أحمد شاهين عقدت هيئة الحوار الوطني التي شكلها الرئيس السوري بشار الأسد لقاء تشاوريا في 10 و11 و12 تموز/ يوليو2011 ضم حسب منظمي اللقاء ‘كل أطياف المجتمع السوري بتنوعه الفكري والسياسي’ وخرج اللقاء ببيان ‘جميل الألفاظ ‘، ويؤسس لحوار وطني ‘يوصل إلى إنهاء الأزمة’ ويضمن ‘الاستقرار في البلاد’. وبعد الافتتاح بكلمة رئيس الهيئة السيد فاروق الشرع، دعا رئيس الجلسة الأولى، السيد منير الحمش، الدكتور الطيب تيزيني لتقديم مداخلته، فأعلن تيزيني أنه لم يطلب التدخل، إنما سيتحدث طالما طلب منه الحديث. وتحدث تيزيني فيما تحدث فيه عن أن مشكلة سورية تتلخص في بنية ‘الدولة الأمنية’. وفي الوقت الذي كان ‘المتشاورون’ يتداولون في مسألة الأزمة السورية، كانت قوات الأمن والشبيحة تزرع الرعب والخوف في عدة مدن وقرى سورية تحقيقا لـ’هيبة الدولة’ التي كانت إحدى نقاط البيان الختامي للقاء التشاوري. وكانت هيئة الحوار، قد أكدت في بيان الاعلان عن تشكيله، عدم وجود بديل ‘عن المعالجة السياسية بأبعادها المختلفة وفتح الباب واسعا أمام جميع المواطنين السوريين للمشاركة في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي يستجيب لتطلعات الشعب السوري’. والرئيس بشار نفسه الذي يفكر بالاصلاح منذ ‘استولى’ على السلطة خلفا لوالده كان قد سمح في أيام حكمه الأولى بـ ‘الكلام’ وتشكلت في المدن السورية ماعرف بالمنتديات، ومرت البلاد بلحظات من الحيوية السياسية عرفت بعنوان ‘ربيع دمشق ‘، لكن تلك المنتديات أغلقت وسجن من سجن ممن شارك فيها حين ‘تطاول’ المشاركون فيها إلى انتقاد السلطة.
بمعنى أن الحوار في سورية مسموح به في حدود أن يكون مجرد اسفنجة لامتصاص الانفعالات تحت سقف السلطة، أما أن يكون غرضه البحث في أمر السلطة والتطاول على القائمين عليها، فذلك تجاوز إلى ما هو محرم، حيث تنتظر قوات أمن السلطة لإعادة كل شيء إلى ما يقتضيه بقاءها أن يكون. فالسلطة تعرف ما تريد وهو استمرارها كما هي عليه مع بعض ‘التجميلات’ التي لا تغير من طبيعتها؛ وتستخدم الأدوات التي ترى أنها تخدم استمرارها، وهي تعرف ما تفعل وتقصده، سواء كان ترهيبا أو حوارا. فالدولة الأمنية تناور ولا تساوم. أما التظاهرات التي تخرج إلى شوارع المدن مؤيدة للسلطة بحراسة شبيحة السلطة فمعظمهم، ولا نجانب الصواب هنا، من الفئة التي تهتف ‘مات الملك عاش الملك’، في بلد الخوف؛ مع ملاحظة عدم خلوها ممن يؤمنون بمثل هذه السلطة وهذا من طبيعة الحياة.
وسبق انعقاد لقاء السلطة التشاوري لقاء عقده مثقفون معارضون سوريون في دمشق يوم الاثنين 27 -6 – 2011 ضم عددا من الرموز السياسية السورية، بمبادرة من بعض الناشطين السياسيين، وغابت عنه شخصيات لها حضورها من مثل هيثم المالح. وتداول المشاركون في شأن الوضع السوري الراهن، وكيفية الخروج مما صار يطلق عليه وصف ‘الأزمة السورية’، وهذا الوصف تقليل من أهمية ما يحصل. وكان بعض من منظمي لقاء دمشق المعارض قد التقوا في وقت سابق مع مستشارة الرئيس السوري لشؤون الاعلام، بثينة شعبان، منهم السيد لؤي حسين وميشيل كيلو وعارف دليلة، الذي انسحب من المؤتمر قبل صدور البيان الختامي. وبدا للبعض أن هذا اللقاء قد يكون تمهيدا للمشاركة في اللقاء التشاوري الذي دعت إليه السلطة. لكن معظم المشاركين في لقاء سميراميس لم يشاركوا في لقاء الشرع التشاوري. وبدا ذلك تجاوبا مع ردود فعل المتظاهرين على دعوة السلطة للحوار أكثر منه قناعة لدى المشاركين في لقاء فندق سميراميس.
كما كانت رموز أخرى من المعارضة السورية في الخارج قد عقدت مؤتمرات لها، في تركيا ( أنطاليا ) وبروكسل، للتداول في كيفية التعامل مع التظاهرات التي تجري داخل سورية، التي اختلفت تسمياتها وفق الاتجاهات السياسية، فالبعض يدعوها ‘انتفاضة الشعب السوري’، والبعض الآخر يدعوها ‘الثورة السورية’ ولكل مآربه التي لم يعلنها بعد من ذلك.
المعارضون في الخارج بأسمائهم التنظيمية المختلفة اعتبروا لقاء دمشق يصب في مصلحة النظام الذي حسمت الجماهير التي تتظاهر يوميا في المدن والبلدات السورية أمر التعامل معه بالمطالبة بإسقاطه. لكن المجتمعين في فندق سمير أميس ينطلقون من واقع الحال الذي يعايشونه يوميا، من غير المبالغة في مدى معايشتهم لهذا الواقع بتفاصيله اليومية، حيث يسود لدى النخبة ‘حوار المقاهي’ على نبض الشارع الذي فاجأ الجميع بالحيوية التي تجسد بها والاستعداد للتضحية من أجل كرامته وحقه في الحياة. وتعتبر أهمية لقاء معارضين للسلطة داخل سورية، وفي عاصمة البلاد علنا، يعد بحد ذاته ‘ثورة’ في سورية، بغض النظر عما ناقشه المجتمعون، وبغض النظر عمن سيوظف هذا اللقاء لصالحه والكيفية التي سيتم فيها مثل هذا التوظيف. وكان صوت المعارضين في الخارج أكثر حدة تجاه موضوع الحوار مع السلطة في ظل حضور الدبابات، لكنها ظلت ‘تناشد’ السلطة لتوفير الظروف المناسبة لإجراء مثل هذا الحوار.
تنسيقيات الثورة السورية ردت على كل اللقاءات التي انعقدت، سواء داخل سورية أو خارجها، بهتاف ‘الشعب يريد إسقاط النظام ‘، وفي حين كان القاسم المشترك بين كل الاجتماعات التي انعقدت موضوع الحوار، كان رد المتظاهرين في شوارع مدن وبلدات وقرى سورية ‘ما في حوار. إرحل بشار’. وجاء بيان المؤتمر السوري للتغيير (أنطاليا) محاولة للتناغم مع الشارع السوري فقرر ‘أن الحوار سيكون بشأن رحيل النظام’. لا نجانب الصواب إذا قلنا أن ‘مستوى الإنفعال ‘الذي رافق انفجار التحرك الشعبي في منطقة شرق المتوسط، بدءا من تونس وصولا إلى سورية قد فاجأ أعضاء النخبة في هذه المنطقة، سواء كانت تلك النخبة منتظمة في أحزاب أو جمعيات مدنية، أو أفرادا، حيث لم يكن متوقعا من’ جيل نانسي عجرم’ (التعبير الذي انتشر تعبيرا عن ميوعة شباب هذا الجيل) أن يكون بهذه الصلابة والاصرار والوضوح، والقدرة على إبداع نظام من هذه ‘الفوضى الخلاقة’ ( والتعبير لكوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة. وكان بشأن الشرق الأوسط، مع ملاحظة أن فوضى رايس مدروسة ومخطط لها، أما فوضى شوارع شرق المتوسط فهي بنت الحياة) مثل هذه النخبة لا تستطيع رؤية مثل هذا الابداع، فهي أسيرة نظام تفكيرها، وهذا من طبيعة الانسان، فكيف بها في التعامل معه. وتجربة مصر واستمرار حضورها الفاعل خير تعبير عن أن ما يحصل في هذه المنطقة من العالم ليس انفعالا عارضا، كما أن صورته سترتسم مع الوقت وفق آلية الحركة التي سيحفرها مجرى هذا النهر البشري. لكن أبرز ملامح هذه الصور التي تستحق كل الإكبار: التعالي على العنف.
ومن يستمع إلى هتافات المتظاهرين في سورية يستطيع أن يلاحظ مدى الانضباط ولغة التسامح السائدة في التظاهرات. على سبيل المثال، يسعى الاخوان المسلمون لاعلان حضورهم وقوته في التظاهرة بشعارهم ‘تكبير’ فيرد أنصارهم’ الله أكبر’ ليأتي الرد فورا من الجمع الأعظم ‘حرية’ ثم يتصاعد الشعار الموحد ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. تلك لغة تحتاج إلى صياغة نظام تفكير قادر على استيعابها، بينما لا زالت النخبة تفكر وفق منظومات تفكير عفا عليها الزمن. ومن التذكير بالشيء: كنا في الستينيات نفكر بالطريقة اللينينية كشيوعيين، وضرورة خلق ‘حزب من طراز خاص’ وذلك في الوقت الذي كان فيه النظام السوفييتي يتهاوى، وحين تطور بعضنا قليلا انتقلنا إلى الغيفارية، وفكرة النخبة المسلحة، ونسينا مقولة لينين نفسه ‘أن النظرية رمادية والحياة خضراء’. وها هي الحياة تنبض في شرق المتوسط. فما يحصل الآن في منطقة شرق المتوسط تأسيس لنظام جديد يمارس فيه الانسان حقه في إدارة شؤونه الحياتية وفق نظام تفكير مفتوح، دون أن يصادر حقوق الآخرين، بمعنى العمل على صياغة نظام ‘فن التعايش’ الذي هو سر فلسفة السياسة؛ ذلك السر الذي لم يستطع بروميثيوس سرقته من مخازن زيوس، فاكتفى بسرقة النار من مشغل هيفاستوس (تلخيص الأسطورة في: ريجيس دوبريه، نقد العقل السياسي).