الكساد الذي يضرب السعودية مع حروب النفط واليمن وكورونا

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

من الركود في العام الماضي، إلى كساد عميق في العام الحالي، يتلقى الاقتصاد السعودي الصدمة تلو الصدمة، تحت وطأة خسارة الحرب على اليمن، وخسارة حرب الأسعار في سوق النفط، وتكاليف مكافحة وباء كورونا، التي تتضمن تعليق موسم العمرة واحتمال تعليق موسم الحج حفاظا على أرواح الناس. السعودية خسرت في الأشهر القليلة الماضية ما يصل إلى نصف قيمة إنتاجها المحلي في عام كامل، وهي ما تزال تواجه مستقبلا غير مضمون ومحفوف بالمخاطر.

بعد خمس سنوات خسرت السعودية حربها في اليمن خسارة فادحة، وسوف ينزل عليها العقاب بدفع تعويضات للطرف المتضرر من الحرب. وبعد أقل من خمسة أسابيع من إعلانها حرب أسعار استهدفت روسيا ومنتجي النفط الآخرين، خسرت السعودية حربها النفطية. في اليمن لم تتعلم السعودية من تجربة مصر في ستينيات القرن الماضي. وفي حرب الأسعار لم تتعلم من دروس الحرب التي خاضتها في أسواق النفط بهدف إخراج منتجي النفط الصخري الأمريكيين من السوق عام 2014 وأنها بعد الحرب التي تم الاتفاق على إنهائها، ستعود مرة أخرى إلى معضلة الاختيار المر بين الأسعار وبين الحصة السوقية.

خسائر حرب النفط وحدها ستكلف الاقتصاد السعودي في نهاية العام الحالي ما يتراوح بين 20 إلى 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بافتراض تماسك السوق في النصف الثاني من العام. العجز في الميزانية الناتج عن هبوط الإيرادات النفطية وتعويضات حرب اليمن التي يطالب بها الحوثيون، وهبوط إيرادات موسم الحج والعمرة، وتكلفة مكافحة وباء كورونا قد يزيد عن ثمانية أمثال العجز الذي كان مقدرا لعام 2019 (4.7 في المئة) ليصل إلى ما يقرب من 40 في المئة من الناتج.

الخسائر السنوية لحرب اليمن تقدر بما يتراوح بين 30 إلى 50 مليار دولار، وهو ما يعني أن إجمالي تكلفة العمليات العسكرية في اليمن خلال السنوات الخمس الماضية، يصل إلى 250 مليار دولار، هذا بدون احتساب الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأعمال العسكرية المضادة مثل الهجوم على مصافي أرامكو وآبار النفط في المنطقة الشرقية، وزيادة نفقات وأعباء الشحن والتأمين بسبب الحرب.

تعويض اليمن

في بداية الحملة العسكرية للتحالف السعودي الإماراتي على اليمن عام 2015 بلغت تكلفة العمليات العسكرية ما يصل إلى 200 مليون دولار يوميا، طبقا لدراسة أعدها مركز دراسات العلاقات الدولية في واشنطن Wilson Centre. ومع استمرار العدوان على اليمن، تزايدت التكاليف مع توسيع جبهات العمليات حتى شملت اليمن كله شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا. وبعد إعلان وقف القتال اعتبارا من يوم الخميس 9 نيسان/أبريل الجاري، فإن السعودية ستصبح مطالبة بتعويض اليمن عن الأرواح والأضرار المادية التي وقعت بسبب الحرب.

وتقدر الأمم المتحدة عدد ضحايا الحرب بأكثر من مئة الف شخص، والخسائر المادية بأكثر من 15 مليار دولار. وستكون التعويضات المستحقة على السعودية للحكومة اليمنية في صنعاء، واحدا من المحاور الرئيسية للمفاوضات من أجل اتفاق نهائي لوقف القتال. الأمير خالد بن سلمان، السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة، الذي تم إبعاده بسبب دوره في عملية قتل الصحافي السعودي عدنان خاشقجي، وافق خلال المباحثات التمهيدية لقرار وقف إطلاق النار على أن تدفع السعودية لليمن 500 مليون دولار في العام الحالي، ضمن حزمة للمعونات الإنسانية. إضافة إلى 20 مليون دولار لمساعدة حكومة صنعاء على تطبيق إجراءات احترازية لمكافحة فيروس كورونا، وقد أعلن هو بنفسه ذلك.

