‘صلاح الدين والقاضي الفاضل نموذجا’

حجم الخط
0

المثقف والسلطة وقراءة للدور في زمن التغييرد.

كفاح درويشتعد العلاقة بين السلطة والمثقف إشكالية معقدة لارتباطها بالإنسان في علاقاته المتشابكة في المجتمع. إن العلاقة بين السياسي والثقافي في الواقع العربي المعاصر منذ مطلع القرن العشرين تعاني أزمة حقيقة لا بد لفهمها من البحث عن أصولها المعرفية والتاريخية. كل سلطة مصدر تنازع، وكل من يملك سلطة يتعرض لانتقادات ومحاولات لاستبعاده. ولذلك فإن من يملكون السلطة السياسية يدخلون في صراع مع منافسيهم، ويحتاجون إلى نوع من المعارف يساعدهم على الاحتفاظ بالسلطة ويعطي هذه السلطة شرعية لدى الناس، مما يساعدهم على كسب تأييدهم. إن من يملك السلطة السياسية بحاجة إلى من يملك المعرفة الضرورية لاستمرار سلطته، وكما تتعدد أشكال السلطة السياسية وتختلف فإن من يملكون المعرفة تتعدد أشكالهم المعرفية وتتنوع والعلاقة بين الطرفين هي علاقة مصلحة، ولذلك فهي تقوم في الغالب على الصراع أو المعارضة.

إن ما تقدم يعد قضية إشكالية تاريخية وإنسانية، عرفتها كل حقب التاريخ، والكلام على هذه الإشكالية معقد للغاية وصعب إذ إنها تشكل ذروة مجموع العلاقات الاجتماعية في حضارة ما، والمجتمعات الغربية المعاصرة تجد نفسها أمام فراغ نظري في ما يتعلق بهذه المسألة، إذ لم يعد هناك اهتمام بتلك العلاقة، بعد أن أصبح الاهتمام موجها إلى آلية السلطة وممارستها من خلال مؤسسات ثقافية. وما عدنا نسمع في الغرب حديثا عن السلطة الثقافية باعتبارها جهة تشريعية أو تهب الشرعية، أو توطد السلطة السياسية؛ وذلك لأن النقد الفلسفي الاجتماعي المعاصر والواقع العملي أسقطا عن الغربيين مفهوم الحق الإلهي والسلطة المطلقة. أما في الحضارة العربية منها ما هو خاضع لتأثيرات ثقافية أجنبية لا تنطلق من الواقع السياسي الثقافي والاجتماعي العربي. وإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن دور المثقف العربي في ظل الثورات العربية التي تجتاح المنطقة، فإن المثقف العربي هو صدى لصوت الثورات العربية، حيث أن التحركات الشعبية العربية ستفرز كتابا وأدباء وفنانين جدد نتيجة لوجود جيل آخر تعرض للإهمال، فقد بات للكلمة دور في الثورات العربية، ولكنه دور غير مباشر، فالرواية أو القصيدة العربية قالت كلمتها بجرأة ووضوح، وساهمت بتشكيل وعي تراكمي، حتى إن الكلمة أو المقالة كانت حاضرة من خلال الفيسبوك والتويتر لتنشأ التغييرات وتنطلق من بعدها الثورات، وإلغاء دور المثقف في هذه الثورات فيه إجحاف كبير بحق المثقفين، فكثير منهم تعرض للقتل والسجن أو التكفير أو التعذيب بسبب كتاباتهم، وأيضا فيه اتهام للشباب بأنه خارج كل شيء حقيقي وجاد، فالمثقف محرض على الثورات ولكن بشكل غير مباشر، وما دامت الأغاني الوطنية والقصائد التي كتبت منذ ثلاثين وأربعين عاما موجودة في التظاهرات، فالمثقف موجود وسيبقى، فهذه الثورات ضد الديكتاتورية والطغاة.

إن الأزمة بين السياسي والمثقف أو المفكر والسلطان هي أزمة تاريخية مستعصية، وقد سجل لنا التاريخ في أسفاره حوادث كثيرة عن علاقة المثقف بالسياسي في مختلف الحضارات الإنسانية، فمثلا معاناة الفيلسوف اليوناني أرسطو وكيف فرض عليه أن يتجرع السم؛ لأن طروحاته المثالية لم تتوافق مع رؤية الراعي للقانون الإغريقي، ولم يكن نصيب حضارتنا العربية الإسلامية في هذا الشأن أقل من غيرها. حيث كانت الصراعات والفتن في بعض ظواهرها تعبيرا عن أزمات في الفكر وضبابية في الرؤية، وعن خلل في التوازن بالمعادلة في العلاقة بين السياسي والمثقف. وتحتفظ سجلات التاريخ العربي الإسلامي بنماذج متميزة تعكس طبيعة تلك العلاقة، لعل منها النهاية المحزنة التي وصل إليها الكاتب عبد الله بن المقفع بعد أن وجه رسالة النصيحة للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. كما تحتفظ السجلات بمحنة الإمام ابن حنبل مع الخليفة العباسي المأمون، التي دارت حول موضوع خلق القرآن، وكانت تلك الحادثة، مثلا فاضحا على التناقض الحاد بين النظرية والتطبيق، حيث تم الزج بالإمام في السجن وجرى جلده بالسياط، وفرض حجر على طريقته في التفكير. وتمثل سيرة ابن رشد، وإحراق مخطوطاته ومكتبته على يد الحاكم الموحدي، نموذجا آخر عن أزمة تلك العلاقة.

في الفكر الحضاري العربي الإسلامي في مختلف مراحله، نجد ارتباطا وثيقا بين خطاب الأديب من جهة وبلاط وسلطة الخلافة من جهة ثانية. وتجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن نفهم أن العلاقة بين المثقف والسلطة كانت سلبية، بل إن هذه العلاقة كانت تتخذ شكلا إيجابيا، تقوم على الاحترام المتبادل والنقد البناء والرقابة، وهذا ما يفرزه مناخ الرأي والرأي الآخر، حيث يصبح المثقف بوصلة الحاكم وهو موجه المجتمع في جو من الديمقراطية والشفافية والقيم السمحة.

ونموذج العلاقة بين صلاح الدين والقاضي الفاضل في القرن السادس الهجري هو واحد من النماذج الكثيرة التي يقدمها تراثنا العربي الإسلامي، فقد رسما صورة نادرة لتلك العلاقة، افتقر إليها الحكام العرب اليوم، والتي أدت إلى تفجر الثورات في عالمنا العربي وصرنا بحاجة لقائد مثل صلاح الدين ووزيره المبدع. وأهمية المقالة تقوم على ربط الحاضر بالماضي وقراءته في ضوء تجربة تاريخية يمكن إخضاعها للدرس والاستنباط فيستفيد الحاضر من تجارب الماضي، ويصحح مستقبله، خاصة أن العلاقة بين السياسي والثقافي لا يمكن أن يكون صحيحا أو كاملا إلا إذا انطلق من التاريخ الذي ينتمي إليه الحاضر، فالتاريخ هو ذاكرة الحاضر، ولا حاضر لمن لا تاريخ له.

إن سيرة عبد الرحيم البيساني العسقلاني المعروف بالقاضي الفاضل ودوره في عصره تعكس سيرة الإنسان المفكر، ذي الطاقات اللامحدودة، الذي اقتلع من أرضه ووطنه فكرس فكره وطاقاته لاستعادة الأرض والهوية. فقد كان الرجل الثاني في دولة صلاح الدين، وقد اعتمد عليه في تدبير دولته، وتجهيز جيوشه، وتأمين رعاياه، ولا سيما في مصر، وفي مفاوضاته مع رجالات عصره، وفي تربية أبنائه وتدريسهم، وفي تعيين موظفي دولته. وقد دعت هذه المسؤوليات التي قام بها الفاضل إلى وصفه بأنه كان الدولة الصلاحية.

تميزت شخصية القاضي الفاضل بالذكاء الحاد والدهاء مكناه من الوصول إلى أعلى المراتب الإدارية في دولة صلاح الدين، وقد اجتمعت فيه خصال كفلت له النجاح في الحياة السياسية في العهدين الفاطمي والأيوبي، ناهيك عن لباقته التي استطاع أن ينقذ بها صلاح الدين في أكثر من موقف من المواقف الحرجة.

