في معرض حديثه عن ثورة الشعب الليبي في أيامها الأولى، صرح الرئيس الفرنسي ساركوزي بان الشعوب العربية سئمت (العبودية) التي كانت تعيش فيها، وقد يمر الكلام هذا على أسماعنا مرور الكرام، ولكن هذا الكلام يصور تماما كيف كانت الدول المتقدمة تنظر للشعوب العربية، وكيف كانت حكوماتها تنظر لحكومات هذه الدول، وعلى ضوئها تبني أسس التعامل معها.
شعوب مستعبدة تتسلط عليها حكومات لا تعرف من سياسة إدارة الدولة غير سرقة خيراتها وزيادة أرصدتها في المصارف الأجنبية والبطش بشعوبها واذاقتهم الهوان والذل، وكانت المعادلة السياسية لعلاقة حكومات الدول العربية مع الدول الكبرى في العالم تتلخص بمبدأ (نحمي حكمك وأرصدتك المالية الشخصية مقابل أن تحمي مصالحنا كدول عظمى). هذه المعادلة غير المتوافقة كانت السبب الرئيسي لتدهور أوضاع الشعوب العربية وتردي النواحي الاجتماعية والثقافية والعلمية، اضافة إلى الوضع الاقتصادي. للحد الذي فقدت فيه هذه الشعوب الثقة في نفسها وفي تحقيق قضاياها الوطنية والقومية. أدى هذا الحال بالشعوب العربية هذه إلى النقمة على حكوماتها وعلى الدول الكبرى في العالم، التي كانت تحمي هذه الحكومات، مما افرز ظهور حركات وجماعات تستغل الشعور الديني والقومي عند هذه الشعوب، فرأينا ظهور أحزاب تسمى نفسها أحزابا قومية تبنت أفكارا متطرفة ليس في إلغاء الآخر (غير العربي) فقط وإنما جعلت الإنسان العربي غير قادر على التعامل بشكل ايجابي مع الشعوب المجاورة لها وبنت عنده عقدة الخوف من هذا غير العربي وإيهامه بان كل ما في الوجود يتآمر عليه ويتربص به فتقوقع الإنسان العربي على نفسه بشكل جعله غير قادر على المشاركة في الحضارة الإنسانية بشكل فعال.
وأيضا ولدت في البيئة العربية هذه أحزاب دينية إسلامية تحولت شيئا فشيئا باستمرار التدهور العربي لتصبح حركات تؤمن بالعنف وسيلة لها في تحقيق ما تراها قد عجزت حكوماتها على تحقيقها لهم، والأمثلة على هذه الحركات والجماعات لا يحتاج للكثير من الجهد.
قد يسمي البعض ما يجري الآن على الساحة العربية بأنها فوضى غير محسوبة العواقب من قبل شباب تنقصهم الخبرة السياسية، والتخوف من نتيجة هذه الثورات هو تخوف مشروع، ومن المؤكد ان هناك مخاطر كثيرة تواجهها هذه الثورات، وهي حالة طبيعية جدا ونستطيع اعتبارها حالة مخاض للعبور إلى ضفة سياسية أخرى، ولا بد أن تكون فيها أخطاء ومن المؤكد ان الدول الكبرى سوف تحاول بشتى الوسائل تحويل هذه الأحداث لتكون نتائجها اقل سلبية عليها وعلى مصالحها، وقد تحاول تخفيف نتائج هذه الثورات لتصبح ملامحها اقل قتامة عليها، ولكن من المؤكد ان هذه الثورات مهما كانت كمية الأخطاء فيها وكيفما اتجهت الأحداث فيها حتى إذا أدت إلى إنتاج فوضى جديدة قد تستغرق سنين فان مما لاشك فيه انه في نهاية الأمر سوف تتجه بوصلتها لتوجه الشعوب هذه إلى بر التقدم والنمو، بدلا من ضياع عقود كثيرة في ظل دكتاتوريات من المؤكد أنها لن تقدم أي شيء لهذه الشعوب بمعنى اخر فان التوجه إلى مستقبل مجهول مؤقتا من قبل الشعوب أفضل من البقاء في حاضر ومستقبل معروف في ظل الدكتاتوريات.
انس محمود الشيخ مظهر دهوك[email protected]