تندرج بنية النص الشعري في إطاره الأسلوبي في تجربة الشاعر العراقي فيصل القصيري (مواليد 1957) وفق هيكلية الشعر الذي يكتسب حضوره التوصيفي، ضمن طبيعة قصيدة النثر، بكل مناخاتها التي تتنفس فيها هواء الحياة، بأعمق وأبسط حالاتها، من غير أن يضع الشاعر في حساباته وهو يكتب نصه، أن يتوسل بأي صيغة يستدعيها قسرا من خارج إطار تقنيات الكتابة الشعرية، لإيجاد مقاربة مع المتلقي، تتعكز على مؤثرات صوتية رهانها سلطة الإيقاع المباشرة أثناء القراءة، كما تشيعها القصيدة العمودية/ المنبرية، إنما يضع جل اهتمامه أن يستكمل الشعر فاعليته عبر قراءة بَصَرية، لا تتوسل الزخرفة البلاغية، بل تنتصر لحساسية التأويل، وإشباع زمن التلقي بشحنة مفردات تبدو عادية ومتداولة، إلاّ أن الشاعر يضفي عليها لمسة الشعر.
مقترحات مقطعية
في تجليات هذه البنية الشكلية التي تمنح ما هو عادي من الكلمات قوة خفية من الدلالات، هناك استجابة أكثر اتساعا للدلالة السيميائية، التي تنمو في تركيب الصورة الشعرية. ومنذ أن بدأ القصيري بالكشف عن حضوره المتأني في المشهد الشعري العراقي، ارتبط نصه بسمات متأتية من خصوصية تجربته، بوصفها تنزع إلى تقديم مقترحات مقطعية منفصلة ومكتملة المعنى في ذاتها، لكنها متصلة بالسياق العام لمناخ النص ودلالاته الإشارية:
العاشق يفتح دربا
نحو رؤاه
ويفتت بذرته الأولى
لتصير شظايا
يصطاد بها
أخطاء أناه.
مع مطلع عام 2020 صدرت للقصيري عن دار ماشكي للنشر، مجموعة شعرية جديدة حملت عنوان «متكئا على هدوئي» ضمت 48 نصا شعريا، اشتغل فيها الشاعر من الناحية الفنية وفق بنية شكلية منظورها يستعير سماته من حركية البناء التجانسي المتنقل ما بين الداخل والخارج، في بنية مشهدية تجنح إليها جملته الشعرية، وهي تتحرك في مساحة يتبادل فيها الأدوار الغموض مقابل الكشف بسهولة ممتنعة:
سمها ما شئت
سمها الخلاصة
سمها العلامة
سمها جمرة الداخل
سمها وردة الغموض
وعلقها على غصن طاعن في الرقة
حساسية اللحظة الشعرية
بالإضافة إلى شيوع آليات الكتابة التي ترسخها قصيدة النثر في هذه المجموعة، إلاّ أنها احتوت أيضا على عدد من النصوص، وقف فيها الشاعر عند عتبة قصيدة التفعيلة، بما يشير إلى أن القصيري الذي بدأ كتابة الشعر مع القصيدة العمودية مطلع ثمانينيات القرن الماضي قد تفاعلت معطيات تجربته مع روافد شعرية وثقافية متنوعة، بالشكل الذي جعلته يميل بمغامرته في الكتابة إلى أن يلامس فاعليات جديدة، من وحي حساسية اللحظة التي تعصف بزمنه الشعري، وتأخذه إلى مناطق من الاشتغال أكثر استيعابا لنداء ذاته الهاجسة بالتمرد الفني، بعيدا عن أغلال الأعراف الفنية والمفاهيم الجاهزة، التي تكبل تجربته، وتحول دون أن يبتكر لغته الفردية.
وفي مساره الطامح إلى تأكيد أسلوبية نصه، عمد إلى تكييف حضوره تقنيا مع آليات الكتابة وهي تتصل بجماليات وتكنيك قصيدة النثر، وميلها إلى «الهدم الفوضوي الذي يتناسب مع استخدام النثر» حسبما تشير إلى ذلك الناقدة الفرنسية سوزان برنار، أي أنه ينساق وفق ما تفرضه فردانية تجربته في الكتابة، كما في نصه المعنون «رسالة إلى ذلك الفارس الذي يشبهني « والمُهدى إلى روح الشاعر يوسف الخال:
«بيني وبينك أيها الفارس نقطتان تأخذك الدهشة إليهما.. نقطة كثيفة الأشجار والدخان ونقطة يأوي إليها غزال النون في آخر النهار، والليل يمتحن الفرسان «وفي خارج جسدك لا نهار ولا ليل. تسمع وقع قدم على وحشة الشارع، فتذكر يوم وداع حبيب».
الاطلاع على نصوص المجموعة يكشف للقارئ مساحةً من التخييل الذاتي، تخضع فيها لغة الشاعر إلى سلسلة تنقلات صورية، وتكتسب هذه المساحة بتوقيعاتها العلاماتية تحولا في إطار رؤيته لوظيفة الجملة الشعرية، والعلائق التي تنفتح من خلالها على بنية اللغة بعناصرها الخالية من البوح المباشر. والصورة الشعرية تشكل مفردة مركزية في رسم ما تنطوي عليه استعارات الشاعر، وهي ميزة شكلانية تتجلى بقوة حضورها في متن النص، حيث تنطوي إشاراتها على ما تفصح عنه من دلالات، وتقترح في كليتها اشتغالا جماليا مكثفا في شبكة الرموز التي تحتشد في السياق العام. والشاعر يتواصل بمفردات لغته مع إيقاعات الحياة بقدر واضح من الاحتفاء بالرؤى الطفولية، وما هذا إلاَّ انسياب أزاء مكونات البراءة، لأن ذاته قد فاضت بأخطاء الزمن الذي أحال حياته إلى بقعة يابسة، فلا يجد من سبيل سوى أن يتكئ على الهدوء الذي يجيء من ذاك الفتى المطعون بحد النجمة:
وكلما أقبل فصل
مثقل بالكبوات
كان ذلك الفتى
الذي يختبئ في داخلي
متكئا على هدوئي
حالما بقشة
وطائر وماء
وموجة تمضي به .
الهوية والحرية المزيفة
لا يستطع الشاعر أن يقصي ذاته في بعدها الإنساني عن زمنه، بكل ما يستبد بهذا الزمن من قوى مؤثرة، والكتابة الشعرية لها أوجه مختلفة ومتنوعة من منظور القراءات النقدية، وهي بهذا المعنى تكون في واحد من أوجهها المتعددة استنطاقا ومساءلة للقوى التي تتموضع بآلياتها المهيمنة على الواقع الإنساني، وتفرض عليه نقاطها العمياء، وهذا ما نستشفه لدى القصيري وهو ينزع أغطية ثقيلة فرضها الغازي على موطنه بمسميات معاكسة لمعانيها، وراح يعري الحرية المزيفة التي جاء بها المحتل الأمريكي، بيد أن انزياح اللغة الشعرية من موضعها المنفتح على التكثيف لن يجذبها إلى معجم الوضوح والمباشرة، بالشكل الذي تفتت استراتيجية البنية الشعرية القائمة على التأويل. وهذا يعني أن الشاعر أخذته أطروحاته الفنية ناحية البحث عن مناطق جديدة لم يصل إليها، إلا أنه يبقى على علاقة خاصة مع المكان الذي ينتمي إليه، ولا يتمكن من أن يمزق الهوية التي يرتبط بها معه، ومن المحال أن ينقطع الحوار بينهما، مهما كان الخلاف الثقافي على درجة عالية من القطيعة، ومن غير الممكن إلا أن يتأمل وبعمق هويته، وهو يقف عند حدود الزيف المترامية الأطراف، وهي تفصل بينهما في محاولة منه لتقليص مسافة الاعتراف:
من دون حياء
بال الحراس
على السجناء!
«بأبي غريب»
ظهر الزيف بلا ريب
وأزيل اللبس
فإذا بـ«الديمقراطيين» عراة
تحت الشمس!
الشعر خيار العزلة
لا بد من التوقف أمام جملتين شاء القصيري أن تكونا عتبة أولى قبل الدخول إلى عوالم النصوص، الجملة الأولى للروائي فرانز كافكا «متكئا على وحدتي شاردا في لا أحد»، والثانية للشاعر نفسه «لنقاوم الرغبة بالانتحار بكتابة الشعر، لأنه وحده القادر على أن يجعل الحياة جديرة بأن تعاش». بهذا الخيار الانتقائي وضع الشاعر بين أيدينا مفتاحا لربما سيعيننا على أن نكون في منطقة فنية أقرب إلى أن نتمثّل تجربته الرؤيوية أزاء ما تنطوي عليه في هذا الإصدار، من معاينات تقمَّصتها معطيات النصوص وأحالتها إلى إشارات ورموز تتشاكل في شيفراتها ذات الشاعر وشعوره الحاد بالوحدة مع تقاطعات الحياة في بعدها الخاص والعام، وخياره بالخروج من هذه العزلة القاتلة لن يكون إلا ّعبر الانتماء للكتابة الشعرية، ولم ينفصل عن هاتين الجملتين من حيث المعنى، النص الأول في المجموعة الذي خاطب من خلاله تمثال الشاعر حبيب بن أوس الطائي (أبو تمام) الذي كان يقف منتصبا وسط مركز مدينة الموصل المزدحم بالباعة المتجولين والأسواق والمقاهي، وخلف ظهره يجري نهر دجلة الخالد، قبل أن يتعرض التمثال للتدمير في ما بعد من قبل تنظيم الخلافة (داعش) أثناء سيطرته على المدينة في 10 يونيو/حزيران 2014، فكان النص بمثابة خطاب لوعة وشكوى من شاعر إلى شاعر يكشف عن تجليات أحلامه الكبيرة:
لا شيء يطفئ حمى النهر الغريب
فمتى تغير وقفتك يا أبا تمام
فيكون النهر أمامك
والثرثارون خلفك
هم يواصلون البيع والشراء
ولا شيء سوى خذ وهات
بينما تتدفق أنت شعرا
لا يفهمه أحد
سوى النهر.
شهادة نقدية
تصدَّر الغلاف الثاني للمجموعة كلمة بتوقيع الناقد محمد صابر عبيد، الذي رافق تجربة الشاعر نقديا منذ بداياته، وجاء فيها «أنه شاعر يعرف حدود اللغة وحدود عناصر التشكيل الشعري على نحو أصيل متمكن، لكن التمعن جيدا في ما كتبه من شعر يكشف عن حساسية خاصة، ونوعية في نظم الصوغ الشعري وآلياته التعبيرية والتشكيلية، فلغته الشعرية منتقاة بعناية تستجيب لأفق التجربة، وتعبر عن جوهر الفكرة بقوة وسلاسة وجمال. وله مزاج خاص في صناعة صور شعرية مبتكرة تجتهد في أن تصل إلى منطقة التلقي بيسر وسهولة وفن، وثمة تفاعل كبير دائما في قصائده بين اللغة والصورة والإيقاع بحيث يجد القارئ القصيدة وكأنها قطعة تشكيلية بالغة التجانس والتفاعل».
سيرة موجزة
تشير سيرة الشاعر فيصل القصيري إلى أنه حاصل على دكتوراه فلسفة في الأدب العربي الحديث عام 2005 من كلية الآداب في جامعة الموصل. وفي إطار التأليف صدرت له المجاميع الشعرية الآتية: «حدائق الاستفهام» عن دار الشؤون الثقافية في بغداد 2000 . «أغني لكم «عن منشورات دار الصباح 2000 . «قراطيس التيه» عن دار الصباح 2006 . كما أصدر مؤلفات في النقد الأدبي منها: «بنية القصيدة في شعر عز الدين مناصرة» دار مجدلاوي 2006 . «جماليات النص الأدبي» دار حوار 2019 .
يُذكر أن القصيري سبق أن نال هذا العام 2020 المركز الأول في محور الدراسات النقدية، عن بحثه الموسوم «أنثوية السيرة الذاتية – قراءة في سيرة فدوى طوقان» في مسابقة الطيب صالح التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي – أم درمان، في جمهورية السودان.
٭ كاتب عراقي