«المكان بالنسبة لي هو الذي عرفتُه وأعرفه، المكان بأل التعريف، أو مكاني أنا، أو مكاننا نحن، أهلي وأصدقائي وأقاربي، ليس حيفا، أو ليست حيفا التي أتت منها ريما، بل حيفا التي نعرفها كلنا، التي يعرفها كل أهل المخيم، تلك هي حيفا التي إن كان لابد من عودة إلى حيفا ما، فلتكن إليها». (الرواية)
إن التنقيب عن إجابات وافية لسؤال الهوية وانشطاراته، يُمكننا العثور على بعضها في رواية «سيناريو» دار الأهلية للنشر والتوزيع 2019 للفلسطيني السوري، سليم البيك، حيث تستمد محاكمة الواقع في رواية البيك، قوتها من اللغة التي وظفها في سياق نِزالٍ حرٍ، يزيح لغة التورية والتخفي، ليُسقط عن وجوهنا كل الأقنعة المحتملة والقائمة في آن، خاصة حينما يمس الأمر سؤال الهوية الفردية والجمعية وإفرازاته النفسية والاجتماعية والوطنية، على حد سواء.
وبما أننا نتحدث عن سؤال الهوية ومفاهيمها الفردية والجمعية، حيث تقع المواجهة مع واقع السسيولوجيا السياسية، فنحن حتما نتحدث عن ذلك الصراع الخفي حينا، والمُعلن أحيانا، بين هواجس الأنا وشأن النحن، التي دُفع إليها الفلسطيني دفعاً داخل وخارج المكان والزمان في اللحظة ذاتها، لحظة أن نكون الشيء ونقيضه، الحقيقة والزيف، الأصل والبديل، كالصورة ونسخها المشوهة أحيانا. ولأن أنا اللاجئ، هي ماهية خاصة متمايزة بصفة زائدة، أو طارئة، كما يصفها الأكاديمي الفلسطيني أحمد برقاوي، في كتابه المعنون بـ «الأنا»، فهي أيضا ماهية متناقضة بين الثابت والمتحول، المؤقت والدائم، منشطرة في الزمان والمكان، الأمر الذي نلمسه في رواية البيك، وهو يقول على لسان بطله كريم ـ الذي افتتح مقالا كتبه ذات يوم بعنوان «منفى فلسطينيي سوريا المتعدد»، «الحديث عن المنفى لا يكتمل بدون الحديث عن معنى الإقامة لدى المنفي، فهو يدرك أن مكاناً ما يكون منفى له من خلال إدراكه المسبق لمكانٍ آخر يكون له (أو كان له) مكان إقامة واستقرار وطمأنينة، بدون أن أضطر هنا لتسمية هذا المكان بالوطن» )سيناريو). وهو بالمناسبة مقال كتبه بالفعل سليم البيك كي يلقيه في منتدى «كتابة (في) المنفى» المقام في برلين عام 2017، ونُشر في مجلة «الدراسات الفلسطينية».
الفعل والدلالة
نسج البيك روايته على شكل سيناريو مُتخيل، كتبه كريم بطل العمل عن علاقته بأربع نساء وحيفا، أجاد التعبير عن حالة الإرباك والتوتر وعدم اليقين التي عاشها البطل بين حالات لجوئه السابق والحالي، وآماله الحاضرة والمستقبلية، لتنسج حالة الإرباك هذه، شباك ظلالها على القارئ بدوره، ربما كي يدفعه لطرح مزيد من الأسئلة كأن يقول: ما هي ضرورات التوظيف المفرط في بعض المشاهد للغة الماجنة، خاصة حينما لا يتردد في وصف المشاهد الجنسية، وصفا تفصيليا لا يسمي الأشياء إلا بأسمائها؟ وكيف تمكن من نسج حكاياته الغرامية وتفاصيلها، فيما كانت حيفا هي الخلفية الثابتة والموضوع الأساس على طول الرواية وعرضها؟ وأخيراً هل أراد أن يكتب سيناريو فيلم سينمائي بالفعل؟ أم أراد أن يحدثنا عن قصة حياته؟ خاصة أن الفواصل ما بين الراوي في العمل وكاتب الرواية كانت شبه مختفية لصالح الأخير. ولأنها أسئلة مشروعة، لسنا بحاجة لتناول إجاباتها، قدر حاجتنا لتفسيرها، أو الوقوف بالقرب منها، سنجد أن التماثل بين سؤال الهوية لدى الراوي، بوصفه مساحة القلق الوجودي المقيم، والجسد بفضائه الصريح، باعتباره المنفى القائم، هو تماثل جاء ليعبر عن العلاقة الدلالية بين أنا ونحن في البعد الفلسفي، والجسد والنص في البعد الأدبي السردي.