ساهم الفاضل في توطيد إدارة صلاح الدين في الشام، على الرغم من حذره في التعيينات القضائية، وحرصه على عدم إثارة العداء ضد صلاح الدين أو إدارته، واحترامه لأشخاص يعتبرهم أكفاء، ولو اختلفوا عرقيا أو مذهبيا عن صلاح الدين أو إدارته. ولم تتوقف مهمة الفاضل الإدارية في الشام على تعيين القضاة والكتاب، فإنه كان يهمه إعداد جهاز دعائي لصلاح الدين في الشام يضم، بالإضافة إلى الكتاب مثله ومثل عماد الدين الأصفهاني، الشعراء والخطباء وغيرهم.

كانت للفاضل اهتمامات كبرى في دولة صلاح الدين وهي تنصب على ثلاثة أمور: اجتماعية، وتنم عن آراء صائبة في كيفية معاملة القاعدة الشعبية التي يستند أي حاكم إليها في نهاية الأمر. لقد ركز على التقريب بين صلاح الدين وشعبه من خلال تحسين النظام الضريبي بإلغاء الضرائب الابتزازية، ومراقبة أصحاب الاقطاعات وإشاعة العدل بين الناس، وفرض هيبة القانون، في وقت يبدو فيه أن أصحاب النفوذ كانوا قادرين على التحكم في القانون، بالإضافة إلى هذه الناحية، فقد ركز في جملة اهتماماته على ناحية إدارية حربية. ولا نعني بهذا قيام الفاضل نفسه بعمليات حربية، بل نقصد تركيزه في خبرته وإدارته على أمور التحصينات، والخدمات الخلفية للجيوش أو الخدمات اللوجستية، إلا أن المأثرة العسكرية الكبرى للفاضل تكمن في تصوره الاستراتيجي العظيم وهو تصور يقوم على أساس توحيد العالم الإسلامي عامة، ومسرح العمليات ضد الفرنجة خاصة: إداريا من خلال حكم واحد، وعسكريا من خلال جيش موحد للقيادة، وعاطفيا من خلال مظلة أو راية واحدة ينضم جميع المسلمين تحت لوائها، وهي راية الخلافة العباسية، ومذهبيا من خلال الحد من سلطة المذهب الإسماعيلي ونفوذه بإعادة الهيمنة السنية إلى العالم الإسلامي.

كان الفاضل نموذج الإنسان ‘المثقف’ في عصره، وإن شغفه بجمع الكتب لم يكن تزينا أو تظاهرا، وإنما كان كثير الإطلاع والقراءة، وله مدرسة ومكتبة نسبت إليه. وقد عزز صورته كمثقف من خلال تشجيعه للمؤلفات التاريخية على سير صلاح الدين، مثل: كتابي ‘الفيح القسي في الفتح القدسي’ و’البرق الشامي’ لعماد الدين الأصفهاني، هذا عدا الشعر في صلاح الدين الذي شجعه، بضمه بعض الشعراء المرموقين إلى حلقته، بحيث كان يوجه شعرهم ويعرض عليهم موضوعات معينة للنظم فيها، ومن أشهر هؤلاء الشعراء ابن سناء الملك. عانى الفاضل ضياع بلده عسقلان ومن قبلها بيسان موطن أبيه وجده، واغتصاب أرضه وتشريد عائلته على يد الفرنجة، وإذلال شعبه، وشاهد معاملة الفرنجة للمصريين فنقم عليهم منذ الحملة الثالثة على مصر، ونذر نفسه لمحاربتهم ومقاومتهم، واستخلاص البلاد منهم، وركز على فكرة الجهاد، فصور صلاح الدين منذ البداية بطلا، مكملا لرسالة الجهاد لتحرير الأراضي المغتصبة التي أخليت من الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم فتح القدس عن طريق الإسراء والمعراج، والخليفة الثاني عمر بن الخطاب ضمها جغرافيا إلى الحظيرة الإسلامية، وأما صلاح الدين فأعادها إلى الإسلام بعد احتلال صليبي لها دام نحو تسعين عاما. وأيُ فتح يعادل هذا الفتح. ولعل أبلغ تعبير عن حرص الفاضل على الحفاظ على القدس، نصيحته لصلاح الدين بتأجيل الحج، إحدى الفرائض الدينية كيلا ينتهز الفرنجة فرصة غيابه ويحتلوا القدس.

ربطت الفاضل بصلاح الدين أواصر صداقة متينة أثرت في أحداث عصرهما، وتجلت هذه العلاقة في أسمى مظاهرها أثناء الحملة الصليبية على عكا، وما لحق المسلمين من مصاعب أثناء الحصار، وكان الفاضل يراسل صلاح الدين برسائل شخصية باستمرار، يشدد فيها من عزمه، ويحثه على الوقوف في وجه هذا العدو العنيد. وكانت هذه العلاقة في بعض الأوقات تشوبها خلافات بسيطة. ولعل صلاح الدين لم يكن دائما من اللباقة بحيث يجاري الفاضل أو غيره، وبالتالي كان يغضب إذا ألح الفاضل عليه في أمر ما، ربما توترت علاقتهما مؤقتا، لكنها سرعان ما تتبدد، ولقد عكس الفاضل شيئا من هذا الخلاف بقالب ظريف، وإن كان لاذعا، فهو يذكر صلاح الدين بمسؤولياته تجاه مصر، وبفضل مصر عليه، وهذا يدل على أنه كان يعاتب صلاح الدين بصراحة من دون خوف من انتقامه.

إن علاقة الفاضل بصلاح الدين تكاد تكون فريدة في نوعها إذ قلما يحظى المستشار المنفذ بثقة صاحب السلطة المستمرة على مدى طويل من الزمن، وقلما استطاع إنسان في التاريخ كله أن يجمع بهذا القدر بين موهبتين موهبة العمل وموهبة الفكر، بل يغلب أن تتغلب إحداهما على الأخرى. ولكن الفاضل الوزير هو الفاضل الأديب. وقلما نال رجل في التاريخ شهادة كالشهادة التي نالها الفاضل من صلاح الدين حين قال لعساكره وقادته، بعد أن اهتزت صفوفهم في معركة عكا: ‘لا تظنوا أني فتحت البلاد بسيوفكم بل بقلم القاضي الفاضل’ وهذه شهادة لصلاح الدين بقدر ما هي للفاضل، فهو الرجل الذي لم يقل إن الجهاد لحملة السيوف وحدهم، بل قال: الجهاد الأكبر لحملة القلم. ولقد كان هذا حقا لأن رسائله مهدت الأرض قبل المقاتلين بالقلم وفتحت البلاد بقوة منطقها وبلاغتها، كما سجلت أحداث العصر فكانت كتابا مفتوحا لتاريخه ووثائق لمعاركه وأحداثه. ونكاد إذ نشهد ذلك كله أن تتبين فيه رجلا من رجالات هذا العصر إذا تساءلنا كيف حافظ هذا الفلسطيني على كرامته، بعد أن فقد أرضا يقف عليها، ووطنا يعتاش فيه، ومجتمعا يتآلف معه؟ وكيف استطاع أن يحمل الأرض والوطن في قلبه، ويخوض مجالات العيش والرزق ويتفوق فيها، وأن يضع نجاحه الخاص في خدمة رسالته وقضيته. كم من الناس سيرون في سيرة هذين النموذجين مثلا يقدر، ويشكر، ويحتذى، وعظماء الناس هم الذين يؤدون العمل الجليل في حياتهم، ويشكلون النموذج الصالح والملهم لأجيال من بعدهم.

وتبقى إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة قائمة في التراث ولكنها، وإن كانت من غير حل، مفيدة في قراءة الحاضر لتجاوز أخطاء الماضي. لقد غلب الخطاب الأدبي في التاريخ السياسي في الدولة العربية الإسلامية الخطاب العقلي، وفي اعتقادي أن الأول يصنع دولة أفراد بينما الثاني يصنع دولة مؤسسات. كاتبة من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية