زمن الأقنعة الواقية… وحرب الشائعات في خضم الجائحة!

بينما كانت بعض دول شرق آسيا (ومن بينها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها) تُلزِم مُواطنيها بوضع الأقنعة الواقية اتّقاء عدوى “كورونا”، كانت الحكومة المغربية تدعو المواطنين إلى عدم ارتدائها، والاكتفاء بالنظافة وأخذ الاحتياطات اللازمة. كلامٌ كان يتردد عبر التصريحات الصحافية وإعلانات التوعية المبثوثة من خلال القنوات التلفزيونية. حُجّة الحكومة في ذلك أن تلك الأقنعة خاصة بالأطقم الطبية وبالمرضى المُصابين فقط. وكان الإعلان التوجيهي يقول إن “الفيروس التاجي” يمكن أن يبقى في الأقنعة والملابس والقفازات مدة عشرة أيام، في حين لا يتجاوز بقاؤه على الجسم بضع ساعات فحسب. ومن ثم، لا جدوى من الانشغال بالأقنعة الواقية.
مع بداية هذا الأسبوع، تغيّر موقف الحكومة مئة وثمانين درجة، إذ أُجْبِرَ جميعُ المواطنين والمواطنات على وضع الأقنعة في حال خروجهم من البيوت؛ وإلا تعرّض مُخالف هذا القرار لعقوبة سجنية وغرامة مالية. وتزامن هذا التحوّل المفاجئ مع الخبر الذي تناقلته مختلف وسائل الإعلام والمتمثل في كون المغرب شرع في إنتاج الأقنعة الواقية محليا بأعداد هائلة.
كلام الليل يمحوه النهار. ذلك ديدنُ الحكومة المتناقضة في موقفها ما بين الأمس واليوم. وأغرب ما في الأمر كذلك، أن حكومة سعد الدين العثماني هيّأت على عجل مرسومًا يُعاقب حتى مَن يُعارض فكرة وضع الأقنعة. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: هل الإشكال الطبي يُعالَج بطريقة أمنية؟ وإذا كانت “منظمة الصحة العالمية” لم تحسم نهائيا في الجدل بشأن ما إذا كان للقناع “مفعول سحري” في علاقة الناس الأصحّاء بـ”الفيروس التاجي”، فإن أحد الحقوقيين المغاربة تساءل عمّا إذا كان رئيس الحكومة نفسه قد روّج معلومة خاطئة، ساهمت في تفشّي “كورونا” بالمغرب، حين دعا المواطنين ـ سابقًا ـ إلى عدم وضع الأقنعة الواقية؟
على كل حال، المغاربة لم يعودوا اليوم في حاجة إلى نداءات الحكومة المبثوثة عبر التلفزيون بشكل متواتر، ولا هم في حاجة أيضا إلى تهديداتها المتتالية بالسجن والغرامة، فقد رأوا ملك البلاد يُعيد الأمور إلى نصابها، مُرتديا القناع الواقي خلال استقبال رسمي، نقلته نشرات الأخبار التليفزيونية منذ ثلاثة أيام. إنها إشارة ملكية حكيمة تحمل أكثر من دلالة في علاقة القائد بشعبه. و”الناس على دين ملوكهم”، كما يقال. ولذلك، راح المواطنون في اليوم الموالي يبحثون عن الأقنعة، فتيّسرت للبعض، وتعسّرت للبعض الآخر، لأن الإدارات المعنية لم توفّرها بالشكل الكافي في مختلف المدن، إذ خضعت أثمانها لأمزجة طائفة من الباعة الذين ضربوا عرض الحائط الأسعار المعلن عنها رسميا؛ شأنهم في ذلك شأن باقي مُنتهزي الفرص الذين يسكنهم جشع الاغتناء من الأزمة، في غياب أيّ إحساس بالتضامن الوطني.
ملاحظة خارج السياق: فضّلتُ استعمال كلمة “الأقنعة” عوض “الكمّامات”، لأن زميلاً مُغرمًا بالتصويبات اللغوية رأى أن الكمّامات تُلصق عادة بالحيوانات لمنعها من العضّ أو من إصدار أصوات مزعجة.

الموعد اليومي

في الساعة السادسة مساء من كل يوم، يُطلّ مسؤول من وزارة الصحة المغربية عبر التلفزيونات المحلية، ليقدمّ آخر مستجدات الوضعية الوبائية في المغرب معززة بالأرقام والإحصائيات. لعلّه يدرك أن مهمته ليست بالسهلة؛ فما بين الخوف من انتشار الجائحة، والأمل في محاصرتها، والحزن على الموتى بسببها، تبقى أنظار الناس مشدودة إلى التلفاز خلال ذلك الموعد اليومي. ومن ثم، يبدو الرجل أكثر جدية وأشدّ حرصًا على تقديم المعلومة الدقيقة، وأحيانًا تُظهر أنفاسه المتلاحقة كما لو أنه جاء ركضًا بعد جمع آخر المعطيات وترتيبها ليقف أمام كاميرات النقل المباشر.
محمد اليوبي الذي يشغل مديرا لإدارة الأوبئة في وزارة الصحة لا يكتفي بتقديم الأرقام، بل يحرص كذلك على دعوة المواطنين ـ يوميا ـ إلى الالتزام بقواعد الحجر الصحي، للمساهمة في محاصرة الفيروس. ورغم الجهد المحمود الذي يبذله المسؤول المذكور، فإن العديد من الأصوات تطالب بأن يكون وزير الصحة حاضرا هو أيضا، خلال التصريح الصحافي اليومي، ليجيب على أسئلة الإعلاميين والمواطنين المتعلقة بالموضوع، تمامًا مثلما يحصل في عدة بلدان من العالم.
مرة واحدة تقريبا، ظهر فيها الوزير المعني، مع تصاعد وتيرة الجائحة في المغرب. كان ذلك منذ أسبوع عبر القناة التلفزيونية الأولى، حيث بَدَا معاليه طيلة الحديث التلفزيوني مسترخيا على كرسيه، مهتما بمظهره الخارجي، أكثر من اهتمامه بتدقيق الأجوبة وجعلها أكثر شفافية وفائدة.
عدا ذلك، تقتضي الضرورة التنويه بالجهد الذي تبذله القنوات التلفزيونية المغربية في متابعة مستجدات الجائحة، والتعريف بتضحيات العديد من “الجنود” الذين يوجدون في الصفوف الأمامية لهذه “المعركة”، من بينهم نساء ورجال الطب والأمن والدفاع المدني والتعليم… فضلا عن الباحثين والخبراء الذين ضخّوا السوق المحلية باحتياجاتها الضرورية من الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الاصطناعي وغيرها.
في مقابل العمل المتميز المبذول من طرف التلفزيونات والإذاعات والصحف الجادة، وجد البعض في “الجائحة” فرصة لنشر الأكاذيب والإشاعات والمغالطات، صوتا وصورة وكتابة، عبر بعض المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. مما جعل الحرب على الإشاعات لا تقل أهمية عن الحرب الموجهة ضد “كورونا”؛ فتتصدى لها السلطات بكل حزم ومسؤولية.

“ثالثة الأثافي”

يبث التليفزيون المغربي إعلانات توجيهية متنوعة، بعضها خاص بالتوعية الصحية إزاء جائحة “كورونا”، والبعض الآخر يتضمن إرشادات حول كيفية الاستفادة من صندوق الدعم المالي الموجه إلى المحتاجين… وغيرها من الإعلانات الصادرة عن مؤسسات حكومية. القاسم المشترك بينها جميعا أنها من إنجاز جهة واحدة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا جرى الاتفاق على الجهة نفسها، عوض تنويع مصادر إنجاز تلك الإعلانات المصممة بتقنية الرسوم التوضيحية المتحركة “موشن غرافيك”؟
ثاني الملاحظات تتمثل في ضعف الصوت الذي يقرأ نصوص تلك الإعلانات، إذ لم توكل المهمة إلى أصحاب الأصوات الجيدة من إعلاميين وممثلين وغيرهم. أما الملاحظة الثالثة أو “ثالثة الأثافي” كما يقال، فتتجلى في الانتهاك الفظيع الذي تتعرض له اللغة العربية الفصحى في الإعلانات التوجيهية، حيث تظهر الفقرات والجمل على الشاشة مكتوبة باللهجة العامية. وبذلك، فالمؤسسات الحكومية صاحبة تلك الإعلانات تقوم بانتهاك صريح للدستور المغربي الذي يشدد على أن اللغة الرسمية للبلاد هي العربية، بجانب الأمازيغية، وليس الدارجة.
وهكذا، انخرطت وزارات ومؤسسات عمومية مغربية في النهج المتبع منذ بضع سنين، والمتمثل في محاربة لغة الضاد، من خلال محاولة تكريس العامّية في شتى الإعلانات المنتشرة في الشوارع والساحات العمومية والقنوات التليفزيونية؛ وهو نهج يقف وراءه “لوبي” فرنكفوني، يسعى إلى إقامة شرخ كبير بين المغاربة وبين هويتهم ولغتهم.

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية