أظهرت دراسة جديدة، أشرفت عليها جامعة لايبزيغ الألمانية، أن الغالبية العظمى من الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ما زالت واثقة من المستقبل، بالرغم من الحرمان الاقتصادي وقلة المشاركة السياسية. ويبدو هذا الوثوق بالمستقبل مُستغربا بالنظر لمشاعر الخيبة، التي أثارتها انتفاضات الربيع العربي عامي 2010 و2011 التي شارك فيها الشباب بوجه خاص. لكن بحكم ظروفهم الاجتماعية الصعبة يجدون أنفسهم مُمزَقين بين النزوع إلى الهجرة وتشبثهم بروابطهم القوية بأسرهم وأوطانهم.
صدرت الدراسة الميدانية في كتاب عن دار الساقي (504 صفحات) في أواخر 2019 وشارك في إعدادها باحثون مرموقون من العالم العربي وأوروبا، وحررها أستاذان ألمانيان هما يورغ غرتل ورالف هكسل. وهي تتمحور حول سؤالين رئيسين: كيف يبدو وضع الشباب بعد ست سنوات على ما يعرف بـ”الربيع العربي” وكيف يتعامل الشباب مع حالات فقدان الأمن وغياب اليقين التي يواجهونها في حياتهم اليومية؟ ولإنجاز هذه الدراسة أجريت مقابلات مع نحو تسعة آلاف شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، في ثمانية بلدان من منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، هي مصر وتونس والبحرين والمغرب وفلسطين ولبنان والأردن واليمن، إلى جانب اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان.
دلالات الربيع
على صعيد تحديد المصطلحات، استخدم المؤلفون مصطلح “الربيع العربي” الذي بات مثيرا للجدل، بالنظر لدلالته الموسمية، فهو بداية فترة زمنية، وفي الوقت نفسه هو أمارةٌ على تطور إيجابي، وقرروا استخدامه بالرغم من الجدل الذي يثيره في بعض الأوساط الأكاديمية. كما ناقشوا توصيف حال الشباب في ظل الاضطرابات والأزمات التي تشهدها المنطقة، والتي تتخذ أحيانا طابع الصراعات العسكرية، والهجمات الإرهابية، وأحيانا أخرى انهيار الدولة. واختاروا في النهاية “فقدان الأمن” و”غياب اليقين” بوصفهما مصطلحين رئيسين لوصف أوضاع الشباب.
دللت نتائج الدراسة على أن الشباب هم الفاعلون الرئيسيون في تحديد مستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، إذ يشكل أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، حوالي 30 في المئة من السكان، لذا تشكل مواقفهم وقيمهم ورؤاهم مؤشرات واضحة على التطورات المستقبلية المحتملة في مجتمعاتهم. وبالرغم من أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بلدان المنطقة لا تمنح مساحة كافية من التفاؤل، حتى قبل اجتياح وباء الكورونا، رسمت نتائج الدراسة صورة لشباب يتمتعون بمستوى تعليمي أفضل من أي وقت مضى، وعلاقة وثيقة بأوطانهم. كما أنهم يتميزون بنظرة إيجابية للحياة، وهم مستعدون لتحمُل المسؤولية والالتزام اجتماعيا، أي بناء أسرة. غير أن هياكل السلطة السائدة في غالبية بلدانهم تحول دونهم ودون المساهمة بمواهبهم ومعارفهم، على نحو فعال، في تحديد أطر حياتهم ومجتمعاتهم. وعلى هذا الأساس يؤكد واضعو الدراسة أن المنطقة لن تنعم بالاستقرار والنمو إلا متى كان الشباب قادرين على المشاركة في صنع أطر المستقبل، على الواجهتين السياسية والاقتصادية، وذلك يتطلب، على ما قال الباحثون، النجاح في إنشاء نماذج مجتمعية أكثر شمولا.
موقف من الجيش
أظهرت الدراسة أيضا أن مستويات الثقة بالمؤسسات الحكومية وغير الحكومية متدنية في أوساط الشباب العرب. واللافت أن الجيش حظي بأعلى مستوى من الثقة لدى الشباب الناشطين، إذ عبر 54 في المئة من المستجوبين عن ثقة كاملة فيه. وحقق النشطاء التونسيون واللبنانيون أعلى نسبة ثقة بالمؤسسة العسكرية بـ79 في المئة، فيما سُجل أدنى مستوى من الثقة في أوساط الناشطين الفلسطينيين، بنسبة 24 في المئة. ويقول واضعو الدراسة إن النتائج لم تُفاجئهم، لأن الجيش في تونس لم يقف إلى جانب الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، خلال الانتفاضة في 2011، وليس له تاريخ في ممارسة القمع. كما لعب دورا حيويا أيضا في العهد الجديد، في مكافحة الإرهاب. أما في الأراضي الفلسطينية، فلا يوجد جيش فعال، وإنما قوات أمن تملك قدرات شبه عسكرية. ونتيجة للخلاف بين “حركة حماس” والسلطة الفلسطينية في أعقاب الانتخابات البرلمانية في 2006 دخلت قوات الأمن الوطنية في مواجهة مباشرة مع “حماس” ما أدى إلى تعميق الانقسام بين الفلسطينيين. واعتبر المؤلفون أن تلك التطورات تُساعد على تفسير مستويات الثقة المنخفضة، بين أوساط الشباب الفلسطينيين، إزاء جيشهم.
وتطرق المسح الميداني أيضا إلى موقف الشباب في البلدان الثمانية من القوات الأمنية، وأتت النتائج دون المكانة التي يحظى بها الجيش، فقد صرح 28 في المئة فقط من الشباب المُستجوبين بأن لديهم ثقة كاملة في الأجهزة الأمنية. ولا تبعد الثقة بالأجهزة القضائية عن الثقة بالشرطة، فهي لا تتجاوز 27 في المئة، أما أعلى مستويات الثقة فسُجلت لدى الشباب المصري، إذ يثق 43 في المئة منهم بالنظام القضائي.
مستويات متفاوتة
لكن ما مدى ثقة الشباب بحكوماتهم؟ يُظهر المسح الميداني أن مستوى ثقتهم بالحكومة منخفض، إذ لم يتخط 24 في المئة من المستطلعين الناشطين. وأتت ثقة اللبنانيين بحكومتهم في المستوى الأدنى، إذ أن 63 في المئة منهم لا يثقون بها على الإطلاق. وعلى العكس من ذلك، وصل شعور الثقة لدى الناشطين الأردنيين والبحرينيين مستوى لا يقل عن 65 في المئة و80 في المئة على التوالي. وعلق الباحثون بأنهم لا يعلمون إذا ما كانت تلك النسب ناتجة عن أداء أفضل لدى الحكومتين، أم بدافع الخوف من انتقادها.
أما المؤسسة التي حظيت بأدنى درجة من الثقة في أوساط الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، فهي البرلمانات، إذ أن 12 في المئة فقط من هؤلاء النشطاء الشباب يثقون ببرلمان بلدهم “وهو ما يدل على مستوى الوعي بتزوير الانتخابات وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، ما يؤدي بدوره إلى إضعاف البرلمان، بصورة أكبر ويجعله ناطقا باسم الحكام” على ما قال مُحررو الدراسة. ومن الأمور المُثيرة للغرابة أن ثقة الشباب التونسيين بالبرلمان أتت في المستوى الأدنى (10 في المئة) إلى جانب البحرين (8 في المئة) واليمن (10 في المئة) وفلسطين (10 في المئة) بالرغم من أن تونس هي الوحيدة التي تشارك في نشر الديمقراطية في المنطقة. وأورد محررو الدراسة تصريحا لشاب تونسي يبلغ من السن 25 عاما، قال فيه “قدم أعضاء البرلمان وعودا وهمية ولم يفوا بها. ليسوا أهلا للثقة. هم لا يتحملون مسؤولياتهم تجاه المواطن”.
نقد الأحزاب
ونقلوا أيضا عن شباب تونسيين آخرين نعتهم للسياسيين بالكذابين المنغمسين في الخلافات، والذين لا يعملون إلا لمصلحتهم الشخصية. واللافت للنظر أن الأحزاب السياسية تحظى بأدنى قدر من الثقة لدى الشباب، ففي البحرين وتونس تبلغ النسبة على التوالي 2 في المئة و3 في المئة. وأظهر المسح أيضا ميلا لدى الشباب في المنطقة لاعتبار الأحزاب “مجرد واجهة مُضللة وأدوات لاستمالة المعارضين وإضفاء شرعية على الحكام في أنظار المجتمع الدولي”. ولدى التطرق إلى ضعف المشاركة السياسية والاجتماعية للشباب، توزعت الإجابات بالتساوي بين غياب أو ندرة المبادرات بالقرب من إقامتهم، واضطرارهم إلى العمل لسد حاجات أسرهم، فيما قالت رنيم الطالبة اللبنانية من صور، ذات الـ22 ربيعا “همي الوحيد حاليا هو إنهاء دراستي. أنا لا أفكر في أي شيء آخر، ولم أنضم إلى مجموعات أو منظمات”.
التطوع والواجب الأسري
واستطرادا أظهر التطرق إلى المشاركة المدنية للشباب أن ثلثي الأشخاص الذين تم استجوابهم يشاركون في الأعمال الرامية لتحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي، ويتطوعون لمساعدة الفقراء والضعفاء وحماية البيئة. لكن الثلث فقط من النشطاء يشاركون عبر منظمات المجتمع المدني. ولسد هذه الفجوة بين استعداد الشباب للمشاركة وإحجامهم عن الالتزام ضمن منظمة ما، ينصح الباحثون ببحث كيفية الوصول إلى الناشطين، ضمن الحيِز غير الرسمي للمجتمع المدني والتعاون معهم. وتطرق المسح إلى موقف الشباب من الالتزام الأسري، فأظهرت الأجوبة أن 90 في المئة من المُستجوبين، عدا البحرينيين، أن المرء بحاجة إلى أسرة ليعيش حياة سعيدة، كما يرغب غالبية الشباب بتربية أبنائهم بالطريقة نفسها التي تربوا بها. لكن الصورة تختلف نسبيا في اليمن والبحرين ومصر، حيث يعارض نحو 40 في المئة هذه الطريقة، ويريدون تربية أطفالهم بطريقة مختلفة نوعا ما، أو مختلفة تماما عن والديهم.
إجمالا، شكل هذا المسح الميداني محاولة لسد الثغرات في المعلومات، عبر مجموعة واسعة من الأسئلة، ومن خلال عينة تمثلت في ألف شاب وشابة من كل بلد من البلدان الثمانية، خاصة أنه لم تُجر في الماضي، أية تحقيقات شاملة تتناول الوضع اليومي للشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بصورة منهجية، وعلى مستوى عابر للأوطان.