اللغة وفضاءات السرد
وأما في العلاقة بين الجسد والنص، في ظل الاشتغال على اللغة الإيروتيكية، ولكي لا يقع الكاتب في فخ الاستخدامات المجانية، فتتحول اللغة من لغة ذات معان ودلالات، إلى لغة كتابة بورنوغرافية، نجح البيك، في تخليق فضاءات موازية بين حيفاه ونسائه الأربع، في خلفية النص من صفحاته الأولى وحتى الأخيرة، فكانت علاقته بشارلوت، هي علاقة اللاجئ في صراعه المستمر مع هويته الآدمية المادية، وإفرازاتها المكانية خارج فضاءاته المحتملة «المخيم، حيفا، سوريا» فنجده يقول على لسان بطله: «لجوئي هنا أعيشه في كل لحظة، هو البرغر التي التهمتُها قبل ساعات، هو المطعم الذي جلستُ على أحد كراسيه، هو الكرسي وهو كأس النبيذ الأحمر وهو القطرة منه، التي سقطت على جينزي أثناء حديثي، وأرادت شارلوت مسحها بمحرمتها وتراجعت بعدما رأت أين تماماً سقطت … هذه هي حالة اللجوء المادية وهذه لا تعني لي سوى أنني خارج المخيم، حيث لا نبيذ ولا برغر ولا شارلوت».
فيما تندرج علاقته بميلاني تحت سقف أو سقوف الصراع بين نحن وهم، أو أنا وهو، فميلاني هذه «لا تبالي في أن تفهم العلاقة، المقتنعة أكثر بأن حيفا الآن مدينة إسرائيلية، وأنني أقرب لأن أكون سورياً والآن لاجئاً في فرنسا وأنني بالتالي باقٍ هنا، وأن خلف ذلك تعقيدات ليست هي في حاجة لأن تتعرف عليها».
ولكن الأمر مختلف تماماً في علاقته بأول امرأة عرفها في المنفى الثاني باريس، وهي كلارا التشيلية، وآخِر من التقى بها وتعرف عليها في المنفى وهي ريما الحيفاوية، حيث كانت الواحدة منهن تمثل الشيء ونقيضه: «ريما، كما كلارا، تذكرني بحيفا كفقدٍ لم أنله يوماً، الاثنتان تذكرانني بأن علاقتي بالمدينة لن تكتمل يوماً، وأن التأسيس لاكتمالها قد فات أوانه، كلارا التي كانت علاقتي بها تفريغاً حسياً لرغبة فيها، اكتشفتْ أخيراً أن الجنس وكل الحياة لديها في مكان آخر، أو أني أنا المكان الآخر لحيث هي يجب وتحب أن تكون».
أما ريما فخلقت منذ لحظاتها الأولى في باريس، صراعاً خاصاً يمس الهوية المكانية للراوي، فكان صراعاً موازياً لصراع الهوية الفردية، أدخله والقارئ في مواجهة معلنة مع الكثير من واقع الحال المعقد في فلسطين المحتلة عام 1948 وسكانها الأصليين، «أجبتُ أخيراً بأني لا أعرف، فعلاً لا أعرف إن أردت الآن العودة إلى حيفا؛ لا أعرف أيضاً إن كانت إجابتي هذه قد تأثرت بتعليق ريما، بأن أهل حيفا أنفسهم يحاولون مغادرتها متى استطاعوا، إلى أوروبا تحديداً، الشباب منهم تحديداً، من يرون في أنفسهم كتّاباً تحديداً. أرادت أن تقول بأني مثال جيد لابن حيفا الراغب في تركها. وأنا كابنٍ لهذه المدينة، بالشكل الذي لا تفهمه ريما، لم أستطع أن أقول لحظتها أمامها «نعم، سأذهب إلى حيفا غداً صباحاً إن استطعت، ولأبقى هناك».
ولأن المنظومة السردية التاريخية، عادة ما تخضع لما يمكننا أن نسميه «بطريركية اللغة» فإن الكاتب، حاول جاهداً أن يمس بهذا التعسف الأيديولوجي، المهيمن على تناول القضية الوطنية، لصالح فضح أو تعرية سلطة النسق أو التابو، في تطبيق شبه حرفي لمقولة ميشيل فوكو: «إن الجسد هو أول موضوع تُمارس عليه السلطة فعلها، والحقيقة إن السلطة تخلق الفرد ابتداء من جسده».