فيروس رجعي: كورونا وفرصه الثقافية

ظهر كثير من التحليلات ذات الطابع الأيديولوجي، مع الانتشار السريع لفيروس كورونا حول العالم: هذا الوباء، رغم كل ما يحصده من أرواح، قد يحمل فرصاً اجتماعية وسياسية لم تكن في الحسبان. البعض يرى أنه قد يكون منطلقاً لتغيّر جذري في الرأسمالية كما نعرفها، نحو مزيد من السياسات الاجتماعية والتنسيق فوق الوطني. فهو يطرح مسائل ملحة مثل تعميم الرعاية الصحية للجميع على مستوى عالمي، وعدم ترك القرارات الاقتصادية المصيرية لحركة الأسواق الحرة.
يؤكد آخرون على أن الوباء هو إشارة تحذير للبشرية، التي تمادت في استثمار الطبيعة والسيطرة عليها. لدرجة أن انخفاض نسب التلوث في بعض المدن الصينية والإيطالية، نتيجة توقف النشاط الصناعي وحركة النقل، اعتُبر من إيجابيات الفيروس التاجي. يعتقد بعض المتدينين أن ما يحدث فرصة للتكافل الاجتماعي والعائلي، والعودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، التي ابتعدت عنها المجتمعات الحديثة. عموماً كورونا هو فرصة لاكتساب وعي ما. يحاول كل طرف تحديده حسب أيديولوجيته وأمانيه.
من جانب آخر انتشر كثير من التصورات الديستوبية عن مستقبل البشرية بعد كورونا: عالم أكثر قمعية وسلطوية، أزمة اقتصادية كبرى تهوي بمئات الملايين من السكان إلى الفقر والبطالة والتشرد، وانهيار دول بأكملها.
لا توجد مؤشرات وأدلة كافية لتقييم صحة أي من هذه التصورات. التغيرات التاريخية الكبرى، غالباً ما تحدث بصورة مغايرة لتوقعات المعاصرين، ولا تتّبع نسقاً متسقاً يمكن تصوّره سلفاً. دعك من أنه لا يمكن الجزم بأن البشرية على عتبة تغيّرات كبرى أصلاً، أو أن الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة هشة لدرجة عدم القدرة على استيعاب تداعيات الوباء. ربما كان الأجدى مناقشة ما يجري في الحاضر، أكثر من التسرّع في إطلاق التنبؤات المستقبلية، والحديث بمنطق «نهاية العالم». فهل يحمل كورنا بالفعل فرصاً اجتماعية وبيئية وأخلاقية إيجابية في سياقنا الحالي؟ وما هي نتائجه على مستوى الخطاب العام، ونظرة البشر لأنفسهم وعلاقاتهم الاجتماعية؟ هل يمكن اعتباره فيروساً «تقدمياً»، بمعنى أنه سيقوم بتسريع تحقق إمكانيات كامنة في المجتمعات والمنظومة العالمية، أم هو فيروس «رجعي» يساهم بتجميد الأوضاع الحالية، وتقوية مظاهر ظُن أن البشرية اقتربت من تجاوزها؟

إمكانيات العزلة

يعيش الملايين حالياً تحت إجراءات مثل، تقييد الحركة أو حظر التجوال، التي أصبحت ضرورة لا بد منها في معظم البلدان التي تفشى فيها الفيروس. يناقش كثيرون الإمكانيات التي يمكن أن توفرها العزلة الاجتماعية المفروضة، مثل تطوير أشكال إدارية أكثر مرونة، وتغليب مبدأ العمل من المنزل، في حين يناقش آخرون عدم عدالة هذا: أنماط معينة ومحدودة فقط من العمل لديها رفاهية تحمّل العزلة، وهي أنماط عمل الفئات الأكثر حظاً أساساً، في حين سيفقد آخرون، ممن يعتمدون على عملهم اليدوي اليومي، مصدر رزقهم، أو يضطرون للعمل في الخارج، معرضين أنفسهم لخطر العدوى.
من الصعب اعتبار انتصار مبدأ العمل من المنزل، في قطاعات العمل المرن، تطوراً كبيراً في نمط الإدارة الحالي، فالميل لضغط النفقات، وابتكار أساليب أكثر سيولة في استخلاص أعلى إنتاجية من الموظفين، معروفٌ ومتّبعٌ منذ زمن، كما أنه لا يشمل إلا جانباً محدوداً من العمالة، وإلى جانب محدوديته فلا يمكن توقع استمراريته إن لم يثبت نجاعته المالية والإدارية. الأكثر إثارة للانتباه هو تعزز اتجاه تفكك مواطن العمل التقليدية، حيث يعمل البشر معا، يتعرضون لنمط موحد من الاستغلال والتطويع، ولكنهم في الوقت ذاته يكتسبون إمكانية تطوير علاقات اجتماعية تضامنية، تساعدهم على تحدي الاستغلال، وتحسين ظروف حياتهم. هذه الإمكانية ليست مطروحة بشكل كبير في قطاعات العمل المرن، التي يسودها أصلاً التنافس وضعف الأشكال التضامنية، ولكن في قطاعات أكثر تقليدية، يسهلُ فيها اكتشاف «العمالة الفائضة» تحت ضغط الأزمة، سيؤدي الميل لـ«المرونة» إلى تقليص أكبر لحقوق العمل، وضغط أكبر على العاملين، يضعف أي فرصة تضامن ممكنة، تحت تهديد الإرسال للبطالة المنزلية المفروضة.

يبدو الحديث عن عجز الرأسمالية عن مواجهة الوباء أمراً مبالغاً فيه، تنافس شركات الأدوية مثلاً على إيجاد أدوية ولقاحات للمرض، عاملٌ إيجابي في تطوير البحوث الطبية، إذا ابتعدنا عن نظريات المؤامرة، كما أن ضرورات السوق الحالية تشجّع مزيداً من الإنتاج في مجال المعدات الطبية.

وكما يؤدي تفكيك مواطن العمل إلى تدني فرص التضامن الاجتماعي، ذات الطبيعة التعاقدية، فإن العزلة المنزلية تعزز اتجاهين أكثر انغلاقاً: الأول هو الفردانية، المرتبطة بدعوات الاستفادة من الوقت الفائض لتطوير المهارات الذاتية، وهو اتجاه يُعرّف الفرد بوصفه مجموعة مهارات قابلة للاستثمار ضمن «مساحة خاصة»، بمعزل عن السياق الاجتماعي. والثاني هو العائلية، فكل العلاقات الاجتماعية، بما فيها الصداقة والجيرة والمحبة، تعتبر ترفاً زائداً عن الحاجة في زمن الحَجر، في حين تبقى العائلة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية، التي يعتبر التواصل فيها بين الأفراد مقبولاً، رغم كل ما تتيحه من فرص اختلاط بين أجيال متعددة، تتفاوت مناعتها تجاه المرض.
يصعب اعتبار تعزيز العزل المنزلي للفردانية والعائلية فرصة ثقافية ذات أبعاد تقدمية، كما ان إغلاق المساحات العامة يمكن أن يقوّي كل أشكال السلطوية والاستغلال. بهذا المعنى يمكن اعتبار كورونا متماشياً مع اتجاهات سياسية واجتماعية ظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، رفضت ما هو اجتماعي تعاقدي لمصلحة انعزال فردي وهوياتي في الآن ذاته، وبالتالي فالوباء لا يصيب الأيديولوجيا النيوليبرالية في مقتل بقدر ما يعززها ثقافياً.

التواضع الإنساني

الميل إلى ذمّ الحضارة والمدنية، اتجاه ثقافي لم يرتبط على الأغلب بتطلعات تقدمية، بل كان ملازماً لحركات ذات أيديولوجيات دينية وشبه دينية، لعنت «المدن الفاسدة»، التي فقدت قيمها المتعالية، وغرقت في الجشع والخطيئة، والنتيجة في كثير من الأحيان كانت إقامة أنظمة شديدة التزمت والقمعية، فرضت أحكام «مدنها السماوية» بقسوة على البشر. يُبدي جانب من الحركات البيئية في عصرنا سمات مشابهة، من خلال معالجة المشاكل البيئية، بوصفها اعتداءً على الطبيعة من البشر الجشعين والمحبين للاستهلاك، فتبدو الحضارة الحديثة بحد ذاتها خطيئة، بما يلازمها من تصنيع وحضرنة وتطوير للاحتياجات الإنسانية.
قد يكون إغلاق المعامل في الصين وعدد آخر من الدول أدى إلى انخفاض التلوث، ولكن لا يمكن اعتبار هذا عاملاً إيجابياً بحد ذاته، فتعثر الصناعة هو مأساة لآلاف العمال الذين فقدوا فرص عملهم أو انقطعت مصادر دخلهم، ولن يساعد الهواء النظيف هؤلاء كثيراً في تجاوز محنتهم، إضافة للتداعيات الاقتصادية، التي ستدفع الفـــــئات الأفقر ثمنها على الأغلب، فإن حالة الطوارئ التي فرضها الوباء تبدو مغرية للتعميم. يرى بعــــض الناشطين البيئيين، أن المشاكل البيئية لا تقلّ خطورة عن انتشار فيروس كورونا، ويطالبون بحالة طوارئ بيئية صارمة، تسمح للدول باتخاذ إجراءات إنقاذية لا تُعنى كثيراً بالآليات الديمقراطية. يمكننا بسهولة تخيّل مطالب مشابهة من كل مجموعة أيديولوجية، ترى في الإجراءت الاستثنائية خلاصاً من ابتعاد البشر «الأنانيين» عن أفكارها وضروراتها.
الخوف على كبار السن وضعيفي المناعة جانبٌ أساسيٌ في الجهد المبذول في مواجهة الوباء، ينبع أساساً من قيم التعاطف والتضامن، وهي قيم إنسانية تطوّرت في إطار اجتماعي، ولا توجد بالشكل نفسه في البيئات الطبيعية، التي لا تهتم كثيراً بقيم الخير والشر والتعاطف. فضلاً عن كون الطبيعة نفسها، والحديث عن التوازن فيها، مفاهيم إنسانية بدورها. عدم قدرة كثيرين على فهم هذا يبيّن مدى مساهمة الفيروس في إنعاش دعوات غير تقدمية للغاية.

كورونا والثورة

يبدو الحديث عن عجز الرأسمالية عن مواجهة الوباء أمراً مبالغاً فيه، تنافس شركات الأدوية مثلاً على إيجاد أدوية ولقاحات للمرض، عاملٌ إيجابي في تطوير البحوث الطبية، إذا ابتعدنا عن نظريات المؤامرة، كما أن ضرورات السوق الحالية تشجّع مزيداً من الإنتاج في مجال المعدات الطبية. تلعب الدول بالتأكيد دوراً شديد الأهمية في التخطيط الاقتصادي، وقد تضطر أحياناً لإجراءت تشبه التأميم، كما حدث في الأزمة المالية عام 2008، ولكن هذا لا يعني انتصاراً للاشتراكية، فالرأسمالية لم توجد يوماً إلا بارتباط مع الدولة وإجراءاتها، والسوق الحرة بالكامل ليست إلا نموذجاً أيديولوجياً.
قد تساهم بعض الأزمات باندلاع ثورات اجتماعية كبرى، ولكن الوباء لا يبدو حتى الآن أزمة من هذا النوع. في غياب المجتمع والطبقة والمساحة العامة لا يمكن الحديث عن تغيير، مهما اكتسب الأفراد من الوعي أثناء عزلتهم. تحتاج قضايا مثل تعميم الرعاية الصحية، وتخفيف عبء الأزمة عن الفئات الأدنى، جهوداً اجتماعية أكثر تكاملاً وتنظيماً، تسعى لاستعادة البشر للسيطرة على إنتاجهم لعالمهم، وهو ما كان يبدو صعباً ومتعذّراً حتى قبل الوباء. ربما كان العمل على ترميم المجتمعات والحيّز العام بعد الأزمة، أكثر جدوى من تخيّل نتائج ثورية لوباء لا يمكن أن يجلب معه كثيراً الإيجابيات، وهذا يتطلّب أساساً الإصرار على رفع الإجراءات الاستثنائية فور انقضاء الضرورات الطبية الملحة، والتمسّك بالديمقراطية وإمكانياتها الاجتماعية، بدلاً من التنظير لعدم فاعليتها.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية