كتب المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما مقالاً يناقش فيه التبعات السياسية لانتشار فيروس «كورونا»، مؤكداً على فكرة أساسية: لم يعد تصنيف الأنظمة السياسية إلى ديمقراطية أو سلطوية مركزياً في ظرفنا الحالي، الأساس هو مدى قدرة السلطة التنفيذية على اكتساب ثقة المواطنين، بإجراءاتها في مواجهة الأزمة. وهو ما نجحت به ألمانيا ذات النظام الديمقراطي، والصين بحكمها السلطوي، وفشلت فيه الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب.
لا يتسرّع فوكوياما بإطلاق أحكام نهائية حول فعالية الديمقراطية، ولكنه ينقل السؤال إلى مستوىً آخر، فبعد سنوات من التنظير لانتصار الديمقراطية الليبرالية على الصعيد العالمي، بوصفها أفضل الأنظمة الممكنة وأكثرها عقلانية، يصبح سؤال الديمقراطية ثانوياً، ليس أمام تحدي التطرفات، وأشكال الاعتراف غير العقلانية، التي حذّر منها فوكوياما سابقاً، بل أمام ضرورات حاسمة ذات طابع حيوي، أي البقاء بمستواه الأولي، وما يرتبط به من حد أدنى من استمرار التنظيم الاجتماعي والاقتصادي.
تبدو «الضرورة» بهذا المعنى الكلمة المفتاحية في أيامنا، وفي المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الضرورة، يصبح حتى أكثر المفكرين تفاؤلاً بالليبرالية، وضماناتها القانونية والسياسية، مبشراً بأولوية السيادة، التي تمثلها السلطة التنفيذية، على الديمقراطية بحيوية مجتمعها المدني وحيزها العام، وارتباطها بآليات السلطتين التشريعية والقضائية. يذكّر هذا بقوة بآراء المفكر والفقيه القانوني الألماني كارل شميت، عن عبثية الادعاء الليبرالي حول فصل السلطات، ففي مستوى السياسي تبقى السيادة هي العامل الأكثر حسماً.
ترتبط دعوات التواضع عادةً بنقد الجشع الإنساني المدمر للطبيعة، هذه النقد يوجه أساساً إلى البلدان الغربية المتقدمة، التي تعيش طبقات معينة فيها مستويات مرتفعة من الرفاه الاستهلاكي.
إلى جانب ذلك تصبح الثقافة نفسها في مجتمعات الضرورة أمراً عبثياً، فالقيم التي تحملها لغاتنا ومفاهيمنا ومنتجاتنا الفكرية والفنية، والتي ينبني عليها وجودنا الاجتماعي والسياسي في الحيز العام خصوصاً، لا تعود إلا مجرد وهم أمام هشاشة الوجود الإنساني، في عهد الكوارث والأوبئة. تسود اليوم، بشكل أكثر من المعتاد، خطابات ذمّ المجتمعات الإنسانية، ودعوتها إلى التواضع أمام الطبيعة. ورغم علاقة الطبيعة لدى كثيرين بتصورات عن التوازن أو الجمال أو الفطرية، فإنها أيضاً المجال الأساسي للضرورة القاسية. وهذا يطرح تساؤلاً حول ارتباط دعوات التواضع للطبيعة بمديح السيادة، المتمثلة بجهاز غير طبيعي على الإطلاق هو الدولة، هل العيش تحت الضرورات القاسية للبقاء يترك مجالاً لقيم اجتماعية وثقافية جداً مثل الحرية؟
سيادة الضرورة
ترتبط دعوات التواضع عادةً بنقد الجشع الإنساني المدمر للطبيعة، هذه النقد يوجه أساساً إلى البلدان الغربية المتقدمة، التي تعيش طبقات معينة فيها مستويات مرتفعة من الرفاه الاستهلاكي. ولكن الميل للاستهلاك لم يعد يأتي أساساً من تلك البلدان، بل من ازدياد أعداد الطبقة الوسطى في بلدان نامية مثل الصين والهند والبرازيل. خروج فئات كثيرة من الفقر المدقع، ورغبتها برفع مستوى حياتها، يبدو التمثيل الأبرز للجشع البشري في أيامنا.
الحديث عن نظام أكثر توازناً وتواضعاً، قد يكون بهذا المعنى دعوةً لإيقاف عمليات الحضرنة، المرتبطة بفترات الازدهار والنمو الاقتصادي. وبالتالي فـ»التواضع» قد لا يكون أخلاقياً للدرجة التي يظنها أنصاره، بل ربما يكون ميزة طبقية مقتصرة على من يستطيعون تحمّل هذا النمط من الرفاهية الأخلاقوية. الاحتفاء بتوقف الإنتاج والنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً، قد يكون مفيداً لأغراض تداول صور الحيوانات البرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه مأساة كبرى لعشرات الآلاف ممن سيفقدون وظائفهم ويخسرون استقرار حياتهم الهشة.
صفة الجشع هنا قد لا تكون أكثر من حكم أخلاقي متعالٍ على الرغبة الإنسانية، التي يجب، حسب هذا المنظور، أن تُقلص لمستوى ضرورات البقاء العاري. ولكن الرغبة بالبقاء والاستمرار نفسها، أكثر تعقيداً من هذا، يُنتج البشر بفضل رغبتهم أنماطاً متعددة من المنتجات المادية وغير المادية، ومنها القيم الثقافية والأخلاقية والاجتماعية، التي لا معنى للديمقراطية أو التحرر دونها، حيث تسود الضرورة، أي في المجتمعات التي تعاني من الفقر والأوبئة والتخلف، يصعب الحديث عن تميّز أخلاقي، وليس صدفة أن تكون السيادة فيها بأشد أشكالها ضراوة.
من العبث الحديث عن أي تغير إيجابي نتيجة تعاظم سيادة الدول، في حال الضرورة الذي نعيشه. لن يؤدي هذا لأي تطور في الوعي أو معالجة اختلال المنظومة العالمية، البشر المذعورن أميل لتقبّل أي شكل من الاختلال والظلم الاجتماعي، إذا طُرح بوصفه ضرورة لا غنى عنها للبقاء. وكل الأنظمة القمعية تاريخياً بررت ممارساتها بضرورات معينة، خاصة الحفاظ على بقاء المجموعة في مواجهة عدو ما، وحدها القيم الثقافية والاجتماعية، المتداولة عبر لغة البشر بحد أدنى من الحرية، يمكن أن تنتج مقاومة فاعلة ضد الاختلال الذي قد تفرضه السيادة. بهذا المعنى فالمشكلة ليست في جشع البشر، بل في عدم قدرتهم على إطلاق رغباتهم للسيطرة على مفردات العالم الذي ينتجونه يومياً: السلع المادية والقيم الثقافية والعلاقات الاجتماعية.
الثقافة بوصفها عدوى
بالنسبة لسلافوي جيجيك فإن الضرورة التي فرضها الوباء، والتي جعلت عالمنا يتوقف عن الدوران، وأدت لتغيرات عميقة على حياتنا اليومية، تجعلنا على أعتاب ثورة فلسفية، أي ثورة في وعينا لذاتنا وعالمنا. قد يكون العقل- الروح الإنساني Der Geist، بحسب جيجيك، شبيهاً بطفيلي يستوطن أجساد البشر، يدفعهم للتكاثر ويهددهم بالفناء. الدماغ البشري أيضاً ليس أكثر من عضو مصاب بآلاف «الميمات» Memes، حسب مصطلح عالم البيولوجيا التطورية ريتشارد دوكينز، أي الرموز والأفكار والقيم والمعتقدات، التي تنتقل من دماغ إلى آخر بفضل اللغة والكتابة والخطابة وغيرها من أساليب التواصل. «فيروسات الدماغ» هذه، التي لها وجود فيزيائي، وليس رمزيا فقط، تشبه العدوى. وهنالك صراع بين عدوى خبيثة وأخرى حميدة. بالنسبة للأديب الروسي ليف تولستوي مثلاً، فالمسيحية نفسها مجرد عدوى، ولكن عدوى إيجابية. يخلص جيجيك إلى أن الدرس الذي يقدمه لنا كورونا، هو أن البشر أقل سيادة بكثير مما يتخيلون، ينقلون الأفكار التي يصابون بعدواها، ويتكلمون بدون أن يعرفوا ماذا يقولون، وسيختفون يوماً، كما يبدو، عن سطح الأرض. وعليهم تقبّل هذه الحقائق بدون الإصابة بالجنون.
