سياسة «تحييد الخلافات» تتقهقر بين أنقرة وطهران بسبب سوريا

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد سنوات من نجاح إيران وتركيا في تطبيق سياسة «تحييد الخلافات» وتطوير العلاقات الاقتصادية بغض النظر عن الخلافات السياسية الحادة بين القوتين الإقليميتين الأبرز في المنطقة، بدأت بوادر انهيارها بالظهور بسبب تعمق الخلافات حول الأزمة السورية.
فطهران التي تعتبر الداعم الأول والأكبر لنظام الرئيس السوري بشار الأسد ما زالت تقف السد المنيع أمام احتمالات التدخل الدولي لإسقاط النظام الصامد في وجه الاحتجاجات الشعبية والمسلحة منذ أكثر من ثلاث سنوات، في مقابل أنقرة التي تعتبر أبرز القوى العالمية الداعمة للثورة السورية والضاغطة من أجل تحرك عسكري مباشر أو غير مباشر يساهم في إسقاط بشار الأسد.
وعلى الرغم من سلسلة الزيارات المتبادلة بين أنقرة وطهران على مستوى الرؤساء وكبار الشخصيات طول الأشهر الماضية، تمكن البلدان من تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما، مقابل فشل كبير في الوصول إلى أي تقارب في وجهات النظر حول القضايا السياسية في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بتصاعد الصراع بين القوى السياسية في كلاً من سوريا والعراق. مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، طالب في تصريحات صحافية، الإثنين، تركيا بعدم التدخل في شؤون دول الجوار، وبالبحث عن حلٍّ سياسي للأزمة السورية التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات ونصف سنة، على حد تعبيره.
ونقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن ولايتي، قوله إن بلاده تطالب جميع دول المنطقة -ومن بينها تركيا- بتجنب التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، معتبراً أن ما يجري في سوريا «عجيب ولا مثيل له في التاريخ»، وشدد على أن حل الأزمة السورية يجب أن يكون سياسيا وليس عسكريا.
تصريحات ولايتي جاءت بعد يوم واحد فقط من تراشق في التصريحات السياسية بين مسؤولين إيرانيين وأتراك، كشف عن حجم التوتر التي وصلت إليه العلاقة بين البلدين والذي تصاعد بسبب إصرار تركيا على أن تشمل ضربات «التحالف الدولي» ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» النظام السوري الذي تدعمه طهران، وتعتبره أنقرة «رأس الأفعى» والمسبب الأول والمباشر للإرهاب في المنطقة.
وما زالت أنقرة ترفض بشكل حاد المشاركة في «التحالف الدولي» من دون تلبية مطالبها حول سوريا، والتي عددها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريحات صحافية من العاصمة الأفغانية كابول، الأحد، بقوله: «تركيا لن تشارك في أي عمليات في سوريا دون تحقيق مطالبها الأربعة في هذا الشأن»، مضيفاً: «لقد تقدمت تركيا بأربع طلبات للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش بشأن ما يجري في سوريا: طلبنا إعلان منطقة حظر جوي، وإقامة منطقة آمنة، وتدريب السوريين وتزويدهم بالسلاح، وشن عملية ضد النظام السوري نفسه»، وتابع بالقول: «بدون تحقيق هذه المطالب لا يمكن أن نشارك في أي عمليات».
طهران التي ترفض بشدة أي تدخل دولي في سوريا، اعتبرت أن مطالبة تركيا المستمرة بإقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية «إنتهاك للقانون الدولي وللسيادة السورية»، واتهم نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان تركيا بـ»السعي نحو فكرة العثمانية الجديدة» في المنطقة، في الوقت الذي قال فيه رئيس الأركان الإيراني، إن تركيا «تعرقل وصول المساعدات إلى مدينة عين العرب (كوأني) السورية».
هذه التصريحات أثارت غضب تركيا، التي ندد المتحدث باسم خارجيتها طانجو بيلغيج، بتصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، التي تضمّنت ادعاءات «لا أساس لها من الصحة بحق تركيا»، مؤكدا أن أنقرة «ليست مضطرة لأخذ إذن من أحد، عند اتخاذ التدابير اللازمة حيال ما يهدّد أمنها القومي، في ضوء القانون الدولي».
وقال بيلغيج: «إن السلطات الإيرانية تربط موضوع مساعدة الشعب السوري بالحصول على إذن من دمشق»، مؤكدا أن تركيا «مدّت يد العون للسوريين بغية وضع حد للمأساة الانسانية التي يعيشونها، دون الشعور بالحاجة لأخذ إذن من نظام دمشق الفاقد للشرعية».
وأضاف المتحدث: «كان يُنتظر من دولة داعمة لنظام دمشق المسؤول الحقيقي عن ولادة مصيبة الإرهاب المحيطة بنا وتفاقمها لهذا الحد، أن تلتزم الصمت على الأقل من باب الخجل، حيال الكوارث الإنسانية في المنطقة وفي مقدمتها كوأني»، مشيرا إلى أن أنقرة أبلغت السفارة الإيرانية أنزعاجها «من (الشطحات) والادعاءات الواردة في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، والتي لا أساس لها من الصحة». ويبدو أن الخلافات السياسية بين البلدين سرعان من بدأت تنعكس على التبادل الاقتصادي والتجاري الذي لطالما عملتا على تحييده عن الخلافات السياسية، حيث ردت تركيا بالمثل على القرار الإيراني بـ «مضاعفة مبلغ فرق أسعار الوقود المحصل من الشاحنات التركية التى تعبر الأراضي الإيرانية».
وأصدرت وزارة المواصلات والاتصالات والنقل البحري التركية قراراً ينص على تقاضي مبلغ مماثل من الشاحنات الإيرانية التي تعبر أراضي تركية، وذلك استناداً على مبدأ المعاملة بالمثل.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية