سؤال لا أكف عن التفكير به، خصوصاً بعد أن شاهدت مؤخراً فيديو كان قد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة، ربما تنافس سرعة انتشار الوباء الشرس، الذي داهم العالم بأسره بين ليلة وضحاها.
إنه فيديو لبائع فواكه وخضار لبناني، لرجل فقير يجر عربته ويتنقل بين شوارع المدينة ليبيع حبات البرتقال والتفاح وغيرها، مقابل بضع ليرات تؤمن له ولعائلته رغيف خبز يسدون به جوعهم.
رجل محمّل بعبء الحياة.. مقيّد بقسوتها.
لكنه لطالما عاند المر ودفع تلك العربة بقوة وكأنه بها يحرك طاحونة الأيام والأسابيع والأشهر الثقيلة. علها تجري بسرعة فيخف حملها.
هكذا صبر بائع العربة على جوعه واستهتار سلطة تعيش في برجها العاجي، بعيداً كل البعد عن آلام المواطنين وفقرهم ومعاناتهم. صبر حتى طفح الكيل مع مجيء كورونا.
لقد طلبت الحكومة من الشعب أن يعزل نفسه في البيوت كي تخفف من انتشار الوباء. نعم إنه إجراء ضروري يقي من المرض، ولكن بائع العربة وكثيرين مثله وجدوا أنفسهم مخيرين بين الموت من الجوع أو الموت بالمرض.
أيهما أفضل؟
اختار البائع الموت بالمرض على أن يموت وأطفاله من شدة الجوع.لم يلتزم بقرار الحجر في المنزل وخرج كعادته ليأتي بطعام لأطفاله فواجهه رجال الشرطة وطلبوا منه العودة إلى بيته بسرعه. فقد الرجل أعصابه واندثر الأمل في حياة عادلة. فبدأ يرمي فوق رأسه كل ما كان في عربته. لتتبعثر الفواكه على الطريق.إنه شعب منهك بجشع حكامه وسوء إدارتهم لتأتي الكورونا وتساندهم فتدوس بقوة على رقاب الفقراء والمساكين.
أي ميتة أفضل؟
يا لها من أيام مستعصية على الحياة تتكاثر مؤخراً. الشجر فيها يعوي والكلاب تحتها خائفة. وعواميد الكهرباء تقف كالبلهاء إلى جانب الطرقات تنتظر من ينظم نشراتها السوداء المزدحمة فوقها إما بسبب الجوع وإما بسبب المرض.
السلام عليك يا بيروت، يا من فرغت منك النعمة وبكى الرب معك.. مباركة أنت بين المدن المنكوبة ومباركة ثمار بطنك المبعثرة على الطرقات. مباركة.. مباركة.. مباركة.
إلى القط نيلسون
ومن لبنان إلى اليمن، حيث كتب شاب يمني مبدع يدعى أصيل سويد قصة قطة يمنية بعثت برسالة إلى قط إنكليزي يدعى نيلسون.
قصة مؤثرة نشرتها قناة «بي بي سي» عربي. أراد الشاب من خلالها أن يعبر عن مصاعب الحياة في مدينته تعز.
هكذا جاءت الرسالة:
«مرحبًا نيلسون أنا هيلن، كما يدعوني هذا الشاب الشقي المدعو أصيل، أما إسمي الحقيقي فهو خوزران.
هو يدعوني بالاسم الأجنبي هيلين محاولة منه لرفع معنوياتي.
لطالما عرض عليّ المبيت في منزله المتواضع واعتباري فرداً من أسرته.
لكنني كنت دائماً أرفض مفضلة العيش مع القطط البائسة في شوارع هذه المدينة، تائهين بين أزقتها متجولين حول أكوام القمامة، التي تراكمت وغطت البراميل. نبحث في تلك الأكوام عن لقمة العيش وأحياناً لا نجدها في ظل الحرب. لقد كانت القذائف تنهال علينا وكنا أسرى الحصار القاسي.
أصبح الكثير من المواطنين يأكلون معنا من أكوام القمامة، فهم لم يعودوا قادرين على توفير لقمة العيش لأنفسهم بسبب الفاسدين وتجار الحروب. وخلال الفترة الأخيرة ساءت الأوضاع جداً.
آه يا نيلسون الجميع هنا يقتلون بعضهم البعض.
يا عزيزي نيلسون حدثني أصيل عنك وجعلني أشاهد صورك في الانستغرام على حساب صحافية يمنيّة بريطانية اسمها سميّة. ظننتك مغروراً في بداية الأمر وأنا أتمعن في صورتك وأنت ترتدي قميصاً برتقالي اللون، أنيق الشكل.
ثم ناداني أصيل وأخبرني أنك عانيت كثيراً، وأنك كنت أيضاً مشرداً قبل أن تصبح فرداً من أسرة سمية.
أنت لطيف ومحبوب جداً، ورقيق المشاعر لذلك عانيت كثيراً.
يظن الأغلبية أننا قطط بلا مشاعر وناكرون للجميل.
أعرف الشعور جيداً عندما يعيلك أحدهم بعد ضياعك في الأزقة والشوارع ويجعلك تشعر أنك قط حقاً ومهم لدى أحدهم ولك مكان ما في هذا العالم».
عندما قرأت الرسالة بكيت بحرقة على أطفال اليمن على ضحايا الحروب والمجاعات. على أناس رحلوا ولم يهتم لرحيلهم أحد. على جثث شباب لم تجد من يدفنها.
وتساءلت هل كان العالم ليهتم بكورونا لو كان فقط يطال الفقراء والمنكوبين؟
وباء كورونا ليس أقسى من الجوع.
فطوبى لكل من يمد رغيف خبز لجائع.
*كاتبة لبنانية