في الذكرى الأولى لسقوط نظام البشير: هل حدث التغيير المنشود في السودان؟

محمد الأقرع
حجم الخط
0

الخرطوم-“القدس العربي “: على إيقاع المارشات العسكرية وهدير هتافات الجماهير، استيقظت المدن السودانية في مثل هذا اليوم قبل عام على صباح جديد سقط فيه الدكتاتور البشير ونظام الجبهة الإسلامية من خلفه، بعد ثلاثين عاماً من الحكم. كانت الفرحة عارمة فقد انتصر الثوار الذين استمروا في التظاهر السلمي على مدار أربعة شهور. وحدهم من كان يرقص في ذلك اليوم، فقد غابت أخيراً رقصات الجنرال البشير الفاترة عن المسرح. كانوا يهتفون باعتزاز “ثلاثين سنة بترقص الليلة رقصتنا” زادت الاحتفالات عقب تنحي رئيس المجلس الانتقالي عوض أبن عوف، لتدخل بعدها البلاد في مرحلة جديدة مليئة بالعقبات والتحديات.

وبعد أن مر عام على إنهاء حكم الإسلاميين في السودان، هل حققت الثورة أهدافها أم أنها “لم تسقط بعد” كما يقول البعض وأن كل الذي حدث لا يعدو كونه انتفاضة شعبية أفضت إلى إحداث تغيير شكلي لا جوهري في بنية الدولة؟

كانت الثورة في السودان تنادي بشعارات “الحرية والسلام والعدالة” التي ترجمتها بعض القوى السياسية في “إعلان الحرية والتغيير” الذي حوى على عدد من المطالب وتشكل على ضوئه التحالف الحاضن للحكومة الانتقالية الآن، ودعا الإعلان أولاً لتنحي البشير ونظامه وقد حدث ذلك، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية تقوم بعدد من المهام مثل وقف الحرب والتدهور الاقتصادي وإعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية، بالإضافة إلى إعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ومحاربة كافة أشكال التمييز والاضطهاد فضلاً عن إقامة مؤتمر دستوري وتحسين علاقات السودان الخارجية على أسس المصالح المشتركة والبعد عن المحاور .

هياكل الحكم

بعد سقوط البشير كانت أولى التحديات كيفية تشكيل هياكل الحكم الانتقالي، لأن ظهور العسكر في الواجهة أربك الحسابات لدرجة أن تجاوز هذه العقبة كلف سقوط المزيد من القتلى بالإضافة لوقت طويل وصولاً إلى الخلاصات النهائية التي أقرت الشراكة بين المجلس العسكري والمكون المدني وما نتج عنها من تكوين مجلس سيادة ومجلس الوزراء، وفي هذا الإطار وبعد مرور عام من الدخول في عملية الانتقال يكتشف المراقب للأوضاع هناك أن هذا الملف ما زال يعاني من نقص فلم يُشكل بعد المجلس التشريعي ولا حكومات الولايات امتثالاً لاتفاق وقعته الحكومة مع الحركات المسلحة تحت بند بناء الثقة .

ملف السلام

تحقيق السلام كان أحد مطالب الثورة المهمة، في هذا الاتجاه صرح عضو المجلس السيادي ووفد التفاوض محمد التعايشي، أن الموضوعات والمشكلات المرتبطة بجذور الصراع وجدت حظها من النقاشات الأولية بينهم وبين الجبهة الثورية وتم التوافق حولها، وتبقت فقط القضايا المرتبطة بنسب قسمة السلطة والثروة والقضايا ذات الخصوصية.

ولكن الواقع يقول إنه رغم التوصل لوقف إطلاق النار والسماح بوصول المساعدات الإنسانية للمناطق تحت سيطرة الحركات المسلحة إلا أن عملية السلام ما زالت تواجه تحديات، مثلاً هناك حركات على الأرض لم يتم الاتفاق معها بعد في مسألة إعلان المبادئ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان /جناح عبد العزيز الحلو.

