نيويورك-“القدس العربي”: يشعر مسؤولو الصحة في الولايات المتحدة بقلق عميق من تفشّي فيروس كورونا في المدن الأمريكية الكبرى في جميع أنحاء البلاد في الأسابيع المقبلة، وقالوا إن انتشار الفيروس في مدينة نيويورك هو عبارة عن علامة مبكرة على موجات مرعبة من الهجمات المقبلة لجائحة كوفيد-19.
وكشفت الدكتورة آن شوشات، نائبة مدير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أن هناك علامات مبكرة على أن عدد الحالات في مدن أخرى قد بدأ بالفعل في الارتفاع، وفي حين أن مدينة نيويورك هي موطن لما يقارب من نصف الحالات في البلاد في الوقت الحالي، فإن مدنا أخرى تشهد ارتفاعا في عدد الحالات بمعدلات مقلقة.
واتضح من خلال بيانات متلازمة الإنفلونزا أن عدد حالات الأمراض التنفسية التي تظهر في أقسام الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، تتصاعد بشكل مقلق، وقد تم التركيز على نيويورك لأن الأرقام كانت كبيرة جدا، ولكن المدن الأخرى شهدت زيادات غير طبيعية. وأشار الخبراء إلى أن عدم انتشار الفيروس بكثافة في المدن الأخرى سيكون مفاجأة غير محتملة.
وقام مركز السيطرة على الأمراض بنشر حوالي 1500 من علماء الأوبئة والخبراء في النقاط الساخنة في أمريكا، بما في ذلك نيويورك وسياتل، حيث ظهرت أولى الحالات للفيروس التاجي في كانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير.
وامتنع علماء المركز عن تسمية المدن التي من المحتمل أن تصبح بؤرة جديدة لتفشّي الوباء، ولكن نيوأورليانز برزت في الأيام الأخيرة كمنطقة تنمو حالات الإصابة بها بشكل سريع، كما أبلغت ولاية لويزيانا عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في 9 اذار/مارس، ووصل الرقم إلى 100 حالة بعد ذلك بأسبوع، وتضاعف عدد الحالات بعد ذلك.
وقال حاكم لويزيانا، جون بيل إدواردز، إن وتيرة النمو في عدد الحالات المؤكدة في الولاية كانت على قدم المساواة مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا، وهما من أكثر الدول تضررا في أوروبا، حيث غرق النظام الصحي بالمصابين واضطر الأطباء إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن تقنين الرعاية.
وأبلغت ولاية كولورادو عن ما يقارب من ألف إصابة بالفيروس التاجي، الخميس الماضي، وهو ضعف العدد الذي أكدته يوم الأحد السابق، وارتفع عدد الحالات في ولاية ويسكونسون من 385 إلى 585 خلال يومين.
وجنباً إلى جنب مع نيويورك التي تضررت بشدة، مع حوالي 30 ألف حالة مؤكدة، ينتشر الوباء في ولاية نيوجرسي على نطاق واسع، حيث أبلغت الولاية عن أكثر من 4400 حالة إصابة، وأكدت كل من واشنطن وميشيغان وواشنطن أكثر من 2000 حالة، وسجلت فلوريدا وجورجيا وألينوي وماساتشوستس وبنسلفانيا جميعاً أكثر ألف حالة، وفقا لمختبرات الصحة الحكومية التي قام بتجميعها مشروع تتبع جائحة كوفيد-19.
وضغط نظام المراقبة في مراكز مكافحة الأمراض على زر الوميض الأحمر في العديد من الولايات، في علامة محتملة على أن مرضى الفيروس يزورون بالفعل المستشفيات، مع تحذير أن جميع البلاد تعيش في خطر كبير.
وأقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يريد إعادة فتح الاقتصاد الأمريكي والعودة إلى الحياة المعتادة خلال الأسابيع المقبلة، على النقيض من نصيحة الخبراء داخل وخارج إدارته. وقال الخبراء إن إنهاء سياسة الابتعاد الاجتماعي، ستكون لها عواقب مدمرة.
وأكد خبراء الصحة على ضرورة التعامل مع هذا الفيروس بكل جدية، والتأكد من أن نظام الرعاية الصحية في مناطق جغرافية متنوعة جاهز لزيادة العبء، وأشاروا إلى أن ما حدث في نيويورك هو تحذير حقيقي لمناطق أخرى.
وفي سياق متصل، أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “تحذيرات سرية مشؤومة” في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير حول الخطر العالمي الذي يشكله فيروس كورونا، ولكن البيت الأبيض فشل في اتخاذ إجراءات في الوقت المناسب، وفقاً لتحقيق استقصائي نُشر في “واشنطن بوست”.
وكشف التحقيق أن تقارير مجتمع المخابرات قد حذرت، في مجملها، من “فيروس أظهر خصائص جائحة قد ينتشر على مستوى العالم، وأن ذلك يتطلب من حكومة الولايات المتحدة اتخاذ إجراء سريع لاحتوائه”.
وقال مسؤول أمريكي تمكن من الوصول إلى التقارير الاستخبارية عن الفيروس إن “النظام كان يومض باللون الأحمر” في كانون الثاني/يناير، وقد تم نشر التقارير المتشائمة على أعضاء الكونغرس وكبار المسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وأكدت المصادر أن التقارير لم تحاول التكهن بموعد بدء انتشار الفيروس في الولايات المتحدة، أو ما هي إجراءات الصحة العامة التي يجب اتخاذها لمنع تفشيه، وقال المسؤول إن مثل هذه القرارات المتعلقة بالسياسة تكون عادة “خارج نطاق اختصاص وكالات الاستخبارات”.
وعلى الرغم من ذلك، كانت التحذيرات متكررة، وبدأت في الزيادة في الحجم بحلول الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير، وقالت مصادر إنه في أوائل شباط/فبراير كانت غالبية تقارير المخابرات التي تم نشرها على البيت الأبيض تتعلق بجائحة كوفيد-19 وقد حذرت هذه التقارير ترامب من أن المسؤولين الصينيين يقللون عمدا من مدى وخطورة تفشي الفيروس التاجي.
واشتكى مسؤولون أمريكيون من أن مستشاري ترامب وجدوا صعوبة في لفت انتباهه إلى تقارير المخابرات حول جائحة كوفيد-19.
ولم يلتفت ترامب إلى هذه التقارير إلا في يوم 18 كانون الثاني/يناير، حيث تمكن وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس عازار من تأمين الوصول إلى المكتب البيضاوي والتحدث مباشرة مع ترامب حول الفيروس، وبعد ذلك بفترة وجيزة، أطلع الدكتور روبرت كادليك، مساعد وزير الخارجية لشؤون الاستعداد والاستجابة، لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ في اجتماع سري على هذه التقارير.
وأفادت “واشنطن بوست” أن الدكتور كادليك قدم عرضه المشترك مع أعضاء وكالة المخابرات، ونوقشت الآثار الصحية العالمية للجائحة، وتم التحذير من أنه تهديد خطير يتطلب من الأمريكيين اتخاذ إجراءات من شأنها تعطيل حياتهم اليومية.
وقال المسؤولون إن ترامب كان رافضاً لهذه الفكرة، كما رفض الاعتقاد بأن الفيروس قد يشكل تهديداً كبيراً للبلاد، وعندما نشر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تقريراً يفيد أن هناك 53 حالة مؤكدة من الفيروس في الولايات المتحدة، غرد ترامب أن الفيروس تحت السيطرة.
واتفق المحللون أن البيت الأبيض قد فشل في اتخاذ إجراءات ربما أدت إلى تباطؤ انتشار الفيروس، ويوجد حاليا ما لا يقل عن 200 ألف إصابة بالوباء، وهو رقم يبدو أنه يتضاعف كل 48 ساعة.