إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أنهت حرب الأيديولوجيات، فما الذي ستُنهيه «حرب كورونا»؟ وهل سيجد المثقف الغائب عن الشأن العام فرصة ذهبية لاستعادة دوره في نقد المركزيات الكبرى؟
تبدو هذه الأسئلة مُبررة في ظل وقائع الجائحة، التي تتضخم يوما بعد يوم، وتضع العالم إزاء متغيرات من الصعب السيطرة عليها، حيث تتفكك أنساق قديمة، وتُحذَف أوهام كثيرة، وتحضر أسئلة أكثر رعبا، وحيث يبحث المثقف عن وظيفة لائقة، تُخلّصه من لعبة المراقب البارد، والناقد اللجوج، وصاحب البرج العالي، لتضعه عند عتبات ساخنة، هي الأقرب للطهرانية، أو ربما للفلسفة، أو للنقد الثقافي الجديد، حيث البحث عن ما وراء النسق المفضوح، والنص العاري، وحيث لا مجال للحديث عن السياق الرومانسي، والثوري، ولا عن الأيديولوجيا، ولا حتى الاستعانة بها للتحليل، أو للقياس، أو لربط الحوادث بمرجعيات الهيمنة والصراع الطبقي، أو برعب ما تركته الإمبريالية البشعة من نقائض وهزائم وخراب كان ضحيتها إنسان الهامش، التي جعلت منه كورونا وجها آخر لفرضية هيمنتها، حدّ أن سمّاها سلافوي جيجك بأنها» أعلى مراحل الإمبريالية».
الإمبريالية اليوم مُهددة بضياع نصها المركزي، فهي بلا أسواق حقيقية، وبلا مصارف كبرى، وبلا دور باذخة للأزياء، ولا رهانات كبرى لكرة القدم، اتحادها الأوروبي بدا هشاً وضعيفا وشائهاً، لا يملك حتى القدرة الكفائية لإعادة تنظيم نظامه الصحي، والسيطرة السريرية على وبائية كورونا، مثلما فقدت دوله كثيرا من هيبتها البورجوازية، ومن قدرتها على فرض سياساتها، وديونها على الفقراء والمحتاجين، أو على الدول المتورطة بالحروب العدمية.. وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية – سيدة الإمبريالية- أخذت تتساوى مع الآخرين تحت يافطة أضحوية رعب كورونا، فمرضاها تجاوزوا مُصابي الصين، وسياساتها آخذة بالقلق والاضطراب، ورغم أنها لم تفقد مركزيتها بعد، ولا غرورها الطبقي وعنجهية رئيسها، لكن واقع الحال سيجعل لعبة السياسة والاقتصاد أمام جائحة اللامتوقع، حيث الكساد، ورعب الفقدان، الذي سيجعل منها مكشوفة الجهات، وطاعنة في حروبٍ لا أسماء لها، وعند أعداء لا وضوح لهم.
المثقف والميثولوجيا
فشل العالم المتحضّر في التصدّي لكورونا، افترض تداولا قلقا وشائها للمفاهيم الكبرى، وللقيم المتعالية التي ظلت الإمبريالية ومنذ عقود تُبشّر بها، وتفرضها بالقوة على الآخرين، بما فيها مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة والفردانية والخصوصية والتجارة الحرة، التي دخلت كأدوات في السياسة والاقتصاد، وفي النظام الصحي والاجتماعي، وفي صراع الأدلجات، وفي الحرب الباردة، وفي سرديات تغيير أنماط السلوك والاتجاهات والقيم العامة، وفي سياسات التطهير العرقي والثقافي الذي مارسته الأجهزة المخابراتية، والشركات العابرة للقارات، التي أسهمت في محو أنظمة متعددة في العالم، لأنها ذات سمات يسارية، ومحكومة من جماعات تقوم ثقافتها على رفض الهيمنة الإمبريالية.
المثقف العربي الخارج من هذه الصراعات والحروب، أصيب بصدمة العجز والهلع، والمحو، فلم تعد الذاكرة تسعفه، ولا التاريخ يُعينه، ولم تعد الحماية الماركسية تساعده على تحمّل أعباء الفقد الكبير، وانهيار الجغرافيا الأيديولوجية، وما عليه – وسط هذا الفقد- سوى الذهاب إلى الميثولوجيا، والتلذذ بسردية النسيان، وسرديات البطل المخذول، والعاشق المخصي، والماركسي الذي يتماهى وحيدا مع أشباح ماركس على طريقة «التوسير».
النقد الثقافي يحفر في النسق المُضمر، وفي مقاربة المسكوت عنه، وأحسب أنّ كورونا قد تحولت إلى أكبر فضيحة لهذا النسق، فهي عُريٍّ كوني، وتقويض للمركز الحضاري، إذ لم تعد الأنساق تستر أحدا، أو تُخفي فكرة
الذهاب إلى الميثولوجيا لا يشبه الذهاب إلى الأشباح حتما، لكنه يعني البحث عن بطولات أكثر شغفا بالتعالي، فاستعادة «كلكامش» تعني استعادة الديكتاتور، والحديث عن «أنكيدو» هو الحديث عن استعادة مشوشة لصورة المثقف المؤنسن، والضحية في آن معا، حيث الخروج عن الطبيعة وتوحشها إلى ثقافة اللذة والمعنى والكلام والجسد والحكاية والبطولة، كما أنّ العودة إلى الملك/ الإله «رع» قد تحمل معها شغفا للبحث عن القوة الطهرانية، حيث القوة العلاماتية للشمس والخلق والتعالي، وحيث تتحول الميثولوجيا إلى «قوة سردية» تقوم على استيهام صناعة الوجود والأفكار إزاء ما يتركه «الغزاة» من رعب تتكرّس فيه فكرة المحو، بما فيه محو الهوية والذات وخطاب الميثولوجيا ذاتها.
غزوة كورونا قد تشبه أي غزوة إمبريالية، فهي تقوم على «لعبة الفيروسات» السرية، وعلى المختبرات التي تشبه المعسكرات، أو الأسواق، ورغم تفكك مفهوم الضحية في هذه الغزوة، إلّا أنّ أغلب الضحايا العموميين سيكونون من «الفقراء» في أوروبا، الذين وثقوا بالإمبريالية، والبورجوازية، وبالنظام والصحي والرعوي، أو سيكونون من فقراء الشرق، الذين سيعانون من صعوبة شراء العلاج، رغم أن دولهم تفكّر بشراء المتعة والأسلحة أولا. الفقراء أو ضحايا كورونا العموميون ستظلّ ديونهم مفتوحة للإمبرياليين، الذين ستُنهي كورونا القدامى منهم، لتتركهم للإمبرياليين الجدد، الذين لن يتخلوا عن اللعبة، لأنهم سيصنعون حروبا وبنوكا وأسواقا وأجهزة مخابراتية وأتباعا، كما صنع أسلافهم، فالطغاة في العالم يتشابهون كثيرا في الحكايات وفي الزمان والمكان، بدءا من كلكامش وشهريار ونيرون وهتلر، وانتهاء بالجمهوريين أو الديمقراطيين أو بالجنرالات الجدد.
النقاد الثقافيون وكورونا
النقد الثقافي يحفر في النسق المُضمر، وفي مقاربة المسكوت عنه، وأحسب أنّ كورونا قد تحولت إلى أكبر فضيحة لهذا النسق، فهي عُريٍّ كوني، وتقويض للمركز الحضاري، إذ لم تعد الأنساق تستر أحدا، أو تُخفي فكرة أو معلومة أو موقفا، فالكلّ في اللعبة تشابهوا، والأقنعة باتت نوعا من الخديعة، بما فيها أقنعة اللغة والسيمياء، وهي ما جعلت النقاد في حيرة البحث عن وظيفة النسق الضائع، وعن رؤية تتجاوز لعبة كشف طلاسم ذلك النسق، وباتجاه من يرى العالم والنظام واللغة في مرحلة ما بعد الفضيحة، حيث يمارس الناقد القارئ وظيفة استعادة توازن الإنسان الذي سلبت الإمبريالية وجوده وأحلامه وخفايا جيوبه، أو أخذته الاشتراكية إلى أوهام مفتوحة من الصعب عليه ضبط مساراتها، أو أمام صراعات متخيلة، مسكونة بمراثي الرعب الطبقي، وبيانات النضال الذي يحتاج إلى توصيفات ومؤهلات تتجاوز عقدة الاستعماري والثوري الدائم والقومي العاطل عن خطاب الأمة، واليساري المشغول بأشباح أعداء ماركس.
الدخول القسري في حرب كورونا، يفترض أيضا، قاموسا ثقافيا جــــديدا، فالفيروس يشبه أيّ إرهابي، والحرب معه تتطلب استعدادا ناجعا للوقاية من أوهامه ومن شعاراته، مثلما تتطلب معرفة بأسراره الجينية والمعملية، فضلا عن معرفة صلته بـ«نظرية المؤامرة» التي تقول إن هناك نوايا لحربٍ بايولوجية تقف وراءه، وهــذه المعرفة هي جوهر النقد الثقافي، الباحث عن الأنساق الهاربة، والتناصات الخبيئة، التي قد تكون لها علاقة بنظريات مالتوس، وبتفريغ الأرض من «الكائنات الزائدة عن الحاجة» لا سيما أنّ كورونا يُصيب كثيرا الفئات الهشة، ومنهم كبار السن الذين يمثلون جوهر ذلك النسق المَعنْي.
٭ كاتب عراقي