ويأتي ذلك أصدر فيه تجمع المهنيين بيانا قال فيه إن المنهج المتبع في مفاوضات جوبا لن يفضي إلى سلام دائم، وطالب التجمع أن يتم التفاوض على أساس القضايا لا المسارات لأن المسارات قوبلت بالرفض المطلقة من المناطق التي يتحدث باسمها، ودعا التجمع أن يتولى مجلس الوزراء إدارة ملف السلام كما نصت الوثيقة الدستورية.

الضائقة المعيشية

ويشتكي السودانيون من اشتداد الضائقة المعيشية رغم مرور عام على سقوط النظام فقد حدثت زيادات مهولة في أسعار السلع، في وقت يبرر فيه مراقبون أن المشكلة الاقتصادية كانت نتيجة لسياسات تخريب متعمدة استخدمها النظام البائد وأن عملية تجاوزها وتعافي الاقتصاد يتطلب المزيد من الوقت، ويشيرون بأن تأخير المؤتمر الاقتصادي الذي أؤكل له تقديم حلول للمشكلة ساعد في تزايد الأزمة باعتبار أن الحكومة عاجزه حتى الآن مثلاً عن اتخاذ قرار رفع الدعم عن المحروقات، ويرون أيضاً أن تنصل المجتمع الدولي وعدم الإيفاء بالتزاماته فضلاً عن وجود السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب ساعد في تدهور الأوضاع .

التفكيك والإصلاح القانوني

تفكيك النظام البائد، تقديم رموزه للمحاكمات، وإصلاح القوانين، كانت هي الأخرى إحدى أهداف الثورة المهمة، وبعد عام من سقوط النظام نجد أن الحكومة قامت بالفعل بحل حزب المؤتمر الوطني ومصادرة ممتلكاته وتكوين لجنة عليا لإزالة التمكين وتفكيك نظام 1989 والتي بدورها أصدرت عددا من القرارات وبموجبها تم إعفاء بعض منسوبي الحزب المحلول من أجهزة الدولة وإحالة بعض أموال الشركات والمؤسسات لخزينة الدولة، أما في سياق إصلاح القوانين كانت الحكومة قد قامت بإلغاء قانون النظام العام وبعض قوانين جهاز الأمن والمخابرات التي تسمح له بالاعتقال ومصادرة الصحف بالإضافة لإصدار عدد من القوانين الأخرى المنظمة للعمل .

وفيما يخص بالمحاكمات أو تقديم المتورطين في جرائم حرب بدارفور لمحكمة الجنايات، يرى متابعون أن الحركة ما زالت بطيئة والرؤية ضبابية .

 وحول إصلاح القوانين قال الصادق علي حسن، الأمين العام لهيئة محامي دارفور لـ”القدس العربي” إن الوثيقة الدستورية بها عيوب جوهرية لأنها لم تؤسس لاستعادة الحياة الدستورية بصورة سليمة، لذلك ظلت القوانين الصادرة في ظل النظام البائد سارية المفعول بما فيها قانون الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي بل قانون الأحزاب نفسه.

وأضاف: “استرداد الحياة الدستورية يكون بالاستعادة الإجرائية للدستور المعمول به قبل تقويضه بانقلاب 1989 واعتبار فترة النظام البائد منذ 30 حزيران/يونيو 1989 وحتى عزل البشير بفترة الانقطاع الدستوري، وان كل ما صدر في ظل الانقطاع الدستوري يعتبر بالتدابير الفعلية، بحكم الأمر الفعلي والواقع، ولكن لن تكتسب هذه التدابير مطلقا الصفة الشرعية، كذا يشمل ذلك التدابير الاتفاقية بموجب اتفاقية السلام 2005. ويعتقد أنه “ما لم يتم التوصيف الدستوري السليم سيظل السودان في دوامة انتهاكات متكررة للدستور والشرعية القائمة”.

ويقول الصادق علي حسن، عن تقديم مرتكبي الجرائم في دارفور للمحكمة الدولية وفي مقدمتهم البشير، إن المسألة ظلت خاضعة لمستويات مختلفة، هناك عساكر النظام البائد ويمثلون الامتداد الفعلي للجنة الأمنية لحكومة البشير وهم النافذون وهؤلاء خطتهم الاكتفاء بالتخلص من البشير بدون محاكمته أو تسليمه وعلى رأس هؤلاء البرهان، أيضا هناك حميدتي، الذي لا يمانع من محاكمة البشير أو تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية نسبة لتقديرات شخصية، ويضيف: “هناك حمدوك وهو الحلقة الأضعف في المعادلة وكذلك توجد قوى الحرية والتغيير التي حزمت أمرها بالمحاكمة أو التسليم لمحكمة دولية” ويزيد قائلاً “لكن المؤكد بلا لبس أن النائب العام تاج السر الحبر حريص على محاكمة البشير”.

العلاقات الخارجية

أما في ملف العلاقات الخارجية، تقول د. تماضر الطيب استاذة الدراسات الدبلوماسية في جامعة الخرطوم إن علاقات السودان الخارجية ما بعد البشير اتسمت بالانفتاح على المجتمع الدولي، وأن أبرز تحول يمكن ملاحظته زيارات مسؤولين رفيعين من دول كبرى.

وأوضحت لـ”القدس العربي” أن علاقات السودان خلال العام الماضي على المستوى الافريقي تسير بشكل جيد خاصة النشاط الدبلوماسي في “الإيغاد” والموقف من الحكومة الليبية المعترف بها دولياً الذي يأتي في إطار علاقات متوازنة مع دول الجوار.

وترى أن الموقف الوحيد الذي لم يتغير بعد هو عدم الابتعاد عن سياسة المحاور، وموقف السودان من حرب اليمن، وترى أن الحكومة ما زالت متماشية مع المحور السعودي الإماراتي وتؤكد أن من أهم الأسباب التي تؤجل البت في مثل هذه القضية هي غياب المجلس التشريعي الذي يحسم مثل هكذا أمور.

الحاضنة السياسية

هناك من يحمل بطء عملية الانتقال في السودان لقوى الحرية والتغيير التي تعتبر الحاضنة السياسية للحكومة، مجدي عبد القيوم القيادي في الحرية والتغيير وعضو حركة “حق” قال: “إن قوى إعلان الحرية والتغيير شكلت الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية حتى مرحلة تشكيل مجلسي السيادة والوزراء، ثم تراوحت مواقفها بعد ذلك ما بين الحكومة والمعارضة وفي تقديري الشخصي أن تقمص شخصية دكتور جيكل والمستر هايد هذه أضرت ضررا بليغا بالعلاقة بين الحكومة وحاضنتها السياسية”.

وأضاف: “وما فاقم الوضع وزاده تعقيداً على تعقيد فشل قوى الحرية في تشكيل المجلس التشريعي، صحيح أن هناك أسبابا موضوعية متصلة بالمسألة ولكن ومن خلال ملامسة لصيقة للموضوع فإن الأسباب الذاتية المتصلة بقوى الإعلان هي العامل الأساسي في فشل تشكيل المجلس التشريعي، فالسبب الأساسي في ذلك هو فشل هذه القوى في الاتفاق على رؤية حول التشكيل وكذلك إكمال هياكل الحكم المحلي وهذا أدى إلى ارباك الحكومة كجهاز تنفيذي، فقوى الإعلان بعد فشلها في تشكيل المجلس التشريعي كجهاز رقابي لجأ كثير من مكوناتها للشارع لسد الفراغ الرقابي ما انعكس سلباً على العلاقة بينهما”.

وزاد، أن أداء قوى إعلان الحرية والتغيير الآن ليس فقط دون المستوى بل أن هذا الجسم لم يعد قادرا على لعب دور الحاضنة السياسية. وأكد أن إعادة هيكلة هذا التحالف مطلب ملح ومتفق عليه.

وأشار إلى أن المرحلة الحالية تستلزم إعادة تفكير وجرأة في الطرح للوصول لمشروع وطني متفق عليه وهذا لا يلوح في الأفق حتى الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية