العشائر بيدها الحفاظ على وحدة العراق… والحرب ليست لتدمير «داعش» بل إضعافه والأولوية لحماية بغداد… وانتصار إيران على حساب «التنظيم» لن يحل أزمة البلاد الطائفية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: مع اكتمال تشكيل الحكومة العراقية لحيدر العبادي ومصادقة البرلمان عليها، بدأت مئات العائلات السنية في الهروب باتجاه المناطق الكردية في الشمال خوفا من انتقام الميليشيات الشيعية.
وجاء خروج العائلات السنية من المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بعد محاولة القوات العراقية المدعومة من الميليشيات إستعادة السيطرة على مدينة كركوك.
وقطع اللاجئون معبر «مكتب خالد» بعد اتفاق القوات الكردية ومقاتلي «داعش» السماح للمدنيين بالمرور عبر جبهات القتال.
ونقلت صحيفة «التايمز» عن لاجئين تحدثوا عن مخاوف العائلات السنية من الميليشيات الشيعية التي قد تقوم بعملية «بالطريقة نفسها التي قتل فيها داعش من كانوا في معسكر سبايكر» حسب امرأة كانت تقطع المعبر مع اللاجئين.
وقال مروان اسماعيل الذي كان يمر عبر المنطقة مع زوجته وابنته « يقوم الطيران العراقي بضرب المدنيين بطريقة غير دقيقة فيما تقوم الميليشيات الشيعية باستخدام قذائف مورتر».
ونقلت الصحيفة عن ناتاليا بروكتشاك من مكتب مفوضية اللاجئين عن العراقيين الذين فروا من تكريت «هم عالقون بين الميليشيات الشيعية وداعش». ويقول محللون إن إخراج «داعش» من تكريت سيؤدي إلى موجة جديدة من انتهاكات حقوق الإنسان. وينقل التقرير عن توبي دودج من مدرسة لندن للإقتصاد التابعة لجامعة لندن «إذا كان هناك تهديد بوقوع مجزرة حقيقية فهي هناك».

عبور وتجارة

ووصل لمنطقة كردستان منذ بداية الأزمة في حزيران/يونيو 1.2 مليون نسمة معظمهم من الأقليات العرقية الصغيرة. ويشير التقرير إلى أن معبر «مكتب خالد» تطور ليصبح نقطة عبور يستخدمه أكثر من 15.000 شخص، ويعكس براغماتية الأكراد و»داعش» حيث يستخدمه التجار الذي يذهبون لمناطق الأكراد ثم يعودون إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم.
ويتم شراء وتهريب مواد مثل السجائر والكحول والوقود مثل الكاز والبنزين. ويستخدم التجار النساء لتهريب السجائر التي يحظرها التنظيم.
ويقول المسؤولون الأكراد إن نقص العيادات الصحية يدفع الناس ليعبروا «مكتب خالد» طلبا للعلاج.
وسمح لبعض الطلاب بالسفر إلى كركوك لإكمال امتحاناتهم، ولا تعاني مناطق «داعش» من نقص في المواد الغذائية لكن أسعار النفط عالية.
ويقول قائد البيشمركة في المنطقة العقيد فتحي محمد أمين إن التجارة تعاني في الطرفين، «لكن الجانب العربي الضرر فيه أكبر فلدينا نحن ـ الأكراد ـ معابر حدودية أخرى للتجارة».
ويشير التقرير في سياق مختلف الى ترحيب الإدارة الأمريكية بإكمال العبادي مناصب حكومته باعتباره خطوة تعبر عن «تنوع العراق، وحكومة تشاركية كاملة» لكن محللين مثل دودج يرون في استكمال الحكومة خطوة غير مهمة «فهناك وجود رمزي للسنة ووجوه قديمة، ولا شيء جديد يغير الوضع، وبالنسبة لحيدر العبادي فلست متشائما بعد، وفيما يتعلق بالحكومة فأعضاؤها ليست لديهم القاعدة لكسب السنة مرة أخرى».
وأضاف دودج أن وزير الداخلية محمد الغبان له روابط مع جماعة بدر التي شاركت في عمليات القتل الطائفي.

مراجعة الإستراتيجية

وتعلق صحيفة «التايمز» في افتتاحيتها على التشكيل الحكومي في العراق واستراتيجية التحالف الذي تقوده أمريكا.
وقالت إن المصادقة على الحكومة ليست إلا خطوة مؤقتة وسطحية في المعركة ضد «داعش».
وهزيمة الأخير تحتاج لما هو أكثر من حكومة توازنات طائفية. فما يحتاجه العراق اليوم هو القتال للحفاظ على «وحدة أراضية ومصداقيته كدولة لها سيادة».
وأشارت لتعيين الغبان في وزارة الداخلية نظرا لماضي جماعة بدر في الحرب الطائفية. مضيفة أن السنة قلقون من الدور الإيراني خاصة أن أول رحلة للعبادي للخارج ستكون إلى طهران. ولهذا فعلى الولايات المتحدة احتواء التهديد الإيراني في العراق من خلال لعب دور قوي في الحرب ضد «داعش».
وترى أن الحرب الجوية ليست كافية وما قامت به الطائرات الأمريكية في نهاية الإسبوع من غارات على العراق وسوريا لا يتجاوز طلعتين مقارنة مع الهجمات ضد صربيا في عام 1999 حيث كان الطيران الأمريكي يشن 139 طلعة جوية، و»عاصفة الصحراء» في عام 1991 ضد صدام حسين حيث كان الطيران يشن ما معدله 1.100 في اليوم.
وتعتقد «التايمز» أن هدف الحملة العسكرية هو اضعاف وتدمير «داعش»و لن يتم انجازه من خلال الغارات الجوية.
وعليه فالقادة العسكريون ونقاد إدارة أوباما محقون في طلبهم توسيع الحملة. وترى الصحيفة أن هناك حاجة لإعادة النظر ودراسة فعالية الإستراتيجية الحالية التي تقوم على توفير الوقت كي يكون الجيش العراقي جاهزا لمواجهة «داعش» على الأرض.
وأي مراجعة للإستراتيجية يجب أن تأخذ بعين الإعتبار موقع إيران التي تصور نفسها كحامية لبغداد. «فيجب أن لا يسمح لهذه النظرة بالإنتصار لأن إيران قوية بدون كوابح قد تملأ الفراغ الذي سيتركه داعش المهزوم ، ولن يزيد هذا الوضع العراق إلا تفككا». والحل كما تراه الصحيفة هو المزاوجة بين القوة الجوية الأمريكية وقوة الجيش العراقي الذي سيواجه الجهاديين.
وبهذا يجب أن لا يكون هناك أي تأخر في نشر القوات العراقية، فقد تلقى الجيش العراقي تدريبات وأسلحة بقيمة 17 مليار دولار أمريكي.
وكل ما يحتاجه الجيش العراقي هو قيادة حكيمة، لو توفرت، لن يكون هناك أي داع لنشر قوات برية أمريكية وبريطانية.

غياب الإستراتيجية يخدم «داعش»

