، محاولا إقناعه بالموافقة على تطبيق وقف إطلاق النار، وهو ما كان رفضه في برلين، وقبل ذلك في موسكو.
كان اللقاء بين الرجلين الرابع في غضون ثلاث سنوات، ما يعكس متانة العلاقة، التي أثمرت فوائد للطرفين. فإذا كان حفتر منح موطئ قدم لفرنسا في شرق ليبيا، فإن الفرنسيين قدموا له بالمقابل مساعدات لوجستية ودعما دبلوماسيا. ومن المؤكد أن هذا “التعاون” بدأ قبل 2016 ففي صيف ذلك العام سقطت مروحية في بنغازي، وكان على متنها ثلاثة من الضباط الفرنسيين قضوا في الحادث، فبدأ الغطاء يُكشف عن تورط باريس في حرب، تستهدف الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة. واتضح أن الثلاثة يعملون في مديرية أمن الدولة (الاستعلامات الفرنسية) وأن زملاءهم الضباط الفرنسيون في بنغازي يُعدُون بالعشرات، وهم يقومون بأعمال التدريب وإسداء المشورة، لكنهم لم يشاركوا في القتال على الأرجح. غير أن هذه العلاقة تطورت من تنسيق استخباري إلى علاقة سياسية. ولعب المستشار الأمني للرئيس ماكرون، بول سولير، وهو ضابط في قوات المظليين، دورا مهما في إعطاء دفعة للتقارب بين حفتر والإيليزيه بحكم معرفته الدقيقة بالأوضاع في ليبيا.
الرائد الأسير
وتؤكد مصادر فرنسية أن الرائد سولير شارك في إيصال الذخائر والأسلحة إلى الثوار في 2011 بالرغم من الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة، على إرسال السلاح إلى ليبيا، وأوضحت أنه وقع في الأسر لدى القوات الموالية للقذافي، لكن لفترة قصيرة. ولعب كل من المستشار الدبلوماسي لحفتر فاضل الديب ورجل الأعمال الفرنسي ميشال سكاربونشي، دورا هاما في ترسيخ العلاقة بين الجانبين، خصوصا بعدما استقبل حفتر سكاربونشي، في مقره بقاعدة الرجمة، وأظهر اهتماما خاصا بسكاربونشي، النائب السابق في البرلمان الأوروبي، بسبب الصداقة التي تربطه بجان إيف لودريان، الذي كان يتولى حقيبة الدفاع في حكومة الرئيس السابق فرنسوا أولاند. وقد استعاض عنها بحقيبة الخارجية منذ صعود ماكرون إلى سدة الحكم في 2017.
بهذا المعنى كانت لفرنسا منذ عهد أولاند سياستان مُتوازيتان، واحدة رسمية، إذ أن باريس تعترف بشرعية حكومة طرابلس وتدعم العملية السياسية، وتتحالف في الوقت نفسه، مع حفتر وتمده بالخبراء والذخيرة والأسلحة. وكُشف النقاب عن تلك الازدواجية أكثر مع فرار عشرات الخبراء والضباط الفرنسيين عبر الأراضي التونسية، لدى إطلاق حفتر حملته العسكرية على طرابلس في الرابع من نيسان/أبريل العام الماضي. أكثر من ذلك، عثرت قوات حكومة الوفاق، بعد سيطرتها على مدينة غريان (80 كلم جنوب طرابلس) القاعدة المتقدمة لقوات حفتر، على صواريخ فرنسية الصنع، في حزيران/يونيو الماضي. وليس مُستغربا أن تتعبأ الرئاسة والحكومة الفرنسيتان الحاليتان لدعم حفتر، طالما أن هذا التحالف أرسي منذ 2016 أي قبل مجيء ماكرون إلى الحكم، على أيدي سكاربونشي، الذي عرَف صديقه لودريان على الديب في باريس. ويعتبر الباحث في معهد كلينكلدايل (هولندا) جلال حرشاوي أن اللواء حفتر بات “رجل باريس” منذ 2015 إذ كانت فرنسا تعلم أن هناك “دكانا” لتنظيم “الدولة” في درنة وأن للتنظيم بؤرا أخرى في بنغازي أيضا، وكانت تثق بقدرة حفتر على القضاء عليها.
ثلاث مراحل
وخلافا لرأي الذين يعتقدون أن همَ باريس هو التخلص من الجماعات المسلحة في تلك البؤر شرق ليبيا، كان الفرنسيون يُخططون لأهداف أبعد، اكتشفوا أنها متطابقة مع خطط حفتر. ومثلما شرح الديب للوزير لودريان في لقائهما الباريسي العام 2016 تشتمل خطة اللواء المتقاعد على ثلاث مراحل متوالية، الأولى هي السيطرة على برقة (وعاصمتها بنغازي) والثانية السيطرة على الجنوب أو فزان (وعاصمته سبها) أما الأخيرة فهي بسط سلطته على طرابلس. وهذا هو تحديدا المسار الذي توخاه حفتر فعلا، في السنوات التي أعقبت مؤتمر الصخيرات، الذي رفض الامتثال لمُخرجاته.
من هذه الزاوية، نفهم محاولاته إفشال جميع المبادرات الرامية لحل الأزمة سلميا. فعندما دعاه ماكرون إلى اجتماع، في تموز/يوليو 2017 في ضاحية سال سان كلود الباريسية، ليلتقي السراج، قبل الدعوة على مضض، ورفض التوقيع على البيان السياسي الصادر عن الاجتماع. وجاء في “البيان المشترك” الذي أعده الجانب الفرنسي ولم يُصدق عليه حفتر، أن الرئيس الفرنسي “قام بمساهمة في تسوية الأزمة الليبية، مؤكدا أنها (المساهمة) تتكامل مع دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية. واعتبر البيان أن منطلق التسوية يكمن في إحياء اتفاق الصخيرات (2015) وتنفيذ بنوده. كما تضمن البيان الباريسي “تعهدا صارما” بالعمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، في ربيع 2018 بالتعاون مع المؤسسات (الليبية) المعنية و”بمساعدة الأمم المتحدة وتحت إشرافها”.
عشرون بلدا
بعد فشل تلك المحاولة الأولى لإرجاع لغة الكلام بين الغريمين، دعا ماكرون إلى لقاء موسع في أيار/مايو 2018 في قصر الإيليزيه، برعاية منظمة الأمم المتحدة، ضم كلا من السراج وحفتر، إضافة إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة (السابق) خالد المشري، زيادة على ممثلي عشرين بلدا معنيا بالأزمة الليبية. وسعى الفرنسيون إلى انتزاع اتفاق لوقف إطلاق النار من الإخوة الأعداء، بالإضافة إلى وضع خريطة طريق يُصدق عليها الحضور، تُمهد لإجراء انتخابات في أواخر تلك السنة، مع توحيد المؤسسة العسكرية والبرلمان والمصرف المركزي. وكان الأمل معقودا على إمكان عقد مؤتمر آخر في غضون ثلاثة أشهر، لكن توصيات المؤتمر بقيت حبرا على ورق.
يعزو الإيليزيه اهتمامه بإيجاد حل للأزمة في ليبيا إلى عنصرين رئيسيين، أولهما تحصين بلدان جنوب أوروبا، وفرنسا إحداها، من تدفق المهاجرين غير النظاميين، الذين يستخدمون ليبيا منصة للانطلاق نحو القارة الأوروبية. أما الثاني فهو تسرُب عناصر من تنظيمي “القاعدة” و”داعش” إلى الجنوب الليبي، ما يشكل خطرا على القوات الفرنسية المتمركزة في منطقة الساحل، في إطار عملية “برخان”.
فشل مؤتمر برلين
في التاسع من الشهر الجاري، عاود ماكرون دعوة حفتر إلى لقاء في الايليزيه، استمر ساعة ونصف الساعة، ليستمع إليه هذه المرة وهو يعرض عليه إسناد الإشراف على الحقول والموانئ النفطية الليبية إلى فرنسا “كي لا تستغلها الميليشيات المسلحة أو تركيا” على حد قوله. وكان الاجتماع إقرارا بفشل مؤتمر برلين (19 كانون الثاني/يناير الماضي) وتعليق مساراته الثلاثة بعد استقالة رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة. واعتبر مراقبون العرض الذي تقدم به حفتر إلى ماكرون خطوة متقدمة في تدويل الصراع الليبي، خاصة أنه شكا للرئيس الفرنسي من حاكم المصرف المركزي الليبي صديق الكبير، متهما إياه بتخصيص قسم من المال العام لشراء أسلحة للميليشيات.
وأكد حفتر لماكرون أنه أمر قواته بالسيطرة على الحقول والموانئ النفطية، لإغلاق صنبور النفط، وأنه مستعد لفتحه بشرط أن تودع الإيرادات في حساب خاص، بإشراف لجنة محايدة. في غضون ذلك، وقبل انتقال حفتر إلى ألمانيا حيث اجتمع مع المستشارة إنغيلا ميركل، تتالت الانتقادات الليبية للرئاسة الفرنسية جراء استقبال حفتر في قصر الإيليزيه، استقبال الرؤساء. وفي محاولة لمحو أثر هذا “الخطأ” الذي يوصف بأنه دبلوماسي، بينما هو سياسي في الدرجة الأولى، وجه الفرنسيون دعوة لوزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا، لزيارة باريس. وكان لافتا أنهم تجاهلوا رئيس الحكومة ورئيس مجلس الدولة.
في الرتبة الرابعة
نعود إلى السؤال مجددا: هل يُفهم من استقبال حفتر، بتلك الحفاوة في الإيليزيه، أنه رجل فرنسا في ليبيا؟ يُجيب بعض المحللين أن باريس تأتي في الرتبة الرابعة بين داعمي حفتر، أي بعد الإمارات ومصر وروسيا. وذهب بعض آخر إلى تلمُس تأثير إماراتي في سياسة فرنسا الليبية، عن طريق لودريان، منذ عهد الرئيس الأسبق أولاند، فيما كان وزير الخارجية السابق لوران فابيوس أقرب إلى قطر.
ويُبرز عماد الدين بادي، الباحث في “مركز كارنيغي” في معرض تحليله لدوافع التحالف بين حفتر وفرنسا، عنصرا آخر يتعلق بمكافحة التيارات الدينية المتشددة، والتي تشكل إحدى الأولويات الداخلية للحكومة الفرنسية، بالإضافة للتصدي لسياسة التوسع التركية في الإقليم. ورأى الباحث جلال حرشاوي، المتخصص بالشؤون الليبية، أن فرنسا ظلت تنظر إلى حفتر على أنه مُسدي خدمات أمنية، ولم تقبل مجاراة رغبته بالسيطرة على العاصمة طرابلس بقوة السلاح.
ثلاث مدن
لكن باريس شجعته، في العام الماضي، على الاستيلاء على الجنوب، حيث توجد 70 في المئة من حقول النفط، وأبدت ارتياحها لسيطرة قواته على مثلث المدن الرئيسة في الجنوب الليبي، وهي سبها ومُرزق وأوباري. وبررت وزارة الخارجية الفرنسية ذلك التأييد، بأن ضربات حفتر استهدفت جماعات إرهابية تحصنت في جنوب ليبيا، بعد اندحارها من مدينة سرت. ويرتدي الجنوب الليبي أهمية خاصة لدى فرنسا لتماسِه مع منطقة الساحل والصحراء، التي تنشر فيها باريس 4500 جندي من جنودها، تعتزم رفع عددهم إلى 5100. وتسبب الموقف الفرنسي الداعم لحفتر بخصومة علنية مع إيطاليا، الطامعة في الجنوب الليبي أيضا، بحكم كونها المُستعمر السابق (1912-1943). وتطور الخلاف إلى تراشق إعلامي بين كبار المسؤولين في الدولتين، محورُهُ ليبيا.
ووصل هذا الصراع إلى ذروته مع توجيه وزيرة الدفاع الإيطالية أليزابيت ترانتا اتهامات لفرنسا بأنها المتسببة في الأوضاع الراهنة، التي وصلت إليها ليبيا، بفعل تدخلها العسكري في 2011 و”وضع مصالحها فوق مصالح ليبيا وأوروبا. وكان الوزير لودريان، مُصرا، لدى تسلُمه حقيبة الدفاع، في عهد الرئيس أولاند، على نقل فرنسا من وضع التهميش إلى دور اللاعب الكبير في الساحة الليبية، فأحيى العلاقات بين حفتر وفرنسا، التي تعود إلى انتفاضة 2011، لما ساعدت الأخيرة حفتر في القضاء على أحد آخر معاقل أنصار القذافي.
قصارى القول إن السياسة الفرنسية في ليبيا انتقلت من فشل إلى آخر، لأنها لم تفهم البيئة الليبية وخصوصياتها، فضلا عن الحول الذي اتسمت به، مُجسَدا في التعاطي مع فريق وتجاهل فريق آخر، أو فرقاء آخرين. وتفاقم هذا الحولُ مع هوس السياسة الفرنسية بمكافحة الإسلام السياسي، ليس فقط في ليبيا، وإنما في كامل منطقتي الصحراء وشمال افريقيا.