لكن الحوثيين لديهم قائمة طويلة بتعويضات مستحقة على السعودية، تشمل تعويضات لأسر الضحايا ولجرحى الحرب، إضافة إلى برنامج كامل لإعادة الإعمار في المناطق التي خربها القصف السعودي لليمن، سواء البنية الأساسية والمرافق، أو المنشآت السكنية. ومن المرجح أن تدرس الأمم المتحدة فكرة إنشاء صندوق للإعمار في اليمن، تموله السعودية والإمارات، جنبا إلى جنب مع أطراف دولية أخرى، على أن يكون ذلك جزءا لا يتجزأ من الاتفاق النهائي لتحقيق السلام. ومع أن تحقيق السلام لن يكون سهلا، بسبب الصراعات التي زرعتها السعودية في جنوب اليمن، إلا أن رغبتها في الخروج بأي ثمن، سترغمها على تقديم الإغراءات الكافية للتوصل إلى اتفاق ينهي وجودها العسكري هناك.

أما على صعيد الخسائر في حرب النفط، فإن السعودية كانت قد وضعت ميزانيتها للعام الحالي على أساس عدد من الفروض، التي لم تعد قائمة بسبب انهيار الأسعار، على رأسها أن متوسط أسعار النفط خلال العام 2020 سيكون في حدود 61 إلى 64 دولارا للبرميل. وتسهم إيرادات النفط بنحو 90 في المئة من إيرادات الميزانية. ولكن نظرا لأن الأسعار هبطت، وانخفض سعر البرميل إلى أقل من نصف الافتراض الرئيسي للميزانية، حيث تراجع منذ بداية العام الحالي بنسبة 60 في المئة تقريبا، فإن الإيرادات المتوقعة من القطاع النفطي ستهبط من نحو 193 مليار دولار إلى أقل من 100 مليار دولار في نهاية العام الحالي.

هذا الهبوط في الإيرادات النفطية يعادل ما يقرب من 60 في المئة من المصروفات الكلية في الميزانية. ولذلك فإن الحكومة السعودية تجد نفسها الآن في مأزق شديد، يستلزم اتخاذ إجراءات قاسية على صعيد تخفيض الإنفاق العام، وتأجيل الكثير من المشروعات الكبرى، مثل مشاريع مدينة نيوم السياحية على البحر الأحمر. وفي هذا السياق أعلنت الحكومة رسميا تخفيض الإنفاق السنوي بنسبة 5 في المئة وطلبت من الوزارات والهيئات والشركات الحكومية تخفيض الإنفاق بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 في المئة في محاولة للحد من قيمة العجز المتوقع في الميزانية.

وفي السياق نفسه أعلنت شركة أرامكو انها ستخفض إنفاقها الاستثماري في العام الحالي إلى مستوى أدنى يبلغ 25 مليار دولار مقابل حوالي 33 مليار دولار في عام 2019. وذكرت الشركة انه بسبب انخفاض أسعار النفط في العام الماضي، فإن ارباحها قد هبطت بنسبة 20 في المئة. ونتيجة للتخمة الحالية في سوق النفط، واستبعاد تعافيها في الربع الثاني من العام الحالي، فإن أرباح أرامكو ستستمر في التراجع خلال العام الحالي أيضا. ونظرا لأن أرامكو هي ثاني أكبر جهاز اقتصادي في السعودية بعد الدولة، فإن كافة قطاعات الأعمال والتوظيف المرتبطة بها ستهبط بسبب تقليص الإنفاق الاستثماري.

إجراءات إضافية

غير أن هذه الإجراءات لن تكون كافية للحد من التأثير السلبي لهبوط أسعار النفط، ولذلك فقد تلجأ الحكومة لإجراءات إضافية تشمل السحب من صندوق الاستثمارات العامة، ومن الاحتياطي النقدي، إضافة إلى احتمال اللجوء إلى أسواق المال الدولية للحصول على التمويل اللازم، إما في النصف الثاني من العام الحالي أو في العام المقبل.

وبسبب مخاطر انتشار فيروس كورونا، قررت السعودية تعليق موسم العمرة هذا العام، ومن المحتمل كذلك أن يتم تعليق موسم الحج. وتقدر إيراداتها السياحية من موسم الحج والعمرة بنحو 12 مليار دولار. ويستحوذ هذا النشاط وحده على ما يقرب من 20 في المئة من حجم الاقتصاد غير النفطي للسعودية. وتعتبر خسارة إيرادات موسم العمرة لهذا العام ضربة كبيرة للطموح المعلن في رؤية 2030 السعودية بمضاعفة قيمة الايرادات السياحية إلى حوالي 150 مليار دولار في العام 2022 ولن يتحقق هذا الرقم المستهدف في موعده على الإطلاق، ويبدو الآن سرابا في صحراء.

ومهما كانت كمية التخفيضات في الإنتاج التي ستلتزم بها الدول المصدرة للنفط، بعد اتفاقها الأخير، فإن وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض الطلب على النفط حتى نهاية العام الحالي بنسبة 20 في المئة عما كان عليه في العام الماضي. وهو ما يعني أن الطلب سيقل بنحو 20 مليون برميل يوميا. وإذا أخذنا في الاعتبار الفائض النفطي الضخم داخل صهاريج الناقلات العملاقة التي تجوب بحار العالم بحثا عن مشترين، فإن نقطة التعادل بين العرض والطلب لن تتحقق إلا إذا خفضت كل الدول المنتجة إمداداتها بهذا المقدار على الأقل، وذلك للمحافظة على سعر يتراوح بين 30 إلى 40 دولارا للبرميل. وفي حال نجاح الدول المصدرة للنفط في تحقيق ذلك، فإن أغلبية مراكز دراسات الطاقة في العالم تتوقع أن ترتفع الأسعار إلى ما يتراوح بين 40 إلى 50 دولارا للبرميل في العام المقبل. أما في حال الفشل فإن أسعار النفط قد تنخفض إلى 20 دولارا للبرميل أو أقل.

هذا السيناريو لاتجاه أسعار النفط يعني أن السعودية تواجه في العام الحالي بالفعل كسادا عميقا، بعد الركود الذي سجلته في النصف الثاني من العام الماضي، حيث بلغت نسبة الانكماش في الربع الثالث 0.4 في المئة وفي الربع الأخير 0.3 في المئة. ومن المتوقع أن يكون الاقتصاد قد انكمش بنسبة أكبر في الربع الأول من عام 2020 ثم بصورة أشد في الربع الثاني. في هذا الكساد العميق ينكمش الاقتصاد، ويتسع نطاق البطالة، مع هبوط إيرادات النفط إلى ما دون نصف تقديرات الميزانية، وانخفاض الإنفاق، وتعليق تنفيذ العديد من المشروعات، ووقف التعيينات في الجهاز الإداري للدولة أو الحد منها إلى أقل درجة ممكنة. وكانت وزارة المالية تقدر نسبة النمو المستهدف للعام الماضي بـ 1.9 في المئة، لكن معدل النمو الفعلي بلغ 0.4 في المئة فقط. وهذا العام تقدر معدل النمو بـ 2.3 في المئة وهو تقدير خيالي لن يتحقق. وطبقا لتقديرات مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني فإن كل انخفاض في أسعار النفط عن تقديرات الميزانية بمقدار 10 دولارات يعني تخفيض قيمة الناتج المحلي الإجمالي بما يتراوح بين 2 إلى 4 في المئة.

وبما ان متوسط سعر النفط المتوقع حتى نهاية العام الحالي يبلغ 30 دولارا للبرميل في أحسن الأحوال، في حين أن الميزانية قامت على افتراض سعر يصل إلى 64 دولارا للبرميل، فإننا نتوقع أن يؤدي ذلك إلى انكماش قيمة الناتج المحلي في السعودية بما يتراوح بين 6 إلى 12 في المئة على الأقل في نهاية العام الحالي. وسوف تزيد حدة الانكماش إذا أخذنا في الاعتبار التأثيرات السلبية لتعليق موسم الحج والعمرة، وخسائر إغلاق الأنشطة الاقتصادية بسبب تطبيق الإجراءات الاحترازية لمكافحة انتشار فيروس كورونا، وتعويضات حرب اليمن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية