منذ اللحظة التي توقف فيها “الاجتهاد” في القرن الرابع الهجري، ومن ثم تهميش النزعة العقلانية لإبن رشد، دخل التنوير مرحلة ترقين قيد العقل العربي، ليتجمَّد عند حدود الانكفاء على الذات وتقليد الآخر، حتى تدهور مشروع النهضة العربية.
ومن خلال الانحدار الذي وصلت إليه النهضة: كيف تناسلت أخطاء النهضة عبر تطور السياق التاريخي؟ وقبل ذلك: بِمَ أخطأت النهضة في التنوير؟
لقد أخطأت النهضة في التنوير؛ ابتداءً من إزاحة “الاجتهاد” وإبداله بـ “القياس الظني” من خلال العودة إلى أصول الفقه الإسلامي، وبذا فالخطأ الذي أدى إليه العمل الفقهي “هو خلع الأبدية والمعصومية – كما رأى محمد أركون – على تشريع قديم مرتبط بلحظة تاريخية”.
وقد أخطأت النهضة في كيفية اختيار موقع الرؤية إلى التنوير، وخاصة ما يُقصد به من تنوير إسلامي أو علماني، غير ان النهضة شاءت التركيز على نقد الذات الحاملة له من دون نقد العقل العربي، وكأن الذات، وليس العقل؛ مركز مدار التنوير العقلاني.
لهذا كانت النهضة أمام خيارين: إمّا إتباع الآخر أو الاحتماء بالتراث، وقد وضعت هذه الحيرة العقل العربي في محنة جديدة من الامتحان النهضوي، فماذا اختار العقل العربي بعد أن عجز عن حماية ذاته من التبعية؟
من هنا مهّد التعارض بين “العقل والنقل” إلى تعميق التناقض بين الانتماء إلى هوية الذات، وبين ما يسميه صالح مصباح بـ “هويات ما بعد الكولونيالية” كالقبول بالآخر رغم الاختلاف معه.
وقد أخطأت النهضة عندما لم تدرأ التعارض بين “العقل والنقل” في التنوير، حتى تحوّل التعارض إلى صراع بين “النقل” الذي لم يكتسب دينامية التجديد من الداخل، و”العقل” الذي لم يكتسب مشروعية الانفتاح على الخارج، ولكن هل كان ينبغي التوفيق بين التراث وروح العصر من دون الانسياق في سياق التلفيق بين الدين والعلمانية؟
من هنا أيضا ًبدّدت النهضة مشروع التنوير، وإلاّ كيف يتحقّق التنوير بدون إعمال العقل في الدين؟
لقد أخطأت النهضة في التنوير عندما أدلجت مشروعها النهضوي بالإيديولوجيات التوليتارية “القومية والشيوعية” وحتى “الإسلامية” لذلك تنازعت النهضة السائرة نحو التنوير-نزعات إيديولوجية متعاكسة، مزّقت منظومة النسيج العربي الإسلامي المشترك بأدوات الاستبداد الديني والقمع السياسي.
لهذا كانت النهضة بحاجة إلى “أنا” تنويرية فاعلة في التغيير، وليس إلى تنوير قائم بذاته ولذاته الإسلامية أو تنوير محكوم بتبعية الآخر، وبذا لم يعد التنوير بالمعنى الحداثوي – كما يقول مطاع صفدي “متعلّقا ً فحسب بإشكاليات العلاقة بين اللاهوت والناسوت”.
وقد أخطأت النهضة عندما دخلت مرحلة محاكاة التنوير الأوروبي من دون مثاقفة متكافئة معه، مما خلط الفقه السياسي بالمخيال الديني، والتصوير المجازي بالتفسير الأسطوري، فأنتجت تأويلات طوبائية قائمة على الخلاص الميتافيزيقي؛ كالتسطير والتخريف والتخييل في التأويل المفرط لـ “الغيبي والعجائبي والغرائبي”.
كما أخطأت النهضة في كيفية توطين نظرية التنوير الأوروبي وتبيئة قيمه التنويرية، كالعقل والعلم والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، والقبول بالآخر على نحو مفارق لطبيعة المجتمع العربي الاستبدادية، أي من دون تحديث بنياته التحتانية “الاجتماعية والاقتصادية”، وإلا ّفما تعليل الديمقراطيات التي تحوّلت في البلدان العربية إلى دكتاتوريات جديدة؟
ولكل ذلك لم تعد النسخة الأوروبية من التنوير، كما لم تعد النسخة العربية الإسلامية من التنوير أيضا – صالحة للعقل العربي، وبذا كان ينبغي تحرير العقل العربي من قيد التبعية، وتحرير روح التنوير الإسلامي من الإسلام اللا تنويري، وقبل ذلك كلّه تحرير دوال النص من الاجتهاد الدوغمائي الخاطئ أولاً، ومن التفسير التاريخي الخطي ثانياً .
لقد أخطأت النهضة عندما انساقت في مساق الانفعال بالنموذج الأوروبي من دون فعل موازي له، لدرجة شكّلت الفجوة الهائلة بين تخلف الأنا وتقدم الآخر صدمة دافعة ومحرِّكة نحو الاحتماء بالتراث، ورغم أن روّاد التنوير الأوائل اتجهوا نحو أسلمة التنوير بما يوافق الشريعة ولا يتعارض معها، إلاّ انهم لم يتحرّروا من تأثير الانبهار بالتمدّن الأوربي في تمثيلاتهم للتنوير العربي الإسلامي.
كما أخطأت النهضة عندما اختزلت التنوير بتمثيلات “الإصلاح الديني” من خلال فئتين:
الأولى وتضم: (رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا) والثانية تضم: (فرح انطون وشبلي شميل ونقولا الحداد وطه حسين وسلامة موسى)، ولكن من دون التركيز على مَن اتجه نحو علمنة التنوير من منظور إسلامي على نحو مفارق لأسلمة التنوير، ونعني بهم: الشيخ علي عبد الرزاق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، الذي يشكل نقطة تحوِّل جذرية في كيفية الفصل بين الدين والسياسة، وخاصة على مستوى نفي فكرة الدولة القائمة على الخلافة الإسلامية .
أمّا الشيخ محمد حسين الغروي النائيني فقد قام في كتابه “تنبيه الأمة وتنزيه الملّة” بتحديث الفقه السياسي من خلال تأصيل “قيمتي العدالة والحرية” في حكم الدستور لمواجهة الاستبداد الديني.
وكان عبد الرحمن الكواكبي قد تنبّه في كتابه “طبائع الاستبداد في مصارع الاستعباد” إلى تلازم طبيعة الاستبداد الديني مع طبيعة الاستبداد السياسي.
ويمكن أن ندرج ضمن هذا السياق: جمال البنا في كتابه “تحرير المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء”.
ولكل ذلك، كان ينبغي تحرير “القرآن الكريم” من تأويلات الفقهاء الذين خرجوا بها عن مواقعها من سياق اللحظة التاريخية “الزمانية والمكانية” لها .
إذا ًأخطاء النهضة نتاج أسباب ترتبط بطبيعة التنوير، فقد كان التنوير في “عصر النهضة” خلاصة عمل هجين، اختلط فيه الإسلامي بالعلماني، والفلسفي بالديني، والإيديولوجي باللاهوتي، الأمر الذي جعل التنوير نتاج اضطراب قيمي بين التحرّر من الدولة العثمانية ومقاومة الاستعمار الكولونيالي من جهة، وأحلام الشيوعية التي انتهت بانهيار النظام الاشتراكي، ومرحلة القومية التي انتهت بفشل الوحدة العربية.
ورغم انكفاء التنوير عند حدود الإصلاح الديني، فإن رّواد التنوير وخاصة (جمال الدين الافغاني ومحمد عبده) لم يكتفيا بالاستنارة الدينية ذات النزعة الإصلاحية، وانما مزجا العقلانية بالليبرالية بصيغ علمانية، فيما تمركز رشيد رضا بذاته ولذاته الدينية المغلقة.
ورغم أن النزعة الإصلاحية امتداد للتيار العلموي عند فرح انطون وشبلي شميل ويعقوب صروف وسلامة موسى، إلا ّ أن هذه النزعة أخفقت في الإصلاح الديني، ليس لأنها لم تؤسس لفكرة التنوير برؤية عربية، وانما لأنها أخفقت في التأسيس لتنوير عربي برؤية علمية، وبذا أخطأت النهضة ليس في بناء الدول العربية، وانما في كيفية توظيف فكرة الأمة التي سبقت فكرة بناء الدولة في أوروبا.
إذا، بعد أن أخطأت النهضة في التنوير، الذي استرفد الديمقراطية، وقبل ذلك الاشتراكية، وبعدها العلمانية، ثم انتهت إلى طريق مسدود، فهل يعني ذلك أن التنوير في حاجة إلى تنوير بحيوات متجدِّدة مستوعبة لأخطاء النهضة ومتقدِّمة عليها في آن؟
وإن كان لا بد من تنوير التنوير، فهل تنوير التنوير ممكنا ًوفق تعقيدات اللحظة التاريخية المعاصرة؟
وإن كانت الشيوعية ضد الدين، والقومية العربية مرحلة وليست نهاية، والإسلامية الراديكالية ذات طبيعة تكفيرية، فهي إذاً إيديولوجيات دوغمائية لم تعد صالحة للعمل في بناء الدولة، بل ولم تعد صالحة في بناء الأمة، إذ ليس بمقدورها تطبيق العدالة الاجتماعية في مجتمع ذي تشكيلات اجتماعية واقتصادية متعدّدة، قائمة على التنويع الثقافي، وقبل ذلك كلّه لم تعد صالحة للنهضة العربية في تنوير العقل العربي في الأساس .