الضرورة ليست المجال الأفضل لاكتساب الوعي، أو إنجاز التغيير، وأن السيادة تتغول عندما نقبل طوعاً التخلي عن قيمنا الديمقراطية.
هذه النظرة، التي تبدو شديدة السوداوية، تُسهم في شرح وجهة نظر جيجيك عن الأيديولوجيا، وقد يكون كورونا، كما كتب في مقالة سابقة، يحمل فرصة ما لنشر عدوى أيديولوجية حميدة، تساعدنا على خلق عالم أكثر تواضعاً، ولكن أكثر توازناً. إلا أن تقليص البشر إلى مجرد كائنات قابلة للعدوى، واعتبار اللغة، بكل قدراتها التواصلية، مجرد قواعد يجب تعلمها، تنقل معها العدوى الثقافية، يغفل جانباً أساسياً في الثقافة الإنسانية: البشر ليسوا مجرد متلقين سلبيين لـ»الميمات»، بل هم يصنعون مجتمعاتهم وتواريخهم، حتى لو كانت تقاليد الأجيال السابقة تثقل على أذهانهم كالكابوس، حسب تعبير ماركس الشهير.
رغبة البشر وقدرتهم على التواصل تمكّنهم من صياغة تركيبات وبناء عوالم جديدة، ولذلك فقد يملكون إمكانية لانتزاع السيادة أكثر مما يظن جيجيك، أو قادرون على الأقل على مقاومة الاختلال في السيادة القائمة. وفي هذا المجال لن تنفعهم الدعوة للتواضع كثيراً.
زلّة أغامبين
اشتُهرت المقالة التي كتبها الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين حول إجراءات العزل، التي اتخذتها الحكومة الإيطالية، وقوبلت بانتقادات شديدة، بالنسبة لكثيرين فإن غامبين لم يفهم الضرورات التي فرضها انتشار كورونا، ولم ير فيها أكثر من محاولة السلطة الحيوية لتطبيع حالة الاستثناء. باختصار المقالة لا تبدو إلا زلّة مفكر كبير، متمسك بطروحاته القديمة في عزلة تامة عن الوقائع. وعلى الرغم من أن مقالة أغامبين المذكورة قد تكون أغفلت بالفعل الضرورات الصحية في إيطاليا، إلا أن هذه الزلة تليق فعلاً بمفكر بأهميته، ما أراد أغامبين قوله، وأكّده في مقالة ثانية نُشرت في ما بعد، إن مجتمعات تعيش فقط تحت ضرورات البقاء لا تفقد فقط ضماناتها السياسية والقانونية، بل تخسر أيضاً قيمها الإنسانية والعاطفية، أي كل ما توفره الثقافة الاجتماعية من إمكانيات في مواجهة السيادة، فيصبح ممكناً رد البشر إلى وضعية «الحياة العارية». وهي ليست مجرد حالة بيولوجية طبيعية، بل ما يبقى من الحياة الإنسانية بعد أن تستبعدها السلطة من كل حماية قانونية.
لا يمكن بالتأكيد تجاهل الضرورات التي يفرضها الوباء، كما أن السلطات الديمقراطية لا تعتبر الكوارث دوماً مجرد فرصة لتصليب سيادتها، النموذج الألماني في التعامل مع الأزمة مثلاً، أثبت جدارته العملية وحفاظه على الحد الأدنى من حقوق المواطنين في الآن ذاته، وهذا دليل على أن احترام القيم الدستورية لا يقل أهمية عن السيادة، في مواجهة الأحداث الاستثنائية. رغم كل هذا فربما نكون بحاجة دوماً لزلّات جميلة على طريقة أغامبين، تذكرنا أن الضرورة ليست المجال الأفضل لاكتساب الوعي، أو إنجاز التغيير، وأن السيادة تتغول عندما نقبل طوعاً التخلي عن قيمنا الديمقراطية.
٭ كاتب من سوريا