ويرى شانشك جوشي، الباحث في المعهد الملكي للدراسات المتحدة إن الحرب العراقية الجديدة تدخل شهرها الثالث ولم يعلن فيها انتصار بعد، مقارنة مع جورج بوش الإبن الذي أعلن بعد شهرين تقريبا عن نهاية العمليات العسكرية في العراق عام 2003 حيث نزل من مروحية على البارجة الأمريكية أبراهام لينكولن ليعلن أن «المهمة انتهت».
تعلم الغرب منذ ذلك اليوم التواضع لأن ما تبع خطاب بوش هي حرب طاحنة استمرت أكثر من سبعة أعوام.
ومع ذلك فلا شيء في الحرب الحالية يدعو للتواضع كما يقول شوشي. ويذكر بسيطرة «داعش» على خمس بلدة عين العرب(كوباني) ومعظم منطقة الأنبار ولا يزال يسيطر على مدن عدة منذ حملته العسكرية المفاجئة في حزيران/يونيو، فهل هذا يعني أن الغرب يخسر؟ فنتيجة كهذه قد تقود كما يقول إلى تصعيد غير محسوب، مثل المقامر الذي يحاول استعادة ما خسره.
فعلينا أن نتذكر كما يقول إن هذه الحرب لم تكن أبدا من أجل تدمير «داعش»، رغم اللغة الخطابية التي يستخدمها الساسة، ولكنها من أجل اضعافه، كما قال أوباما حتى تكون القوى المحلية في وضع تتمكن فيه من مواجهته. ويتدارك الكاتب ويقول إن هذه القوى كانت ولا تزال ضعيفة وعاجزة، معنوياتها متدنية وبالتالي فستكون مهمة تقويتها صعبة.
فانهيار وحدات كاملة في الجيش العراقي أمام أعداد قليلة من مقاتلي «داعش» أدت بالمستشارين العسكريين الأمريكيين الإستنتاج أن نصف كتائب الجيش العراقي (من 50 كتيبة) يمكن التعاون معها.
والوضع في سوريا أسوأ حيث فقدت القوى المعتدلة سيطرتها وتأثيرها على الساحة، وخطط الولايات المتحدة لتدريب قوات جديدة ستأخذ وقتا طويلا لتترك أثرها.

العراق أولا

وبناء على هذا الوضع الذي يرثى له يشير جوشي إلى نتيجتين، الأولى التي تحدث عنها رئيس هيئة الأركان المشتركة مارتن ديمبسي «استراتيجية العراق أولا» فمن الضروري وضع ضغوط على سوريا وحرمان «داعش» من مقراته و مصادره النفطية، لكن يجب التركيز على حماية بغداد. أما النتيجة الثانية فهي أن هدف الإستراتيجية هو احتواء التنظيم.
وهذه الإستراتيجية تشبه ما قامت به الولايات المتحدة وبريطانيا في الفترة ما بين 1991-2003 من خلال مناطق الحظر الجوي.
وعليه فأهداف الحملة متواضعة ولا تسعى بالضرورة لسحق «داعش». فالحملة لم تحقق الكثير من شروطها بسبب الظروف الجوية في العراق حيث تناقصت الغارات إلى خمسين مقارنة مع 120 في سوريا.
ولعل التركيز على كوباني جاء بسبب الإهتمام الدولي بها، وهو ما جعل المبادرة في يد «داعش» كي يقرر ما هي أولويات الإستراتيجية. ورغم ذلك فكوباني أظهرت نجاعة الضربات الجوية إذ منعت التنظيم الجهادي من السيطرة عليها. وهذا ما يطلق عليه «احتواء» وقد نجح بسبب التنسيق المنظم مع القوات الكردية على الأرض. وهو ما حدث في معبر ربيعة الحدودي.
ويرى أن وقف تقدم «داعش» ممكن لكن الفجوة القائمة بين السنة والشيعة في العراق عميقة، وقد تساعد القبائل العراقية السنية على هزيمة «داعش» إن عملت مع الحكومة العراقية. وحتى لو هزم فالحفاظ على وحدة العراق مهمة أبعد من قدرات الغرب كما يقول.

العشائر العراقية

وهنا تتساءل صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إن كانت القبائل العراقية هي الغراء الذي يبقي على وحدة البلاد من الإنهيار.
وتقول الصحيفة إن قادة بعض العشائر السنية المؤثرة يقدمون أنفسهم كقوة مضادة لـ «داعش» حتى يتم بناء «الحرس الوطني» وهي فكــرة تراجعت عنـها حكومـة حيدر العبــادي.
فبحسب الشيخ وصفي العاصي الذي يقود مجلسا للعشائر يعارض «داعش»، فهناك حوالي 20.000 من أبناء العشائر إما يتدربون أو يقاتلون إلى جانب القوات الحكومية والكردية في أنحاء متفرقة من البلاد.
ويقول العاصي «عدد المتطوعين في تزايد بسبب الممارسات السلبية لداعش في المناطق الواقعة تحت سيطرته»، ولكنه أكد على اهمية تلقي هذه الفرق من المتطوعين السلاح والرواتب والإمدادات حتى تواصل القتال.
وأعلن عن تشكيل مجلس العشائر في 6 آب/أغسطس وصادقت عليه الحكومة الشهر الماضي ويضم عددا من العشائر العراقية المؤثرة التي تضم الجبور الموزعة في وسط وشمال العراق ولديها قسم شيعي في الجنوب.
وينتمي الشيخ العاصي لعشيرة العبيدي. وساعد المتطوعون من مجلس العشائر القوات العراقية على استعادة عدد من البلدات في محافظة ديإلى حيث يقاتل أبناء من الجبور والعبيدي والعزي.
وفي منطقة الأنبار حيث حظي «داعش» بدعم بعض القبائل هناك أربع قبائل تقاتل إلى جانب القوات الحكومية. واستطاعت حماية سد حديثة، ثاني أكبر السدود في العراق لكنها خسرت قاعدة هيت العسكرية.
وتنقل الصحيفة عن واثق الهاشمي، مدير مركز النهرين للدراسات الإستراتيجية في بغداد قوله «ليست لديهم اليد العليا- أبناء العشائر- ولكن يمكنهم لعب دور مهم إن عرف صناع القرار لعب ورقة العشائر وحققوا مصالحة معهم».
وتشير الصحيفة إلى تراجع سلطة القبائل في العقد الذي تلا الغزو الأمريكي للعراق حيث حاولت الأحزاب الشيعية التي جاءت للحكم استبعادها واعتبرتها جزءا من النظام السابق لصدام حسين.
ويؤكد قادة القبائل أن التجمعات القبلية وتنوعها قد يكون جسرا لرأب الصدع في العراق. ويقول الشيخ حسين الشعلان إن التجمعات القبلية المنقسمة لسنة وشيعة وعرب وأكراد يمكن ان تلعب دورا في تجميع شتات الوطن ومنع تفككه.
ويقول «القبائل هي الرابطة الجغرافية الحقيقية التي تربط العراق»، و»قد تهملها وتتركها تعيث الفوضى لعقود وقد تجعلها جزءا من الحل، ويمكنها دعم العملية السياسية».
ويرى الشيخ حسن شويرد من قبيلة الحمداني أن المشكلة الطائفية يمكن حلها سريعا بسبب الروابط القبلية التي تربط بين القبائل. وأشار لتجربة الصحوات التي تدخلت العشائر فيها وواجهت الإرهاب والمتطرفين و»اليوم يمكن للقبائل حل المشكلة الأمنية مرة أخرى، وعندما يوجد جيش قوي وحكم القانون يمكن الإعتماد على القبائل التي لها الكلمة الأخيرة». وتقول الصحيفة إن الولايات المتحدة اسثتمرت في الصحوات لمواجهة «القاعدة» في عام 2007 ولكن نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق قام بتخريب كل الجهود.
وفي مؤتمر للعشائر عقد في العاصمة الأردنية عمان في تموز/يوليو الماضي حاولت واشنطن تجديد الصلات مع القادة الدينيين وقادة العشائر ورموز من العهد السابق وكانت النتيجة تنحية نوري المالكي.
ورغم هذا هناك من يرى أن قوة القبائل في ظل «داعش» قد تراجعت وكل الأصوات التي تتعإلى متحدثة نيابة عن العشائر إما موجودة في عمان أو بغداد أو إربيل.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية