احتفلت تونس منذ أيام قليلة بالذكرى الحادية عشرة لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي حكم تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 20 اذار/مارس 1956، وحتى 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987، حينما أزاحه زين العابدين بن علي عن الحكم بدعوى تردي الحالة الصحية لبورقيبة، الذي توفي في السادس من نيسان/أبريل العام 2000، لم يشأ زين العابدين أن يقيم جنازة تليق بالرجل الذي قاد النضال ضد المستعمر الفرنسي، لأن بن علي يخشى أن ينافسه أحد في تونس، حتى لو كانوا من الأموات، لذلك حاول قدر استطاعته أن يقلل من الحدث وعدم إعطائه أهمية في وسائل الإعلام الرسمية التونسية، على الرغم من توافد الرؤساء والزعماء لتشييع المجاهد الأكبر كما سمى بورقيبة نفسه.
جاءت الذكرى الحادية عشرة لرحيل الحبيب بورقيبة، وتونس تحتفل بانتصار شعبها على ديكتاتورية بن علي الذي لم يصنع لنفسه مكانة في قلوب التونسيين، بل كان هما وثقلا عليهم، وقد رأيتهم حينما كنت بينهم كيف يحملون العداء للزين، ويبجلون الحبيب الذي لم يُكدس الأموال ونهب الثروات، بل كان وفيا لمشروعه الذي آمن به وكرس جهوده للعمل به.
لا ينكر أحد أن الزعيم بورقيبة قاد تونس إلى مرحلة متقدمة من التطور والتنمية، خاصة فيما يتعلق بالتنمية البشرية، حيث اعتمد على العنصر البشري في عملية البناء والتطوير، إذ أن الموارد الطبيعية والثروات المعدنية لتونس قليلة أو تكاد لا تذكر إذا قورنت بجارتيها الجزائر وليبيا، لكن مع كل ذلك استطاعت تونس بفضل أبنائها أن تتقدم كثيرا في مجال التنمية المعرفية، فقد ساهم التعليم المجاني والرعاية الصحية في ريادة تونس ليس على المستوى العربي، بل على المستوى الأفريقي، أضف إلى ذلك الاهتمام بالقطاعات الشبابية والثقافية، وكان الانفاق على وزارتي التربية والتعليم والصحة في عهد بورقيبة كبيرا مُقارنة بما تنفقه الدول العربية المهتمة بالتسلح والصفقات العسكرية، أضف إلى ذلك أنه لا تخلو قرية من قرى الريف التونسي من بيوت للشباب وبيوت أخرى للثقافة، ويعود ذلك إلى اهتمام بورقيبة الذي كان ذا ثقافة عالية وهو المحامي الوحيد الذي حكم دولة عربية منذ استقلالها، لذلك يصفه البعض بأنه ‘الزعيم العربي الوحيد الذي مارس الإصلاح الديني تطبيقا، والوحيد الذي نقل أفكار المصلحين الكبار إلى أرض الواقع’. بنى بورقيبة تونس على أسس دستورية مدنية تؤهلها للحياة كدولة حديثة، تقوم على مؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية مستقلة، وتديرها أياد وعقول مدربة ومؤهلة، وفي المقابل لا بد أيضا من الاعتراف بأن بورقيبة كان مستبدا في بعض القرارات التي اتخذها، لكنه كان مستبدا مستنيرا كما وصفه أحد الكُتاب.
اجتمع بعض النساء المتحجبات حول ضريح الحبيب بورقيبة في مدينة المنستير، وهن يبكين على الرجل الذي نزع الحجاب عن جداتهن، لكنه في المقابل منح المرأة التونسية بعض الحقوق التي تسعى نساء أخريات في بعض البلدان الإسلامية لنيلها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، قد يكون البكاء على ضريح الحبيب بورقيبة نوعا من الوفاء للرجل الذي استفاد من أفكار الطاهر الحداد صاحب كتاب (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) الذي قال عنه طه حسين بعد وفاته ‘لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين’، وكان الطاهر الحداد قد سبق بورقيبة في المناداة بتحرير المرأة.
بقي الزعيم الحبيب بورقيبة في ذاكرة تونس وسيبقى طويلا، لأنه وضع اسمه في مكان لا يصل إليه النسيان، وسيحتفل التونسيون مرات ومرات بالذكرى السنوية لرحيل المجاهد الأكبر، أما من يحاول طمس الرموز فإنه سيذهب إلى مزبلة النسيان، فلا محبة له ولا يُذكر مع المذكورين. محمد الشحري – سلطنة عمان